كفى حربًا.. كفى دمًا.. كفى دمارًا فقد هرمنا

يمنات
يحيى القحطاني
كم من اليمنيين يجب أن يموتوا حتى يدرك أطراف الصراع أن الحرب لا تبني وطنًا؟ كم من أم يجب أن تفقد فلذة كبدها؟ كم من طفل يجب أن يولد يتيمًا؟ كم من مدينة يجب أن تصبح ركامًا؟ وكم من حلم يجب أن يُدفن تحت الأنقاض، حتى يقول الجميع: كفى؟
وكم من سنوات الحرب والحصار والقتل والدمار والنزوح والفقر والجوع وقطع المرتبات، نحتاج حتى ندرك أن لا غالب في هذه الحرب، وأن الجميع خاسر، فيما يظل اليمن الخاسر الأكبر؟ فلا بيت هدمته الحرب سيُعاد بناؤه بالدبابات والصواريخ، ولا أم فقدت ابنها ستجد عزاءً في انتصار عسكري، ولا وطن ممزق يمكن أن ينهض بمزيد من الدم والخراب.
لقد ضاقت الحياة باليمنيين سنوات طويلة، وآن الأوان أن يتقدم صوت العقل على صوت السلاح، وأن تُغلق أبواب الجبهات؛ فالخلاف السياسي لا يبرر إزهاق الأرواح، والصراع على السلطة لا يستحق أن يتحول إلى مقابر مفتوحة.
السلام ليس ضعفًا، ولا استسلامًا، ولا هزيمة لأي طرف. السلام هو حق اليمنيين في الحياة والأمن والكرامة، كما فعلت شعوب أخرى بعد أن أغلقت صفحات الدم. وهو ليس تنازلًا عن الحقوق، بل انتصار للعقل على الجنون، وللحياة على الموت.
واليمنيون لا يريدون هدنةً مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة، بل حلًا وطنيًا يعالج جذور الصراع، وينهي الحرب والتنازع على السلطة، وينفذ مخرجات الحوار الوطني الشامل، ويمهد لبناء دولة تستوعب الجميع، وتصون الحقوق، وتنهي منطق الغلبة والإقصاء والاستحواذ على السلطة.
نريد دولةً وطنيةً ديمقراطية، تكون السلطة فيها مسؤوليةً عامة لا غنيمةً سياسية، ويكون الوصول إليها عبر صناديق الانتخابات الحرة والنزيهة، في ظل قضاء مستقل، وصحافة حرة، ومؤسسات رقابية فاعلة، وشراكة سياسية حقيقية.
أيها المتقاتلون… ماذا بقي من وطنٍ تتنازعون عليه وأنتم تستنزفون أبناءه؟ وأيُّ انتصارٍ هذا الذي لا يبقى منه سوى القتلى والخراب؟ وأيُّ سلطةٍ تستحق أن تُقام فوق أنقاض وطن؟
وإلى القوى الإقليمية والدولية: لا تجعلوا اليمن ساحةً لصراعاتكم وتصفية حساباتكم، بل ساعدوا اليمنيين على صناعة السلام، لا على إطالة أمد الحرب. وعلى اليمنيين أن يستعيدوا قرارهم الوطني، وأن ينقلوا صراعهم من ساحات القتال إلى ساحات السياسة، ومن فوهات البنادق إلى صناديق الاقتراع، ومن هدم الوطن إلى بنائه.
لقد خرجت شعوبٌ مثل ألمانيا واليابان وفيتنام وكوريا ورواندا من حروبٍ مدمرة، واختارت أن تبني بدل أن تنتقم، وأن تنتج بدل أن تقتتل، وأن تمنح أبناءها مستقبلًا بدل أن تورثهم الحرب. فماذا ننتظر نحن؟ وهل نريد أن نورث أبناءنا وطنًا، أم نورثهم حربًا؟
أيها اليمنيون… كفى حربًا، كفى دمًا، كفى دمارًا؛ فقد هرمنا. آن الأوان أن نضع السلاح جانبًا، وأن نستعيد قرارنا الوطني، وأن نجعل السلام مشروعًا يمنيًا جامعًا، لا تسويةً تُفرض علينا من الخارج. فالوطن لا يُبنى بالبندقية، وإنما بسواعد أبنائه وعقولهم، ومن حق اليمنيين أن يعيشوا في أمن واستقرار وحياة كريمة.
اليمنيون يريدون أن يعيشوا بسلام… وأن ينتصر اليمن، لا أن ينتصر طرفٌ على طرف. وهذه ليست أمنية، بل حقهم.
والله من وراء القصد.