بمرور الوقت يتم تدجينك مكانيا

يمنات
محمود ياسين
غادر موبوسان باريس بسبب برج ايفل ، قال أنه كان بحضوره المبتذل كان يضغط على اعصابه طوال الوقت.
غامر الشاعر رامبو وغادر أوروبا بحثا عن لوعة ومراس يعود بهما من افريقيا بعد ان قطع ذلك الوعد الشهير : سأعود من أفريقيا بأطراف حديدية وعين غضوبة وجلد غامق اللون.
نحن هنا شكل من اعتياد السأم وأرق مبهم ولم يعد أحدنا يتعرف ماان كانت اطرافه لا تزال بخمس أصابع وألياف لحمية وعضلات او انه يتكئ على اسفنجة ملتصقة بكتفه على سبيل التماهي الوقتي وسطوة المكان.
نتخثر في صنعاء مثل أواني منزلية تالفة وتتمتع بروح المقاومة والاخلاص للمكان ، وفي مدن المنافي يمضونها تثاؤبات وضمنة في مقاهي وسط البلد بالقاهرة والرابح اختطف من خراب بلاده شقة في احدى العواصم وراح يؤثثها مقايضة بوجوده.
ماالمبهر والمرضي في هذا كله ؟ ماالحافز العملي ان استبعدنا جملة المزايا المعنوية المتداولة والأشبه بمسكنات فقدت قدرتها مع اجهزة عصبية لا تنام.
بودي لو امضي ليلة في نزل بين ولايتين بأمريكا ، اكتب هناك رواية جديدة في الهدوء والصمت واللامهمة ، وبدون لوليتا.
بودي لو اطل على نهر الدانوب عابرا فحسب ، ذلك انه حتى أوروبا اكتهلت واصدقائي يرسلون من مدنها مامعناه : صنعاء افضل لك ، لقد سحقنا السأم هنا.
لكنني الماكث الراضي هنا ، اتتبع كل فترة اخبار اصدقاء المنافي السيئة ، لأطمئن فقط لكون قرار البقاء هنا كان صائبا ، مقابضات وجودية مهترئة تعتمد قياس النمط والمفاضلة بين مستويين للسأم .
سئمت حقا
وان افصاحا كهذا ومن فرط ما رددت التزاما بالبقاء على انه شكل من الوطنية امسى افصاح انساني كهذا شكلا من خيانة ، بينما تتجسد الخيانة في التكيف ، خيانة الانسان لذاته في ادعاء الصلابة والالتزام وتمثل قيم التشبث بالتراب ، ولا احد يدري كيف ينجز تسويته الشخصية في هذا كله.
كيف تكون وطنيا حقا ، أي وطن هذا الذي يشترط تخليك عن انسانيتك ليبارك احساسك بالانتماء؟
هل تغيرت الذهنية الجمعية ؟ بمعنى ان لست وحدك ، وهل يكفي ان صديقي فكري قاسم يمضي أيامه في تعز على طريقتي في صنعاء وان مدننا توزع نسب الضجر والتخثر على الجميع بعدالة ؟
هل تبدلت وظيفة القلب ؟ او اننا نتقدم في العمر اكثر من طاقتنا على الإدراك ؟
حسنا : سأغمض عيني وأحلم بكوني على قارب نهري احتدم بحماسة المغامرة قبل حافة الشلالات بقليل
متفرج متروك هناك في الصف الأخير أتابع أحد عروض الباليه في البلشواي
روائي يحاول اعادة زمن الروائيين المنفيين متجولا بين الشانزليزيه والسان جرمان ، ضفدع لديه حقوق ومنظمات بيئية تحمي وجوده على حافة السين.
سأحلم ، ذلك ان الحقيقة قاسية حتى على الملوك والأباطرة.
سأحلم انني في منفذ حرض مديرا طيب القلب ولكن بمخصصات مهولة ، أو قائدا لحزام أمني بين عدن ولحج ، سأحلم انني بحار على سفينة ضلت بوصلتها في غياهب المحيط الهادي ، ملاكم في حلبات البرونكس ، معلم كونغفوا بلا تلاميذ ، تاجر حضرمي لقبه باياسين.
او على الأقل : روائي حصل للتو على جائزة نوبل
هكذا كنت اعد نفسي وأرى الأفق نسخا بأعداد مهولة ومعجبين وجوائز ، روائي بسيجار كوبي وقبعة او على طريقة الايام الاخيرة للبردوني على الاقل.
اما ان يتم استبدال الأديب المعروف المنهمك في مقاربات السرد والواقع وامضاء اغلفة النسخ من روايته في احد معارض الكتب واذا بي في صنعاء اتهازر انا وأناس لا أدري ماالذي يجعلهم عدوانيين على هذا النحو ، الامر الذي يلزمني تقمص شخصية القبيلي المتوثب الجاهز للرد بعنف مضاعف وان هذه هي محصلة احلامي وخاتمة السردية الشخصية لفتى من الدنوة كان لديه حلم انساني باعث على الشغف وحظي بواقع يعج بالمخبرين والمرضى وامسى مزيجا بين قبيلي ومخبر ومريض ومعارض قديم ؟ فهذا ليس عادلا البتة.
لن اصحح اأخطاء الحروف هنا في دنيا يمضيها أحدنا مصقلا بخطايا لم يقترفها ولا توضيحات تبقت هنا في عالم مغلوط كهذا .
لا شيئ تبقى ولا شيئ يفضي إلى شيئ
فقط سؤال بنديتي في الهدنة اطرحه على نفسي اواخر كل مساء:
ماالذي فعلته بحياتي ؟