فضاء حر

ادّخار العمر الأخير

يمنات

محمد الصهباني

مات عبده الكافي، الرجل السبعيني وحيداً كما عاش، وترك خلفه غرفة تحكي عنه أكثر مما حكى هو عن نفسه. في عقر مخدعه تبعثرت الأموال على جنبات مرقده، تجاوزت مليون ريال يمني من فئة “القعيطي_ والقديم”، وكادت تشعل فتنة بين أبناء عمومته فكل واحد شحن سلاحه طمعاً أن يظفر بها وحده. لكن الصدمة الأكبر لم تكن في المال، بل في مشهد لم تشهده عزلة البدو في مديرية خدير، بمحافظة تعز من قبل، أربع مركبات دينة (ديهاتسو) متوسطة اصطفت أمام باب غرفته لنقل مئات القوارير المعدنية التي كانت شاهدات صامتات على عمر كامل الخوف والعزلة. وحين فتحوا الباب لم يجدوا قصة رجل، بل وجدوا تفسيراً طويلاً للوحدة.

كان اسمه لا أحد يتذكره جيداً، وجه يمر كل يوم بصوت شجي يردد كلمات الملالاة الشعبية التي هزت قلوب العشاق، ورجل يحسب الريال قبل رغيف الخبز. خمسون سنة مرت عليه دون زوجة ودون أولاد ودون باب يُطرق، سموه “أبو الفلس” ولم يسمه أحد “أبو الوحدة”. كسروا القفل بعد ساعات من الهدوء والصمت، فوجدوا المال تحت الفراش أكثر من عمره، وتحت المخدة صندوقاً مهترئاً أو اثنين يكنز فيهما الريالات قرشاً فقرش ومئة فمئة، حتى صارت القوارير مصفوفة بإحكام محتوياتها صفراء معتقة كأنها خزّنها سنين. سكت الجمع لحظة ثم قال أحدهم بصوت خافت: “هذا كان يدّخر حتى بوله..خوفاً من المستقبل”، وضحكوا ضحكة قصيرة ميتة وغسلوا أيديهم من المشهد سريعاً.

لم يكن بخيلاً، كان مرعوباً من أن يحتاج يوماً ولا يجد، فادّخر كل شيء: المال والخوف وما يخرج من جسده، ومات وهو يحرس ادّخاره الأخير. دفنوه واقتسموا الفلوس، وحمل أحدهم القوارير إلى حبيل الصبر، وقال “خلصنا”، ومن يومها سماه الناس “حبيل البول”. ولم ينتبه أحد أنهم كسروا آخر أثر لرجل عاش عمره كله وهو يحبس نفسه حتى في أبسط حاجاته.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.