حين يخاف رجل الدين من الحقيقة وتتحالف الدوغمائية مع السلطة والمصلحة

يمنات
د. عبد الناصر الهزمي
1- خوف الهجوم بدلًا عن الهروب:
هناك خوف لا يظهر في صورة الهروب، بل يظهر في صورة الهجوم؛ ولا يعلن نفسه باعتباره خوفا، بل يرتدي ثوب الغيرة على الدين، والدفاع عن العقيدة، وحماية المجتمع من الانحراف. إنه خوف يتخفى خلف المقدس، ويستمد قوته من سلطة الاعتقاد، ثم يتحول تدريجيا من حالة نفسية داخلية إلى خطاب اجتماعي قادر على ترهيب الآخرين.
ومن هنا أطرح مفهوم «الفوبيا الدينية أو العقائدية»؛ لا بوصفه تشخيصاً نفسياً سريرياً معتمداً، وإنما بوصفه مفهوماً نقدياً يصف حالة.
الدوغمائية هي ما يصبح فيها العقل خائفاً من المعرفة عندما تهدد بنيته الاعتقادية، أو مكانته الاجتماعية، أو سلطته الرمزية، أو مصالحه السياسية والاقتصادية.
وفي صورتها الأكثر تطرفاً، لا يعود رجل الدين خائفاً من أن يكون تفسيره خاطئاً، بل يصبح خائفاً من أن تثبت الحقيقة العلمية أن تفسيره كان خطأ.
وهنا يبدأ الصراع الحقيقي.
فالمشكلة ليست، في جوهرها، صراعاً بين الدين والعلم، وإنما قد تتحول إلى صراع بين الحقيقة ومصالح من احتكروا تفسيرها.
إذا كانت الحقيقة العلمية قادرة على تغيير قناعة رجل الدين، فإنها قادرة أيضاً على تهديد منظومة كاملة من اليقينيات الافتراضية التي بنى عليها مكانته الاجتماعية، وسلطته الرمزية، ونفوذه السياسي، ومصالحه المادية وهنا يجد الدوغمائية نفسها أمام معادلة نفسية قاسية.
2- رفض الحقيقة اسهل من مواجهة الذات
أنا كرجل دين متعصب إذا قبلت الحقيقة الجديدة، فعليّ أن أراجع قناعاتي؛ وإذا راجعت قناعاتي، فقد أخسر يقيني؛ وإذا خسرت يقيني، فقد أخسر سلطتي؛ وإذا خسرت سلطتي، فقد أخسر امتيازاتي.
ولذلك يصبح رفض الحقيقة، في بعض الحالات، أسهل نفسياً من مواجهة الذات.
وهذه ليست معركة معرفية فقط؛ إنها أحيانا معركة دفاع عن الهوية والمكانة والمصلحة.
فالإنسان عندما يربط هويته الشخصية بمعتقد أو تفسير أو مؤسسة أو سلطة اجتماعية، فإن نقد ذلك التفسير قد يُستقبل نفسياً باعتباره نقدًا لشخصه، واكتشاف خطأ في معتقده قد يتحول في وعيه إلى تهديد لوجوده الرمزي.
ومن هنا تظهر آلية دفاعية واضحة وشبه مستميتة ضد الآخر العقلي.
فبدل أن يقول: ربما كنت مخطئًا
يقول: العلم مخطئ
وبدل أن يسأل: ماذا تقول الأدلة؟
يسأل: من المستفيد من نشر هذه الحقيقة؟
وبدل أن يناقش الفكرة، يبدأ في محاكمة صاحبها أخلاقياً أو دينياً أو اجتماعياً.
وهنا تتحول المعرفة من وسيلة لاكتشاف الحقيقة إلى عدو يجب تحييده.
3- من الخوف الفردي إلى صناعة الخوف الجماعي
إن الفوبيا العقائدية بهذا المعنى ليست بالضرورة خوفاً من فقدان الاعتقاد، بل قد تكون خوفاً من فقدان الصورة التي صنعها الإنسان عن معتقده، وعن نفسه بوصفه حارساً لهذا الإيمان، أو العقيدة الخرافية على الأصح.
