المظلومة

يمنات
محمد المخلافي
كانت الساعة تقترب ببطء من الرابعة عصرًا في إحدى أيام الصيف الممطرة، حيث كان الضباب الكثيف يغطي القرية. وفي تلك الأثناء، وصلت سيارة قحطان من المدينة.
كالعادة، توقفت عند طرف القرية، ونزل جميع الركاب باستثناء سيدة في بداية عقدها الرابع، بدت متعبة جداً. نزلت بصعوبة، بيدها كيس بلاستيكي .. تمشي بخطوات ثقيلة نحو القرية. مرت بجانب مقهى حسن، المكان الذي يتجمع فيه أهل القرية والقرى المجاورة للاستراحة وشرب الشاي.
تسلل الفضول إلى أحد الشباب، فأشار نحو المرأة المتعبة وسأل: “من تكون تلك المرأة؟”
أجاب آخر بنبرة مترددة: “لا أعلم بالضبط.” ثم قال أحدهم بعد لحظة: “إنها مريم. لقد تم الإفراج عنها من السجن.”
تفاجأ الشباب وسألوه باستغراب: “لماذا سُجنت؟”
أجاب: “لأنها قتلت شابًا من أبناء القرية قبل سنوات، لكني لا أتذكر تفاصيل الحادثة.”
كان الممر المؤدي إلى وسط القرية خاليًا تمامًا من المارة. بدأت مريم تقترب من بيتها وتتأمل ما تبقى من ذكرياتها المرتبطة بهذه الأماكن التي تركتها قبل عشرة أعوام. تغيرت أشياء كثيرة في القرية، بُنيت بعض البيوت، وبقيت أخرى مهجورة وتحولت إلى أطلال متهالكة غير صالحة للسكن.
عند مدخل البيت، توقفت مريم … لاحظت أن جزءًا من المبنى قد انهار.
كان الباب مغلقًا بحبال متهالكة بسبب الإهمال. مدت يدها وبدأت تفك الحبال بقوة حتى انفكت..،
فتحت الباب. حينما ولجت بهو البيت، شعرت بمزيج من الحنين والألم. كان المكان مظلمًا ومليئًا بالأتربة والعناكب. رفعت الستارة الثقيلة، فدخل الضوء الطبيعي ببطء، كاشفًا عن الأثاث المغطى بالغبار. دخلت غرفة النوم، ورأت صورة عائلية قديمة على الحائط، أنزلتها وأزالت عنها الغبار.
في تلك الأثناء، صعدت جارتها خديجة إلى سطح منزلها لجلب بعض الحطب. لمحت باب بيت مريم مفتوحًا، فصاحت لتسأل من فتح الباب، ثم نزلت على الفور ظنًا منها أن الأولاد فتحوه.
دخلت البيت.. لتتفاجأ بوجود مريم… لم تتمالك نفسها… عانقتها بحرارة، وقالت: “الحمد لله، وأخيرًا تم الإفراج عنك.”
ساعدتها في تنظيف جزء من غرفة النوم لكي ترتاح وتنام فيها.
ذهبت بسرعة إلى منزلها وأحضرت لها فراشًا وبطانية وبعض الطعام والماء، وقالت: “سأتركك الآن لترتاحي، وفي الصباح سأعود لأساعدك في تنظيف وترتيب البيت.” شكرتها مريم على ذلك.
لم تنم مريم في تلك الليلة. تمددت على الفراش تنبش الذكريات وهي تقلب ألبوم الصور، تستعيد كل لحظة من أول يوم زُفّت فيه إلى هذا البيت الصغير. لا تزال تتذكر ابتسامة زوجها ناصر حين استقبلها عند باب البيت، وأمسك يدها برفق. كان جسدها يرتعش من شدة الفرح، ودقات قلبها تتسارع مع كل لمسة. كان ناصر حينها في السابعة والعشرين من عمره. كان يعمل معلمًا لمادة القرآن الكريم في مدرسة القرية. كان شابًا طويلًا وممتلئ الجسم، ببشرة قمحية، وشعر أسود كثيف، وكانت لحيته خفيفة ومرتبة، تضفي على وجهه هيبة. كان ملتزمًا بتعاليم الدين وحنونًا في تعامله، ويعشق زوجته ويهتم بها، مما جعل الكثير من نساء القرية يحسدنها على ذلك.
