من الرواتب إلى الترند: كيف يُعاد تشكيل وعي اليمنيين ـ ترند ميرا صدام حسين٠٠ نموذجًا!

يمنات
حميد عقبي
ما يحدث في اليمن اليوم، مع قضية المرأة التي تُقدَّم نفسهاعلى أنها “ميرا صدام حسين”، لا يمكن قراءته كحادثة معزولة أو مجرد موجة عابرة من فضول السوشيال ميديا. فالقضية تكشف شيئًا أعمق بكثير يتعلق بطبيعة المجتمع الذي يعيش منذ أكثر من أحد عشر عامًا تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي والتعب النفسي، وفي الوقت نفسه تحت سلطة خطاب إعلامي وسياسي نجح تدريجيًا في إعادة توجيه اهتمام الناس من القضايا الكبرى إلى المعارك الصغيرة والعاطفية والمثيرة للضجيج.
من الطبيعي أن يتعاطف الناس مع امرأة أو مع مظلومية إنسانية، لكن غير الطبيعي أن تتحول قضية غامضة ومليئة بالاستعراض إلى حدث وطني يستهلك ملايين التعليقات والمناشدات والوساطات القبلية، بينما تغيب القضايا الأكثر قسوة: الرواتب المقطوعة، انهيار الخدمات، الفقر، الجوع، المرض، انعدام الكهرباء والمياه، وهجرة الشباب. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل ما يحدث عفوي تمامًا؟ أم أن السلطة، أي سلطة تعيش أزمة شرعية واختناقًا اقتصاديًا، تدرك جيدًا فائدة هذه “المعارك الجانبية”؟
الأنظمة المغلقة عبر التاريخ كانت بحاجة دائمًا إلى تحويل اهتمام الناس من الأسئلة الخطيرة إلى الإثارة اليومية. فبدل أن يسأل المواطن: لماذا لا توجد دولة ومؤسسات ورواتب وحقوق؟ يصبح مشغولًا بفضيحة، أو قصة غامضة، أو مقطع فيديو، أو خلاف قبلي، أو قضية أخلاقية صغيرة. وهكذا يتحول المجتمع بالتدريج إلى جمهور ضخم يستهلك الانفعال بدل التفكير.
في الحالة اليمنية تبدو الظاهرة أكثر خطورة، لأن الحرب الطويلة أنهكت الناس نفسيًا وجعلتهم يبحثون عن أي قصة تمنحهم شعورًا بالمشاركة الجماعية. السوشيال ميديا هنا لا تعمل فقط كوسيلة ترفيه، إنها اليوم كبديل عن السياسة نفسها. المواطن الذي لم يعد قادرًا على تغيير الواقع الحقيقي، يجد نفسه غارقًا في “الترند”، يعلّق ويغضب ويدافع ويهاجم، وكأنه يمارس دورًا عامًا، بينما الواقع المادي يزداد سوءًا.
لهذا تبدو بعض القضايا وكأنها تُترك عمدًا لتتضخم. ليس بالضرورة عبر مؤامرة مباشرة أو إدارة دقيقة لكل تفصيل، بل عبر فهم السلطة لطبيعة المزاج العام. فالسلطة الذكية لا تحتاج دائمًا إلى اختراع القصة، يكفي أحيانًا أن تسمح لها بالنمو، أن لا توقفها بسرعة، أن تترك الإعلام والمنصات والمشائخ يدخلون في الدوامة، لأن النتيجة النهائية مفيدة: الناس منشغلون بشيء آخر.
والمثير أن المجتمع نفسه يبدأ بالمشاركة في هذه اللعبة دون وعي. فالمشائخ، والإعلاميون، والناشطون، وحتى المواطن البسيط، يتحولون جميعا إلى أدوات داخل ماكينة ضخمة لصناعة الانتباه. فجأة تصبح قضية فردية أهم من مصير ملايين البشر. وتصبح المناشدات العاطفية أكثر حضورًا من أي حديث عن العدالة أو بناء الدولة أو الحقوق السياسية.
هذه الظاهرة ليست جديدة تمامًا في التاريخ اليمني. فالكثير من الباحثين تحدثوا عن قدرة الأنظمة التقليدية على إبقاء المجتمع داخل دوائر جانبية تستنزف طاقته تجعله منشغلاً بالجن والعفاريت وتؤكد للعالم أن الشعب اليمني بدائي ومتخلف. ولهذا يستحضر البعض سياسات الإمام يحيى حميد الدين، الذي كان يريد أن يظل المجتمع فقيرًا ومعزولًا عبر مزيج من الهيبة الدينية والطقوس والانشغال بالتفاصيل الصغيرة التي تُبقي الناس بعيدين عن التفكير في شكل الدولة الحديثة أو حقوقهم السياسية. الحكاية الشهيرة المتعلقة باستخدام القطران الذي يستخدم جرب الجمال وتحوله إلى ممارسة اجتماعية واسعة تحمي الناس من الأرواح الشريرة، وهكذا تُستدعى اليوم هذه الأساليب كرمز لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع حين يغيب التعليم والوعي النقدي.
لكن من الظلم أيضًا اختزال الشعب اليمني في صورة “الجهل الجماعي”. فالمجتمعات المنهكة بالحروب الطويلة تصبح أكثر قابلية للانفعال وضعيفة أمام الضخ الإعلامي. الناس الذين يعيشون القهر اليومي يبحثون عن أي قصة تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالهروب أو المشاركة أو الأمل أو حتى الفضيحة. ولهذا لا يمكن فصل ما يحدث عن البيئة النفسية العامة التي صنعتها الحرب والانهيار.
المقلق فعلًا ليس قضية “ميرا” نفسها، بل تحوّل المجتمع إلى فضاء دائم للترندات المؤقتة والحكايات التافهة. مرة تصبح القضية خصلة شعر طبيبة تحدثت عن وضع مستشفى، ومرة رقصة “برع” لرجل دين، ومرة قصة غامضة لامرأة مجهولة الهوية. كل أسبوع أو شهر هناك معركة جديدة تستهلك الجميع، ثم تختفي دون أي أثر حقيقي، بينما الأزمات الأساسية كالمرض والفقر والجوع والظلم تبقى كما هي.
هذا يعني أن هناك عملية إعادة تشكيل بطيئة للوعي العام. فبدل أن يفكر المواطن ويناقش الاقتصاد والسياسة والتعليم والحقوق، يجلونه غارقًا في الإثارة اللحظية. وبدل المجال العام الذي ينتج أسئلة كبيرة، يتحول الفضاء العام إلى ساحة استعراض وانفعالات قصيرة العمر. وهذه واحدة من أخطر نتائج الحروب الطويلة والسلطات المغلقة معًا.
رابط مشاهدة المداخلة فيديو
https://youtu.be/SECiMeT-NR4?si=OBpRcIhN1xyIrP9Z
ربما لا توجد “خطة سرية” بكل المعنى المباشر، لكن من المؤكد أن السلطة تدرك فائدة هذا التشتيت، وتعرف أن المجتمع المنشغل بالضجيج أقل قدرة على تنظيم غضب حقيقي أو المطالبة الجماعية بحقوقه. ولهذا فإن أخطر ما يحدث اليوم ليس قصة امرأة تحولت إلى ترند، بل اعتياد الناس على استبدال السياسة بالفرجة، والحقوق بالضجيج، والوعي بالانفعال المؤقت.