ولهذا قد يصبح رجل الدين الدوغمائي أكثر شراسة عندما يشعر أن العلم اقترب من منطقة تهدد اعتقادًا افتراضيًا قديماً؛ لأن الحقيقة الجديدة لا تطلب منه معلومة جديدة فحسب، وإنما تطلب منه أحيانًا إعادة بناء جزء من ذاته لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما لا يبقى هذا الخوف داخل صاحبه.
فبعض رجال الدين الدوغمائيين يمتلكون سلطة رمزية تجعلهم قادرين على تحويل قلقهم الشخصي إلى قلق جماعي.
إنه لا يقول للناس: أنا أخشى أن أكون مخطئًا.
بل يقول: أنتم يجب أن تخافوا من هذه الحقيقة.
وهنا ينتقل الخوف من كونه حالة نفسية فردية إلى كونه أداة للسيطرة الفكرية والاجتماعية الجماعية.
فيقال للمجتمع: هذه الفكرة خطيرة، وهذا الباحث مشكوك فيه، وهذه النظرية تهدم الأخلاق، وهذا السؤال يفسد الإيمان، وهذا الاكتشاف مؤامرة وغزو ثقافي؛ وهكذا يتحول الخوف الشخصي من الحقيقة إلى خوف اجتماعي من المعرفة.
وبذلك يصبح رجل الدين الدوغمائي الذي يخشى العلم أخطر من مجرد شخص متشكك في اكتشاف علمي؛ لأنه قد يمتلك من النفوذ ما يسمح له بتحويل خوفه إلى ثقافة، وثقافته إلى رقابة، ورقابته إلى ترهيب وسلطة طغيانية.
4- تحالف السلطة المستبدة مع الدوغمائية الدينية
حين تدخل السلطة السياسية إلى المعادلة؛ هنا نصل إلى الحلقة الأكثر خطورة:
التحالف بين الدوغمائية الدينية والسلطة السياسية ليست أخطر علاقة بين الدين والسلطة تلك التي يظهر فيها رجل الدين حليفاً للطاغية، وإنما تلك التي يختفي فيها التحالف خلف ستار المقدس؛ فيصبح الفقر فضيلة، والخضوع طاعة، والصمت حكمة، والسؤال فتنة، ومقاومة الظلم خروجاً على الجماعة، وهنا يمكن فهم إحدى أشهر مقولات كارل ماركس:
«مهمة الطاغية أن يجعلك فقيراً، ومهمة رجل الدين أن يقنعك أن الفقر مقدس.»
إن أهمية هذه الفكرة تكمن في كشفها لإمكانية توظيف الخطاب الديني لخدمة بنية السلطة المستبدة.
فالطاغية يحتاج إلى مجتمع ضعيف اقتصادياً وسياسياً، وقد يحتاج إلى خطاب يمنح هذا الضعف شرعية أخلاقية أو دينية؛ فيتحول الفقر من مشكلة سياسية تستوجب السؤال إلى فضيلة تستوجب الصبر، ويتحول القهر من فعل بشري يمكن مقاومته إلى قدر يطلب من الإنسان التسليم به.
5- فرق ما بين دين الرحمة الحق ودين الشيطان الباطل
وهنا يصبح السؤال الضروري:
من الذي صنع الفقر؟
بديلاً عن: كيف أتعلم أن أقدس فقري؟
وهذا هو الفارق بين الدين الحق بوصفه قوة أخلاقية لتحرير الإنسان، وبين توظيف الدين الدوغمائي بوصفه أداة لتدجين الإنسان.
ومن هنا أيضاً يمكن قراءة مقولة ماركس الأخرى:
«الدين هو زفرة الخليقة المقهورة، وهو مزاج عالم بلا قلب، وهو الروح لأحوال بلا روح، إنه أفيون الشعوب.»