إلا أنه غادرها مبكرًا، توفي في حادث مروري أثناء سفره إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج، تاركًا لها ابنتهما الوحيدة سارة ذات الحادي عشر عامًا، والتي أتت بعد زواجهما بثمانية أعوام. نظرت إلى صورتها وهي ترتدي فستان الزفاف، وبدأت تتلمس وجهها وتحملق في المرآة لتلاحظ بعض التجاعيد، بعد أن كان جمالها يفوق جمال جميع الفتيات في قريتها والقرى المجاورة، كانت بشرتها بيضاء ناعمة، وقامتها متوسطة، وجسمها ممتلئ، تتدفق منها الأنوثة. تذكرت أيضًا عندما حاول العديد من رجال القرية طلب يدها للزواج بعد وفاة زوجها، وكيف كانت ترفض بشدة، وأقسمت أنها لن تتزوج بعد ناصر، وأنها ستربي ابنتها.
بدأت تغفو، إلا أنها سرعان ما تذكرت ذلك الكابوس الذي لم يفارقها منذ عشرة أعوام. كانت ليلة حالكة السواد، وتحديدًا الساعة التاسعة مساءً، سمعت دقات الباب، فاقتربت وقالت: “من أنت؟”، فرد: “أنا جارك عبد الله، سأعطيك رسالة من أخيك سامي، التقيت به اليوم في السوق وأرسل لك هذا الكيس.” كان عبد الله متزوجًا ولديه بنت، وكانت زوجته جميلة، ولكنه كان يميل إلى التحرش بالنساء، وكان في الثلاثين من عمره، طويل القامة وممتلئ الجسم.
فتحت مريم الباب بحذر وبيدها سكين، وأخذت الكيس بسرعة، إلا أن عبد الله دفع الباب وأمسكها بقوة وهاجمها كالذئب المفترس، وبدأ يقبلها بعنف. قاومته بكل قوتها، ودفعته إلى خارج الباب، ثم طعنته بسكينها الحادة في بطنه، ففقد توازنه وسقط على الأرض ملطخًا بالدماء، ثم أُغمي عليه. صاحت بأعلى صوتها، فتجمع الناس وحاولوا إسعافه إلى المستوصف القريب من قريتهم، لكنه فارق الحياة في منتصف الطريق بسبب النزيف.
بعد أن علمت الشرطة بالحادث، اعتقلتها وأحالت القضية إلى المحكمة للنظر فيها. على الرغم من براءتها، فقد بدت الأدلة ضدها قوية بما يكفي لإصدار الحكم بسجنها لمدة عشرة أعوام بتهمة القتل العمد.
جاءت خديجة في الصباح الباكر وهي تحمل فطورًا في سلة صغيرة، دقت الباب على مريم وناولتها السلة، وقالت لها إنها ستعود إلى البيت لإحضار أدوات التنظيف، وسترجع على الفور لتتناول الفطور معها. عادت خديجة، وأثناء تناول الفطور، بدأت تتحدث عن سارة، وأنها قد كبرت وتزوجت، وسألتها: “هل ستزورينها؟” لم ترد مريم، وتوقفت قليلًا تتخيل ابنتها سارة، هل ستتقبلها أم ستقول، كالآخرين، إنها قاتلة؟ بعد الفطور، نظفتا البيت حتى وقت الظهر، ثم استأذنت خديجة مريم، وقالت لها إنها ستعود إلى البيت لتحضير الغداء، وسترجع بعد العصر.
