حكم الشعب لا حكم النسب: مفهوم الولاية بين الإرث التاريخي واختطاف السلطة تحت غطاء العقيدة

يمنات
فؤاد محمد
مقدمة: إشكالية المصطلحات في الفضاء السياسي
شهدت الساحة السياسية والفكرية في المنطقة العربية جدلا واسعا حول مفهوم “الولاية”، حيث تحول هذا المصطلح من إطاره التاريخي والروحي -الذي قد يختلف الناس حول تفسيراته- إلى أداة سياسية بامتياز تستخدمها جماعات معينة لشرعنة وجودها في السلطة وفرض هيمنتها على مقدرات الدول. إن محاولة ربط “الولاية” بالحكم الإلهي أو بالاصطفاء السلالي تضعنا أمام تساؤل جوهري: هل يمكن لمفهوم يعود لقرون خلت أن يكون أساسا لبناء الدولة الحديثة؟ أم أنه مجرد “قناع” أيديولوجي لإخفاء أطماع دنيوية بحتة؟.
الولاية في العصر الحديث: الديمقراطية هي البديل الوحيد
في المنظومة السياسية المعاصرة، لا توجد “ولاية” خارج إطار “الانتخابات”. الدولة الحديثة تقوم على مفهوم “العقد الاجتماعي”، حيث يستمد الحاكم شرعيته من صوت الشعب وإرادته الحرة عبر صناديق الاقتراع. إن مبدأ التداول السلمي للسلطة هو الحصن المنيع ضد الاستبداد.
عندما يتم استحضار مصطلح “الولاية” في السياق السياسي اليوم، فإنه غالبا ما يعمل كأداة لإلغاء مبدأ المواطنة المتساوية. فالديمقراطية تقوم على أن الجميع سواسية، ولا يملك فرد أو جماعة حقا “إلهيا” أو “تاريخيا” في حكم الآخرين دون موافقتهم. إن محاولة فرض مفهوم الولاية كبديل للانتخابات هي محاولة للعودة بالبشرية إلى عصور ما قبل الدولة، حيث كان الخضوع للحاكم يتم عبر الترهيب أو ادعاء الحق المقدس، وهو ما يرفضه منطق العصر وتطور الوعي الإنساني.
وهم النسب ومغالطة التوظيف التاريخي
إن ادعاءات الاصطفاء السلالي ونسب بعض الجماعات للإمام علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- تمثل إحدى أخطر المغالطات التاريخية والسياسية. فالإمام علي، في وعي المسلمين العام وتاريخهم، كان رمزا للعدل والزهد والمساواة، ولقد كان موقفه من السلطة موقف المترفع عنها، حيث اعتبرها وسيلة لإقامة العدل لا غاية للاستعلاء أو التميز على الآخرين.
إن ربط “الولاية” بنسب معين هو استغلال عاطفي لتراث ديني عظيم وتوظيفه لخدمة أهداف ضيقة. إن الذين يحتفلون بذكرى الولاية اليوم يرتكبون مغالطة كبرى؛ فهم لا يحتفلون بالقيم التي دعا إليها الإمام علي من عدل ومساواة وشورى، بل يحتفلون بـ”فكرة الولاية” كأداة للهيمنة. إن التستر خلف هذه الرموز التاريخية هو محاولة لإضفاء طابع “القداسة” على ممارسات بشرية دنيوية، مما يجعل نقد هؤلاء الحكام أو محاسبتهم يبدو وكأنه نقد للدين نفسه، وهذا هو جوهر الاستبداد السياسي الذي يتلحف بالدين.
غاية الولاية: الاستيلاء على الثروة لا خدمة الأمة
عندما نتأمل في سلوك الجماعات التي ترفع شعارات “الولاية”، نجد أن الثابت الوحيد في ممارساتها هو السعي المستمر للاستحواذ على مراكز القرار، والسيطرة على الإيرادات العامة، وتحويل ثروات البلاد إلى ملكية خاصة تحت مسميات “الجهاد” أو “الولاية” أو “الخمس”.