فالقراءة الأكثر تركيباً لهذه العبارة الشهيرة التي دار ويدور حولها الكثير من الجدل، لا تجعل الدين الحق خدعة، بل تراه أيضاً تعبيراً عن ألم الإنسان المقهور، ومحاولة لتعويض عالم فقد العدالة والرحمة؛ غير أن دين الشيطان الدوغمائي يمكن أن يتحول إلى «أفيون» عندما ينتقل من التعبير عن الألم إلى تخدير أسبابه، ومن انصاف ومواساة المظلوم إلى مطالبته بالتعايش الأبدي مع الظلم، والظالم، وهنا تحديداً يلتقي مفهوم ماركس مع مفهوم الفوبيا الدينية الذي أطرحه.
فالخوف من الحقيقة قد يجعل بعض الخطابات الدينية الدوغمائية تركز على تخدير السؤال بدلاً من معالجة المشكلة، وعلى إسكات الألم بدلاً من البحث عن أسبابه، وعلى مطالبة المقهور بالصبر بدلاً من مساءلة من صنع القهر.
6- اللاهوت الديني لا يحمي العقيدة بقدر ما يحمي منافع ومصالح غير مشروعة
قد يرتبط تفسير معين بموقع اجتماعي، أو نفوذ سياسي، أو سلطة أبوية، أو امتياز اقتصادي، أو شبكة مصالح تجعل مراجعة ذلك التفسير مكلفة جدًا على صاحبه.
وعند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر حساسية:
ماذا يحدث عندما تتعارض الحقيقة مع المصلحة؟
قد تختار الحقيقة أن تكشف نفسها، لكن السلطة قد تختار أن تخيف الناس منها.
وهنا لا يعود السؤال:
ماذا يقول الدين؟
بل يصبح:
من يملك حق تفسير الدين الحق؟ ومن يستفيد من هذا التفسير؟
وهذا السؤال تحديدًا هو الذي تخشاه الدوغمائية أكثر من أي سؤال آخر؛ لأنها قد تستطيع الدفاع عن النص، لكنها ترتبك أمام سؤال المصلحة.
قد تستطيع أن تقول للناس: هذه هي الحقيقة.
لكنها تجد صعوبة عندما يُسأل:
لماذا هذا التفسير تحديدًا؟ ومن الذي يستفيد من بقائه؟
7 – تحالف المال والسلطة والمقدس الخطأ
«المال هو الرب الذي تعبده كل المعتقدات، والإله الذي تؤمن به كل المذاهب، وهو دستور كل الشرائع… فلا تجهدوا أنفسكم في البحث عن الله في المساجد والكنائس؛ فهو هناك حيث يصلي الطغاة وكهنتهم.»
مقولتي هذه ليست دعوة إلى إنكار الإيمان، والدين الحق، وإنما صرخة نقدية في وجه تحالف المال والسلطة والمقدس عندما يتحول الدين المصطنع إلى غطاء للمصلحة.
فالمال حين يصبح أقوى من المبادئ، يمكن أن تتحول العقيدة إلى واجهة، والمذهب إلى هوية سياسية، ورجل الدين المصطنع إلى وسيط بين السلطة والجمهور، والمقدس إلى غطاء يحمي مصالح دنيوية.
وعندها يصبح الدين، في بعض صوره السياسية، ليس مجرد منظومة اعتقاد، وإنما لغة للسلطة ووسيلة لإدارة الوعي الجمعي؛ فهنا أستطيع القول بأن:
«الدين سلاح ترهيب السلطة للعقول، وجسر عبور الطغاة لغاياتهم، وإقامة بقاء المستبد على الشعوب.»
وأنا هنا أميز بوضوح بين الدين الحق بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، وبين توظيف الدين سياسياً عندما يتحول المقدس إلى أداة لإخضاع الإنسان واستغلاله.
المشكلة ليست في أن يؤمن الإنسان؛ وإنما في أن يطلب منه أن يتوقف عن التفكير لأنه مؤمن.
