فضاء حر

أصالة

يمنات

ربا رباعي/الاردن

في زمنٍ تتزاحم فيه الخوارزميات مع الأقلام، وتتنافس فيه الصور المُولَّدة رقميًا مع اللقطة الفوتوغرافية الخام، لم يعد السؤال: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا؟ بل أصبح السؤال الأعمق: كيف نحفظ الأصالة في خضم هذا الفيضان الاصطناعي؟

لقد فتحت أدوات الذكاء الاصطناعي—من نماذج اللغة التوليدية مثل ChatGPT إلى مولدات الصور مثل DALL·E—آفاقًا غير مسبوقة للإبداع، ووفّرت سرعة في الإنتاج وتنوعًا في الأساليب، وأعادت تعريف العلاقة بين الفكرة وتنفيذها. غير أن هذه القفزة التقنية، على ما تحمله من إمكانات، تطرح تحديًا فلسفيًا وجماليًا وأخلاقيًا: هل تظل القيمة في الفكرة أم في مصدرها؟ في الشكل أم في صدقه؟

بين الصناعة والصدق
إن جوهر الإشكالية لا يكمن في الأداة ذاتها، بل في توظيفها. فكما يرى الفيلسوف الألماني Walter Benjamin في مقاله الشهير «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه تقنيًا»، فإن العمل يفقد «هالته» حين يُنزَع من سياقه الأصلي ويُعاد إنتاجه بلا أثر لفرادته (Benjamin, 1936). وإذا أسقطنا هذه الفكرة على المحتوى المعاصر، وجدنا أن الوفرة الرقمية قد تُضعف الإحساس بالندرة، وأن الصورة المصقولة أكثر من اللازم قد تفقد عفويتها التي تمنحها قيمتها الإنسانية.

وفي السياق التسويقي، يتجلّى هذا التوتر بوضوح. فحين تلجأ علامة تجارية عريقة إلى صور أطفال مُصنَّعة بالذكاء الاصطناعي في حملة ميدانية، فإنها—ولو من حيث لا تدري—تخاطر بتآكل الثقة الرمزية التي بنتها عبر عقود. تشير دراسة صادرة عن Edelman ضمن تقرير “Trust Barometer” إلى أن الثقة هي العامل الحاسم في تفضيل العلامات التجارية، وأن الجمهور بات أكثر حساسية تجاه التلاعب البصري أو العاطفي (Edelman, 2023).

وهنا يصبح السؤال: هل يُغني الابتكار عن الصدق؟ أم أن الصدق شرط لاستدامة الابتكار؟

من الوظيفي إلى العاطفي
في المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي—أو لأي أداة إبداعية—أن يخدم الأصالة بدل أن يطمسها، إذا وُظِّف ضمن رؤية إنسانية واضحة. ويبرز مثال ذلك في الإعلان الأخير لخدمة التأمين الشامل من شركة القدس للتأمين، الذي انطلق من مقاربة نفسية واجتماعية تمثلت في جلسة علاج جماعي (Group Therapy). لم يركّز الإعلان على الحادث بوصفه حدثًا ميكانيكيًا، بل على ما بعده: المماطلة، الاتصالات، الواسطة، الإرباك—أي على «نقطة الألم» (Pain Point) الحقيقية في تجربة المؤمن له.

هذا التحول يعكس انتقالًا من الإعلان الوظيفي (Functional Advertising) إلى الإعلان العاطفي والتجريبي (Emotional & Experiential Advertising)، وهو ما تؤكده أدبيات التسويق المعاصر. يرى الباحثان Bernd Schmitt وPhilip Kotler أن العلامات التجارية التي تنجح في بناء تجربة عاطفية متكاملة هي الأقدر على ترسيخ الولاء طويل الأمد (Schmitt, 1999; Kotler & Keller, 2016). فالمستهلك لا يشتري الخدمة فحسب، بل يشتري الطمأنينة، ويبحث عن اختصار الفوضى لا مجرد تعويض مالي.

إن تجسيد الخوف في مصطلح ساخر مثل «كروكافوبيا» يختزل تجربة جمعية عاشها كثيرون، ويحوّل المعاناة الفردية إلى خطاب مشترك. وهنا تتجلى الأصالة لا في خلوّ العمل من التقنيات الحديثة، بل في قدرته على لمس التجربة الإنسانية بصدق.

جدلية التقنية والإنسان
لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل البنية المعرفية والإبداعية للعصر. يشير تقرير صادر عن McKinsey & Company (2023) إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يضيف تريليونات الدولارات إلى الاقتصاد العالمي عبر رفع الإنتاجية وتسريع الابتكار. غير أن القيمة الاقتصادية لا تعني بالضرورة قيمة رمزية أو أخلاقية.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام التقنية، بل في الاعتياد عليها حدّ التماهي، بحيث يصبح الاصطناع هو المعيار، والطبيعي استثناءً نادرًا. وعندها يتحول البحث عن «الأصلي» إلى تنقيب في ركام الصور المنمقة والنصوص المصقولة.

نحو توازن خلاق
إن التحدي أمام الأفراد والمؤسسات اليوم ليس ركوب موجة الذكاء الاصطناعي—فذلك مسار حتمي—بل بناء توازن خلاق بين الابتكار والمصداقية. فالتقنية حين تُسخَّر لخدمة الفكرة الإنسانية تعزّزها، وحين تُستعمل بديلاً عنها تُفرغها من معناها.

لقد علّمنا تاريخ الإعلام أن كل ثورة تقنية تثير مخاوف مماثلة، من الطباعة إلى التلفزيون إلى الإنترنت. غير أن ما يبقى في النهاية ليس الأداة، بل الأثر. وكما قال Marshall McLuhan: «الوسيلة هي الرسالة» (McLuhan, 1964)، غير أن الرسالة لا تُخلَّد إلا إذا حملت صدق التجربة الإنسانية.

في زحمة المحتوى المصنّع، سيظل الجمهور قادرًا—بحدسه الجمعي—على تمييز العفوي من المفتعل، والصادق من المصقول أكثر من اللازم. فالأصالة ليست موقفًا رومانسيًا مضادًا للتقنية، بل معيارًا أخلاقيًا وجماليًا يحكم استخدامها. ومن يحسن الموازنة بين الاثنين، هو من سيصنع الفارق.

المراجع

Benjamin, W. (1936). The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction.
Edelman (2023). Trust Barometer Report.
Kotler, P., & Keller, K. (2016). Marketing Management.
McKinsey & Company (2023). The Economic Potential of Generative AI.
McLuhan, M. (1964). Understanding Media: The Extensions of Man.
Schmitt, B. (1999). Experiential Marketing.

زر الذهاب إلى الأعلى