خرجت خديجة على عجل باتجاه بيت سارة عند طرف القرية، إلا أنها التقت بها في منتصف الطريق، وأخبرتها أن أمها خرجت من السجن وهي الآن في بيتها. تفاجأت سارة وقالت: “لماذا رجعتِ؟ لا أريد مقابلتها. تركتِني وحيدة وأنا في مقتبل عمري.” لاحظت خديجة، أثناء عودتها، رجلًا يقف أمام بيت مريم، اقتربت منه وعرفت أنه شيخ القرية حمود، الذي كان يُعرف سابقًا بظلمه للناس، أما الآن فقد أنهكه المرض بسبب كبر سنه الذي يتجاوز الثمانين عامًا. كان يتكلم مع مريم، وسمعته يقول لها: “اتركي القرية وعودي إلى قريتك، لا نريد مشاكل. ربما تأتي منى بنت عبد الله وتعتدي عليك.” ردت عليه وقالت: “لست خائفة من أحد، الحادث كان دفاعًا عن الشرف. إذا أرادت قتلي فلتأتِ، لقد متُّ يوم توفي زوجي، ويوم تركت ابنتي وأُدخلت السجن.”
حتى أطفال القرية كانوا يلعبون بجوار بيتها، وأثناء اللعب وقعت الكرة على النافذة وكسرت الزجاج، فأخذت الكرة وصرخت على الأطفال وقالت لهم: “لا تلعبوا هنا، اذهبوا إلى مكان آخر.” رفضوا وقالوا لها: “أنتِ قاتلة.” عادت إلى غرفتها وهي حزينة مثقلة بالهموم. صلت العصر، وأكملت ترتيب البيت مع خديجة حتى وقت صلاة العشاء. ثم صعدت مريم إلى الطابق الثاني، وفجأة سمعت دق الباب، فنزلت بسرعة وفتحت الباب، وتفاجأت بابنتها سارة.
مدت يديها لتحضنها والدموع تنهمر من عينيها، إلا أن سارة رفضت وقالت: “لماذا رجعتِ؟ تركتِني عندما كنت في أمسّ الحاجة لك.” ردت مريم عليها: “إن كانت ستريحك مغادرتي، سأفعل ذلك. لكن اسمحي لي يا ابنتي أن أضمكِ إلى صدري ولو لمرة واحدة.” رفضت سارة وتركت أمها أمام الباب وهي منكسة رأسها إلى الأسفل وتبكي. لم تبتعد سارة كثيرًا، استدارت إلى الخلف ثم رجعت، ووجدت أمها في نفس المكان تبكي. كانت مترددة، لكن كان في داخلها شيء يجذبها، فعادت مسرعة وصاحت بصوت مرتفع: “أمي!” وعانقتها بحرارة، وبقيت معها في تلك الليلة، وفي الصباح الباكر عادت إلى بيتها.
بدأت أخبار خروج مريم من السجن وعودتها إلى القرية تنتشر بين الأهالي، وعندما علمت منى بنت عبد الله، التي اتهمت مريم بقتل أبيها، لم تتمالك نفسها، فانطلقت مثل المجنونة باتجاه بيت مريم. وعند وصولها، كانت مريم متكئة عند مدخل البيت، فصاحت منى:
“قتلتِ أبي!” ثم هجمت عليها وضربتها في أنحاء جسدها، فسمع الجيران صراخها وهرعوا لإنقاذها. حاولت مريم أن توضح لمنى أنها كانت تدافع عن شرفها ولم تكن تقصد القتل، لكن منى لم تتفهم ذلك، ثم عادت إلى بيتها وبدأت تحرض زوجها على قتل مريم، لكنه كان يرفض ذلك في كل مرة.
وهكذا استمرت حياة مريم مع ابنتها وجارتها خديجة، واهتمامها بحديقة بيتها. جاءت أمها وإخوانها خالد وغالب لزيارتها، وقدموا لها كل ما تحتاجه، ورمموا بيتها، وطلبوا منها أن تعيش معهم، لكنها رفضت، وفضلت البقاء في بيتها بجانب ابنتها.