وليست المشكلة في احترام المشاعر الدينية؛ وإنما في أن تتحول المشاعر إلى حصانة تمنع مساءلة الأفكار حين تصبح المشاعر جداراً أمام العقل؛ ولهذا أقول:
«حزنٌ حقيقي أفضل من فرح زائف؛ فلا قيمة لاحترام المشاعر، إن لم تُحترم العقول أمام الحقيقة.»
احترام الإنسان لا يعني حمايته من الحقيقة، وأحياناً يكون أشد أشكال الإهانة للعقل أن نكذب عليه حتى لا نحزن مشاعره.
الحقيقة قد تؤلم، لكنها لا تهين، أما الوهم فقد يريح، لكنه قد يصنع أجيالاً كاملة تعيش في راحة الكذبة.
إن احترام مشاعر المؤمنين واجب إنساني، لكن تحويل المشاعر إلى معيار للحقيقة هو إلغاء للعقل والاستخفاف فيه؛ فالفكرة لا تصبح صحيحة لأنها تريحنا، ولا تصبح الحقيقة خاطئة لأنها تؤلمنا. الأمة التي تبحث عن تبرير الحقيقة لا عن الحقيقة، وهنا نصل إلى الجذر الأعمق للمشكلة:
8- نحن أمة لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عما يجعل زيف الحقيقة حقيقة
إن الإنسان الدوغمائي لا يبحث بالضرورة عن الدليل الذي يمكن أن يغير رأيه؛ بل قد يبحث عن الدليل الذي يسمح له بالاحتفاظ برأيه.
وهنا يصبح التفكير عملية انتقائية: نأخذ من المعرفة ما يوافقنا، ونرفض ما يزعجنا، ونبحث عن سلطة تؤكد ما نعتقده مسبقاً.
وعندما تتداخل هذه الدوغمائية مع السلطة والمال والخوف الاجتماعي، تصبح الحقيقة خطرا وجوديا على منظومة كاملة، لا مجرد معلومة جديدة.
ولهذا اقول:
«أيها القطيع: إني لا أدعوكم لترك معتقداتكم ومذاهبكم وتوجهاتكم.. ولكن إلى التفكير بها، أفلا تتفكرون؟»
أنا لا أدعو الإنسان إلى هدم إيمانه، وإنما إلى امتلاك شجاعة النظر إليه بعين العقل؛ فالإيمان الذي يخاف من السؤال ليس بالضرورة إيماناً قوياً؛ قد يكون مجرد افتراض لم يُختبر بعد.
والمذهب الذي يمنع أتباعه من التفكير فيه لا يحمي الحقيقة، وإنما يحمي صورته الخاصة عن الحقيقة.
العلم ليس عدواً للإيمان
وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً
العلم لا يخيف الإيمان الذي يثق بحقيقته؛ الذي يخيفه هو التفسير الذي لا يحتمل المراجعة.
العلم لا يقول للإنسان: اترك دينك.
إنه يقول: اختبر، تحقق، استدل، راجع.
والفكر يقول: ناقش.
والفلسفة تقول: اسأل.
أما العقائدية الدوغمائية فتقول: لا تسأل.
ومن هنا يبدأ الصراع الحقيقي. ليس بين الله والعلم. ولا بين الإيمان والعقل. بل بين الإنسان الذي يريد أن يعرف، والسلطة التي تريد منه أن يصدق فقط؛ فإذا كان رجل الدين يخشى أن تغير الحقيقة العلمية معتقده، فالمشكلة ليست في الحقيقة العلمية؛ المشكلة في اعتقاد لم يُسمح له أصلاً بأن يُختبر.
وإذا كان يخشى أن يؤدي اكتشاف علمي إلى انهيار نفوذه السياسي أو الاجتماعي، فهذه ليست حجة ضد العلم؛ إنها إشارة إلى احتمال اختلاط الإيمان بالسلطة.
وإذا كان يحتاج إلى تخويف الناس من السؤال حتى يحافظ على يقينه، فذلك يعني أن يقينه لم يعد قادراً على حماية نفسه إلا بالخوف.
