كيف تصنعُ السجونُ السياسية رجالا أبطالاً ..!

يمنات
عبدالوهاب قطران
في مقيل الليلة، جلس أمامي ابن أخي، “الجنرال الصغير” عبدالسلام عارف. ورغم غضاضة عوده وسنيّه الإحدى والعشرين، أدهشني حقاً هذا التحول العميق في شخصيته؛ فقد بدا رجلاً رزيناً، عاقلاً، وهادئاً شخصية رصينة تأسر الألباب وتلفت الأنظار.
لقد صقلته تجربة ستة أشهرٍ من تجرع مرارة السجون السياسية، متنقلاً بين خمسة معتقلات، ليتعرف عن كثب على معاناة المغيبين خلف الشمس في الزنازين من كل ربوع اليمن الكبير.
لقد تذوق في تلك الغياهب المظلمة قسوة هذه الحياة البائسة ووحشيتها، وصهرته المعاناة بجحيمها وصقلته بنارها، فخرج منها صاحب تجربة، وذا حنكة وكياسة ودراية.
بات طرحه اليوم موزوناً، وفكره لماحاً فطناً؛ لقد خبر مرارة وجحيم المعتقلات السياسية وقسوتها في مرحلة مبكرة جداً من حياته، ليثبت لي حقاً أن السجن السياسي هو المدرسة الأولى للسياسة، والمصنع الحقيقي للرجال العظام!
في ذروة الكيف، وبعد أن غادر الأصدقاء المجلس، لمحته غارقاً في طمأنينة عميقة وسكينة تامة، شارد الذهن، كأنه يسبح في ملكوت الله “مُطنّن”. قطعت عليه حبل طنانته وشروده، وداهمته بسؤال:
”عبدالسلام.. ما هو أهم درس تعلمته بعد تغييبك ستة أشهر في غياهب السجون السياسية؟”
أجابني بنبرة الواثق المجرب: “تعلمت الصبر،اصبر صبر الحجر في مدرب السيل واعظم على القهر والباطل ، وعرفت من هم أصدقائي الحقيقيون، واكتشفت من هم أعدائي”.
ثم باغتّه بسؤال ثانٍ:
”وما هي أهم تجربة أضافتها لك تلك التنقلات القسرية بين خمسة سجون، منها ثلاثة أشهر من الإخفاء القسري والغيبة الصغرى بسجن استخبارات الشرطة ، حيث انقطعت أخباركم، أنت ووالدك، عنا تماماً حتى ظننا أنكم فارقتم الحياة؟”
رد قائلاً بثقة رجلٍ خبر الحياة:
“أدركت أن الأحرار وأشجع رجال اليمن يقبعون داخل المعتقلات ، بينما الجبناء والأنذال يرتعون خارجها.
لقد عرفت أحراراً وابطالا من كل بقاع الوطن اليمن الكبير، وعقدت زنازين الاعتقال أواصر أخوة وصداقات متينة بيني وبين هؤلاء الأبطال، حتى تعاهدنا على أن نفدي بعضنا بالروح والدم.
ومن أكرم وأرجل من عرفت هناك: رجال رداع الكرام؛ الشيخ علي توفيق ناقوس، وعلي جبر كزم، والصحفي ماجد زايد “.
ثم سألته بفضول:
”وما هو أهم ما ركزوا عليه أثناء التحقيق معك؟”
أجاب بمرارة تكسوها السخرية: “نزولي معك إلى عدن بعيد عرفة الماضي !”
وأردف: “لقد أصروا إصراراً عجيباً على أننا التقينا برشاد العليمي، وطارق عفاش، وعيدروس الزُبيدي، وأننا استلمنا منهم دعماً وأموالاً! كانوا يمارسون ضغطاً نفسياً رهيباً لأعترف بأشياء لم تحدث، مهددين إياي بالبقاء في السجن مدى الحياة إن لم أفعل.
أقسمت لهم أيماناً مغلظة أننا لم نلتقِ بهم، ولم نستلم فلس من احد ،واننا لانجد في بيتنا مايسد الرمق بيرنا الارتوزاية جفت يابسه ومزارعنا بهمدان عاطشة هالكة.
لكن المحقق كان يُقسم بدوره باطلاً أن اللقاء قد حدث واننا استلمنا اموالا طائلة!”
ثم تنهد وأكمل: “قال لي المحقق، المكنى بـ ‘أبو جعفر’: (عمك عبدالوهاب عميل مرتزق، ونزل عدن يرتزق، ولو كان المرتزقة هناك رجالاً لقاموا بتصفيته وقتله).
لم أتمالك نفسي، فرددت عليه بشموخ: (عمي القاضي عبدالوهاب أشرف منك ومن ابتسام أبو دنيا).
حينها، استشاط المحقق غضباً، ونهض من كرسيه هائجاً وهو يصرخ: (أشرف مني أنا؟!)، ثم أمسك بذقني بعنف وأمر الجندي قائلاً: (نزّله زنزانة انفرادية!).. ورموا بي في الانفرادية.
والمفارقة أنه حتى بعد الإفراج عن أبي قبل شهرين، أعادوا التحقيقات والتعذيب النفسي معي مرة أخرى، وكان التركيز كله ينصب عليك، وعلى رحلتنا إلى عدن!”