في هذه الأثناء، عاد منصور الشنب من السعودية بسيارة فارهة بعد غياب اثني عشر عامًا. استقبله أهل القرية بحرارة. وعندما علم بقصة مريم، تذكر صديقه عبد الله، وقرر أن يخبر أهل القرية بما يعرفه عن الحادثة. جمع الناس بعد صلاة الجمعة في ساحة الجامع، وصعد إلى مكان مرتفع، وقال: “يا أهل قريتي، من فضلكم اسمعوني. كنت متواجداً بينكم قبل أن يُقتل عبد الله. كان يقول لي دائمًا بأنه مغرم ومفتون بجمال مريم، وكان يتمنى أن يتزوجها، لكنه غير قادر، ويريدها أن تكون صديقته فقط. وبخته وقلت له:
هذا حرام، اتقِ الله. وأنت تعرف أن مريم محترمة، ولا تنسَ أننا في قرية صغيرة كعائلة واحدة. قال لي: حتى بالقوة، سأجبرها على ذلك. قلت له: خاف الله. بعد ذلك سافرت، وأثناء عملي في الغربة تعرضت لحادث سقوط من الدور الثالث، وبقيت في غيبوبة لمدة عامين، ثم تابعت العلاج، ولم أعلم بما حدث لمريم إلا الآن بعد عودتي. مريم بريئة، كانت تدافع عن شرفها، لماذا تعاملونها بهذه الطريقة؟ يكفيها عشرة أعوام قضتها في السجن وهي بريئة وتتألم بصمت.” بعد ذلك، بدأ الناس يتقبلونها ويتفهمون وضعها، وبدأت النساء يأتين لزيارتها.
بالعادة، كان أطفال القرية يلعبون بجانب منزلها. ذات مرة، سقط أحدهم فجأة على الأرض وبدأ يتنفس بصعوبة، وكان يضع إصبعه في فمه محاولًا إخراج شيء من حلقه. صاح الأطفال وانطلقوا بسرعة نحو منزله ليخبروا أمه. سمعت مريم صياح الأطفال، فخرجت بسرعة نحو الطفل، ووجدته ملقى على الأرض ويتنفس بصعوبة. سألته: “ماذا بك؟” فأشار إلى فمه. أجلسته في حضنها، وأدخلت إصبعها إلى حلقه، وبعد محاولات تمكنت من إخراج عملة معدنية كانت عالقة في حلقه.
في تلك الأثناء، كانت منى غاضبة، أخذت سكينًا من دولاب المطبخ ووضعتها في جيبها، وقررت أن تنتقم من مريم. خرجت من بيتها مثل المجنونة. سمعت الأطفال وهم يصرخون: “ابنك عمار سقط على الأرض ويتنفس بصعوبة!” فأسرعت باتجاه ابنها.
عند وصولها، صاحت: “عمار، ابني! ماذا بك؟” لمحت مريم بجانبه، فأخرجت السكين وهاجمتها وهي تقول: “تريدين قتل ابني بعد أبي؟ يا مجرمة!” قفزت خديجة باتجاهها وأمسكتها، وقالت: “هي من أنقذت ابنك، كان على وشك أن يموت!” سألت ابنها: “هل هذا صحيح؟” فأجاب: “نعم، هي من أنقذتني.”
بعد ذلك، ضمت ابنها إلى صدرها وهي تبكي من الخوف، ثم أخذته وعادت إلى البيت. جلست تحاسب نفسها، وبعد تفكير عميق، قررت أن تقوم بتحضير بعض الكعك، وأخذته إلى منزل مريم. كانت سارة وخديجة وبعض نساء القرية يحتفلن في منزل مريم، وفجأة سمعن دقّ الباب. قامت سارة وفتحته، فتفاجأت بمنى، فقالت لها: “تفضلي.” رفضت منى الدخول، وقالت إنها جاءت فقط لتقدّم هذه الكيكة تعبيرًا عن شكرها لأمّها لأنها أنقذت ابنها، وأخبرتها أنها بعد اليوم لن تؤذيها، ثم عادت إلى بيتها.
وقفت منى لحظة أمام الباب المغلق، ثم انصرفت دون أن تلتفت. حملت سارة الصينية إلى داخل البيت، وضعتها على الطاولة، ونظرت إلى أمها.
لم تقل مريم شيئًا. مدّت يدها، أخذت قطعة من الكعك، ورفعت عينيها نحو النافذة المطلة على طريق القرية. كان الضباب قد بدأ ينقشع، وضوء المساء يتسلل بين البيوت المتجاورة بهدوء.