فلا حياد أمام ترهيب العقل
ولهذا فإنني لا أرى أن من واجب النقد الفكري أن يجامل هذه الحالة لمجرد أن صاحبها رجل دين، ولا أن يحتمي الخطاب الديني الحق من النقد بقداسة المهنة أو المكانة الاجتماعية.
9- احترام الإنسان شيء وتقديس خطابه شيء آخر
احترام الإنسان شيء، وحماية أفكاره من المساءلة شيء آخر. كما أن احترام الإنسان يكمن في النظر إليه كذات مقدسه تمثل الله على الأرض ففيه روحه ويعيش بذاته، لا بالنظر إليه كفرد حيواني في مجموعة قطيع يقودها راعي (رجل دين لا هوتي) لا يخشى عليها الذئب (رجل السلطة) بل يفترسها معه.
يمكن أن نحترم رجل الدين بوصفه إنساناً، ثم نكشف تناقضاته الفكرية دون مجاملة.
ويمكن أن نحترم المؤمن، دون أن نجعل إيمانه حصانة من السؤال.
ويمكن أن نحترم الدين، دون أن نمنح كل تفسير ديني حصانة مقدسة من النقد.
إن المجاملة هنا قد تكون أخطر من النقد؛ لأنها تعود المجتمع على أن هناك عقولاً فوق المساءلة.
وأنا لا أريد أن أكون محايداً أمام الخوف حين يتحول إلى أداة لترهيب الإنسان من المعرفة.
فليست كل مقاومة للعلم إيماناً، وليست كل محاربة للسؤال دفاعاً عن الدين؛ أحيانا تكون مجرد آلية نفسية لحماية سلطة خائفة من أن تكشف الحقيقة هشاشة ما بنت عليه سلطتها.
إن أخطر أنواع الدوغمائية ليست تلك التي تقول: أنا أملك الحقيقة بل تلك التي تقول: ولا أسمح لك حتى بأن تبحث عنها.
10- الخلاصة
بين الدفاع عن الدين والدفاع عن الذات باسم الدين
في النهاية، فإن السؤال الذي أطرحه ليس: هل الدين ضد العلم؟
بل: هل يخاف بعض رجال الدين أن يهدم العلم إيمانهم، أم يخافون أن يهدم العلم السلطة والمصالح التي أقاموها فوق إيمانهم؟
فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين الدفاع عن الدين والدفاع عن الذات باسم الدين.
أنا لا أهاجم المؤمن لأنه مؤمن، ولا رجل الدين لأنه رجل دين، ولا المعتقد لأنه معتقد.
إنني أهاجم الخوف حين يتنكر في صورة إيمان، والمصلحة حين ترتدي ثوب القداسة، والسلطة حين تتحدث بلسان الله، والجهل حين يعلن نفسه حارسا للحقيقة.
ولذلك فإن مهمتنا ليست أن ننتزع من الناس معتقداتهم، وإنما أن ننتزع من عقولهم الخوف من التفكير فيها.
فالحقيقة لا تحتاج إلى قطيع يحرسها.
ولا تحتاج إلى طاغية يحميها.
ولا تحتاج إلى كاهن يخيف الناس باسمها.
الحقيقة تحتاج إلى عقل حر يستطيع أن يقول:
«كنت مخطئاً.»
وربما تكون هذه الجملة الصغيرة هي أصعب جملة على العقل الدوغمائي؛ لأنها لا تهدم فكرة واحدة فقط، بل تهدم الوهم الأكثر خطورة:
وهم أنني أمتلك الحقيقة كاملة.
وهنا، في اللحظة التي يصبح فيها الإنسان قادراً على مراجعة نفسه، يبدأ الفكر الحقيقي، وتبدأ الحرية الحقيقية، ويصبح الإيمان ـ إن اختاره الإنسان ـ اختياراً واعياً لا استجابة للخوف.
فالحقيقة لا تحتاج إلى أن نخاف منها.
الذي يحتاج إلى الخوف هو كل سلطة تخشى أن نكتشف الحقيقة.
انتهى