“الموالعة” انتظروا “قاتهم” فوصلهم نبأ الفاجعة ..
الضحايا : موت شابين احدهما فصل جسده العلوي عن السفلي والأخر اقتطع رأسه من فتحة فمه إلى لحمة أذنه, فيما البقية بين إصابات نازفة ومتورمة.
الواقعة : حادث مروري مرعب (اصطدام سيارة تقل مقاوتة وانقلابها أثناء سيرها بسرعة الجن في خط إسفلتي ساخن).
المكان : منطقة الواسطة, قاع جهران -معبر م/ذمار.
نوع السيارة : هيلوكس غمارتين موديل 2005.
رقم اللوحة :89387/1 (اليمن – خصوصي) .
التفاصيل :
لم يفصل بين زمان وقوع الحادث الشنيع ووصولنا المكان سوى مسافة بضع دقائق لأجد نفسي ورفاق السفر أمام مشهد طازج حمضي دخاني امتزجت فيه الدماء بطعم الموت واختلطت به الأوصال بأوراق الرغيف الأخضر (القات) وذرفت له القلوب مشاعر سائلة والأعصاب تعابير مرتعشة واستقام له شعر الرأس كالسنابل .
كانت المرة الأولى التي أحضر فيها واقعة بهذا الحجم شاهد عيان وليس ناقلاً عن مصدر آخر, المشهد كان مخيفاً حد ارتجاف التراّئب , ومؤلماً حد تفتت العظام ,وحاراً حد جفاف الحلق والشفتين وتشظي الروح ويبس الرأس , دماء تفور من قاع الجمجمة لشاب في ريعان العمر يلفظ أنفاسه الأخيرة دون أمل في البقاء, وآخر يودع الحياة بنصف جسد فيما النصف السفلي مبعثر على بساط الإسفلت الملتهب بصراخ الناس ودماء وأشلاء الضحايا , احد الناجين يصعق بصوت حار "صدام انتهى" , وأخر مضرج بدمائه بصعوبة بالغة يقبض بأصابعه على هاتف جوال يحاول ان يطمأن أسرته بنجاته من الموت على طريقة الأخبار , وثالث طاعن في السن سارع الناس لإخراجه من داخل حطام السيارة فإذا به لا يصدق انه مازال حيا ًفيختار أن يكون اخرس ويترك لنظراته مهمة التعبير الصعب عن فاجعته وحزنه على فراق اثنين من رفاق الموت الطائر, فيما بقية الناجين ومعهم سائق السيارة يمشطون بأقدام حافية ووجوه صفراء وجروح نازفة خط منطقة الموت لا يدرون ماذا يقولون ولا ماذا يريدون والناس من حولهم يلقنوهم "الحمد لله على السلامة" كمن يلقن محتضرا الشهادتين.
الإسفلت ظهر بألوان مختلفة بعد أن غطت أوراق (القات) المبعثر هنا وهناك معظم لونه الأسود وجثث الضحايا ودمائهم وأوصالهم جزءًا منه , أما السيارة وقد صار أعلاها أسفلها.. بدت وقد اقتص جزؤها الأمامي وتهشمت بصورة بشعة للغاية حيث حاول المنقذون دفعها للجانب الآخر ليتمكنوا من إنقاذ محظوظين كتبت لهم الحياة , طفل من أهل المنطقة ظهر مشغولا ومنهمكاً بثقافة الفيد خارج تغطية الحادث وهو يحشر اكوام القات المبثوث بدم بارد إلى داخل" شال" بعيداً عن زحمة الأعين.
لا أنكر لحظتها أن راسي تجمد, وفكري تشتت , وجسدي تخدر, وكادت الكاميرا أن تسقط من يدي مرات عديدة وأنا افقد السيطرة عليها أثناء التصوير الموحش, فمشهد مثل هذا كان جديد عليّّ لم يصادفني شبيه له طيلة عمري , ولم اقرأ عنه حتى في المنام أو في أسفار يوم القيامة. .
الحادث بماساته الثقيلة ووجعه العنيف وان كان ترك في ذاكرة من عاينوه بأبصارهم حزناً لن يفارقهم إلا انه في ركن آخر ترك أثرا كفيل بان يجعل الكثير من "المقاوته" في سباقهم على ريالات "الموالعة" يبدؤون في التفكير عن خاتمة حسنة يودعون بها الدنيا وذويهم لا تحضر فيها السرعة الجنونية سبباً داميا ًلحصاد أرواحهم وتمزيق أجسادهم وتيتيم أطفالهم .