إن الشواهد التاريخية والواقعية تؤكد أن الشعارات العقائدية في هذه الجماعات هي غطاء “لتبييض” عملية نهب واسعة النطاق. فبمجرد وصول هذه الجماعات إلى السلطة، تتركز الثروة في أيدي طبقة “المصطفين” أو “أهل الولاية”، بينما يعاني بقية الشعب من الفقر والفاقة. إن الهدف من كل هذا الصخب حول “الولاية” هو خلق نظام طبقي جديد، تكون فيه السلطة والثروة حكرا على فئة محددة، بينما يتم تهميش بقية المواطنين الذين يتم تصنيفهم كـ “أتباع” أو “رعية” أو “زنابيل” وليسوا مواطنين ذوي حقوق.
لماذا يرفض المجتمع الواعي هذه الممارسات؟
إن رفض المجتمع لمفهوم “الولاية” كبديل عن الديمقراطية ليس رفضا للمقدس، بل هو رفض لـ “تسييس المقدس”. إن المواطنين اليوم، وبخاصة الشباب، باتوا أكثر إدراكا بأن:
– العدالة الاجتماعية: لا تتحقق إلا بمؤسسات الدولة والقانون، لا بمن يزعمون أنهم أولياء الأمر.
– السيادة: هي للشعب، وليست لمن يدعي الحق الإلهي في الحكم.
– الفساد: ينمو في بيئة تغيب فيها الرقابة، والمطالبة بـ “الولاية” هي دعوة لإلغاء الرقابة والمساءلة.
إن كل احتفال بذكرى “الولاية” بهذه الطريقة يمثل تكريسا لثقافة الإذعان، وهي الثقافة التي تحاربها كل الشعوب التي تطمح للحرية والتقدم. إن المبالغة في هذه الاحتفالات والإنفاق البذخي عليها في وقت تمر فيه الشعوب بأزمات اقتصادية طاحنة وعدم صرف المرتبات كاملة وبانتظام، هو دليل قاطع على أن أصحاب هذه الدعوات لا يعنيهم أمر الناس بقدر ما تعنيهم السيطرة على عقولهم وإخضاعهم.
نحو عقد اجتماعي حقيقي
إن المخرج من نفق “الولايات” المتعددة التي تفرضها الجماعات هو العودة إلى مفهوم “الدولة الوطنية” التي تجمع كل أبنائها تحت سقف القانون. الدولة التي تحترم التعددية، وتؤمن بأن الانتخابات هي الطريق الوحيد للتداول السلمي للسلطة.
يجب على النخب المثقفة والمفكرين في هذه المجتمعات كشف هذه المغالطات وتعرية الخطاب الذي يربط بين الولاية والسيادة الوطنية. إن ادعاء أن هناك “ولاية” مقدسة تعلو فوق الدستور والقانون هو دعوة مباشرة لتفكيك الدولة الحديثة وتحويلها إلى إقطاعيات يحكمها “الأوصياء” باسم الله، بينما يفتقر فيها الشعب لأبسط حقوقه في التنمية والكرامة.
خاتمة: الكلمة الفصل للصناديق
في الختام، تبقى “الولاية” مفهوماً تاريخياً يخضع لقراءات متعددة، لكنها -في السياسة- لا يمكن أبداً أن تكون بديلاً للإرادة الشعبية المعبر عنها في الانتخابات النزيهة والشفافة. إن من يدعون للولاية ويحتفلون بها، لا يتبعون نهج الإمام علي الذي كان يرفض التزلف، بل يتبعون نهج من أفسدوا في الأرض وحولوا الدين إلى متجر يقتاتون منه على حساب قوت الناس ومستقبل الأجيال.
إن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر استحضار الماضي لفرض هيمنة اليوم، بل عبر بناء ديمقراطية حقيقية تتسع للجميع، وتكون فيها السلطة أمانة في يد من يختاره الشعب، لا في يد من يفرض نفسه باسم “الولاية”. إن حماية ثروات البلاد ومنع نهبها لن يتحقق إلا بنظام سياسي يحاسب الجميع، ويمنع أي جماعة من استخدام أي غطاء ديني أو سلالي للتنصل من واجبات الشفافية والمساءلة.