جمهورية الفنادق ووجع الأحرار: اليمن بين بذخ المنافي ونكبة الداخل

يمنات
فؤاد محمد
مقدمة: مفارقة الوجع في “نيويورك”
من قلب “نيويورك”، حيث تُصنع القرارات الدولية وتلمع أضواء ناطحات السحاب، يخرج صوتٌ يمنيٌّ مخنوق ليحكي قصة شتاتٍ من نوع آخر. ليست قصة لاجئ يبحث عن أمان، بل قصة برلماني “حُر” وجد نفسه مضطرا للاحتماء بظل صديق، بينما السلطات التي تدّعي تمثيله وتمثيل شعبه المنكوب تنشغل بترتيب “حقائبها” وحساباتها البنكية. إنها المفارقة الصارخة التي تلخص الحالة اليمنية اليوم: التمثيل السياسي في وادٍ، والواقع الشعبي في وادٍ سحيق.
طبقة “نزلاء الفنادق”: حين يصبح الوطن استثمارا
تحدث النائب أحمد سيف حاشد عن فئة تعيش في الفنادق، تتسلم مرتبات ضخمة بالعملة الصعبة، وتنفق ببذخ. هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي توصيف لظاهرة “اقتصاد الحرب” الذي استمرأته النخب السياسية.
– عقلية الغنيمة: تحولت المناصب الحكومية والدبلوماسية من تكليف لخدمة الناس إلى “غنائم” يتم تقاسمها بناء على الولاءات والمحاصصة، وليس الكفاءة.
– اغتراب السلطة: عندما يعيش المسؤول لسنوات في عواصم العالم (الرياض، القاهرة، إسطنبول)، فإنه يفقد تدريجيا اتصاله بالواقع اليمني. تصبح أخبار الجوع والقصف وانقطاع الرواتب وتخفيضها للنصف بالنسبة له مجرد “تقارير” تُقرأ في المكاتب المكيفة، وليست واقعا يوميا يعيشه الشعب.
أحمد سيف حاشد.. رمزية “النائب الحر” المحاصر
إن استهداف أو إهمال شخصية بحجم أحمد سيف حاشد وهو البرلماني الذي ظل متمسكا بدوره الرقابي وصوته الناقد رغم كل الضغوط يعكس رغبة “سلطات الأمر الواقع” وسلطات “الشرعية” على حد سواء في إسكات أي صوت لا يغني في جوقة المديح.
منع المساعدة كأداة عقاب
عندما تُمنع المساعدة أو الحقوق الطبيعية عن نائب يمثل الشعب، فإن الرسالة الموجهة هي: “لا مكان للأحرار في منظومتنا”.
الإيواء الشخصي مقابل جحود الدولة
إن شكر “الصديق الكبير” الذي آوى النائب هو في الحقيقة صفعة أخلاقية في وجه السلطة. فالدولة التي تعجز عن رعاية رموزها الوطنية، هي دولة سقطت أخلاقيا قبل أن تسقط سياسيا.
الحالة اليمنية: شعبٌ منكوب بـ “تمثيله”
اليمن اليوم لا يعاني فقط من آثار حرب عسكرية وحصار اقتصادي، بل يعاني من “أزمة تمثيل”.
– الفساد المستشري: بينما يتزاحم المسؤولون على “المنح” والمناصب، يواجه الملايين من اليمنيين انعدام الأمن الغذائي. الفوارق الطبقية لم تعد بين غني وفقير، بل بين “متنفذ مرتبط بالسلطة” وبين “مواطن مطحون”.
– ازدواجية الخطاب: السلطات تتحدث باسم “الشعب المنكوب” في المحافل الدولية لجلب الدعم والمنح، لكن هذه المنح غالبا ما تتبخر في دهاليز البيروقراطية والفساد والمصاريف النثرية للمسؤولين، ولا يصل للمواطن إلا الفتات.
التداعيات السياسية والاجتماعية لسياسة “التجاهل”
إن الاستمرار في سياسة إقصاء الأحرار وتهميشهم، مقابل تدليل “أدوات التبعية”، يؤدي إلى:
– فقدان الثقة الكلي: يتكرس لدى المواطن اليمني شعور بأن كل الأطراف المتصارعة لا تبالي بمعاناته، مما يؤدي إلى حالة من اليأس الجماعي.
– تآكل مؤسسات الدولة: عندما تُدار الدولة بعقلية “الكنتين” أو “الشركة الخاصة”، تنهار المؤسسات القانونية والبرلمانية وتتحول إلى هياكل كرتونية.
– إطالة أمد الصراع: المستفيدون من “مرتبات الفنادق” وبذخ المنافي ليس لديهم دافع حقيقي لإنهاء آثار الحرب، لأن السلام يعني فقدان تلك الامتيازات والعودة إلى واقع المساءلة.
الصرخة القادمة من نيويورك: دروس للمستقبل
رسالة النائب أحمد سيف حاشد هي جرس إنذار. إنها تكشف أن الصراع في اليمن ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صراع بين “قيم الدولة” و “قيم الفيد”.
الحاجة إلى تكتل وطني جديد
أثبتت الأيام أن النخب الحالية استهلكت رصيدها. اليمن بحاجة إلى أصوات حرة، تتجاوز الانتماءات الضيقة، وتضع كرامة اليمني فوق كل اعتبار.
المساءلة الأخلاقية
يجب أن يدرك كل مسؤول يعيش في رغد العيش على حساب دماء وآلام اليمنيين أن التاريخ لن يرحم، وأن “صورة نيويورك” ستبقى شاهدة على خذلان من اؤتمنوا على شعب فأضاعوه.
خاتمة: وطنٌ في قلب صديق.. ولا سلطة تأويه
ختاما، إن كلمات النائب أحمد سيف حاشد تلخص مأساة وطن “منكوب بسلطته”. عندما يكون الصديق أرحم من “الدولة”، وعندما تكون المنافي أكثر اتساعا من صدر الوطن، نعرف أننا أمام كارثة إنسانية وسياسية كبرى. إن “الشعب المنكوب” الذي تحدث عنه أحمد سيف حاشد ليس بحاجة إلى خطابات رنانة من فنادق (الرياض، القاهرة، إسطنبول)، بل بحاجة إلى رجال يتقاسمون معه رغيف الخبز ووجع الانتماء.
ستظل صرخة حاشد وصمة عار في جبين كل من تاجر بآلام اليمنيين، وستبقى الحقيقة ساطعة: الأوطان لا تبنيها الفنادق، بل تبنيها التضحيات والمواقف الحرة التي لا تُباع ولا تُشترى.