لا تحاربوا ضحايا الفقر وتتركوا أسباب الفقر

يمنات
أماني محمد
”كان العرب قديماً إذا رأوا خذلاناً لمستجير أو نكراناً لمعروف، أطبقوا عليه الأجفان والشفاه. وقالوا لا تُذيعوا بين الحيّ خبر الخذلان، ولا تنشروا في الناس صدى الجحود والنكران؛ لئلا تموت المروءة في البُلدان، وينقطع المعروف بين الإنسان والإنسان، فيبيت المستجير بلا مجير، والملهوف بلا نصير، ويقعد الكرام عن صناعة الجميل خوفاً من الضياع والخذلان.
”أمّا اليوم، فقد تجلّت الطامة الكبرى في مسلك زُمرةٍ من تجار الوهم وأبواق الفتنة، الذين نصبوا أنفسهم حُرّاساً للوعي وهم للخرابِ أبناء! لقد تعمّدوا نسف أواصر التكافل الاجتماعي من جذورها، متخذين من تشييع الشك وقتل الثقة منهجاً؛ فراحوا يغمسون استثناءات النصب والخديعة في كؤوس التعميم، ليسقوها للمجتمع بأسره تحت يافطة «الوعي المزيف».
وما أدرك هؤلاء العابثون -في غمرة سعيهم للترند- أن الوعي الحقيقي طاقة إحياء وبناء، بينما ما يمارسونه هو محوٌ ممنهج لهوية الإنسان واستئصالٌ لجذوة اليقين. حتى آل الحال بالمجتمع إلى سديمٍ من الريبة، يرتاب فيه الأخ من أخيه، وتتخاطف القلوبَ أشباحُ الشك، فانفرط عقد الأمان الاجتماعي برمّته؛ وتلك واللهِ لحسرةٌ مُرّة، تفترس أكباد الأحرار وتدمي قلوب كل ذي مروءةٍ وشرف.”
ويا للعجب من صانع محتوى يرتضي لنفسه أن يكون كلباً عقوراً يتتبع عثرات المساكين والبائسين ممن ضاقت بهم الحيله وضاقت بهم ذرعاً السبل حتى عجزوا عن إطعام أطفالهم، ليجعل منهم مادة للتشهير والتعميم الأعمى؛ في وقت كان الأحرى بهذا المدعي أن يصوب جمام سهامة نحو عرين سلطات الأمر الواقع وهوامير القرار، أولئك الذين أمعنوا في تجويع الشعوب وتركيز أسباب التفقير، لا أن ينزل بقوته المزعومة على رقاب العاجزين، محامياً عن الجلاد وناكلاً عن الضحية.
ثم تذكروا أن فينا رجالٌ ونساءٌ من أبناء الكرام كرتهم ضروب الحياة، لكنّ في صدورهم كبرياءً أشمّ يمنعهم من ذلّ السؤال ومدّ الأيدي، فيرجعون مكسوري الأجنحة يتجرّعون مرارة الانكسار وذل السؤال. فإذا ألجأتهم الحاجة القاسية إلى أتيانكم متنكرين في غير ثيابهم، يطلبون الستر لا الصدقة، فلا تنقبوا في بطون خفاياهم، ولا تبتزوهم، وعيبٌ واللهِ ألف عيب أن تساوموا عفتهم أو تتخذوا من فبركات «النصب» ذريعةً لقتلهم وغطاءً لقسوتكم!
أقسم بمن أحلّ القسم، ما من أحد يمدّ يده في هذه الأيام العجاف – لاسيما في يمننا الجريح – إلا مضطرّ أضناه الجوع وأهلكه الضرّ؛ وما طارق الباب اليوم إلا مكلومٌ أحرقه العوز وأضناه الفقر.
سوف يقول أحدهم، ليبحث عن عمل ويطلب الله على نفسه، طيب أي عملٍ تقصد، والدولة لم توفر غير الخراب والسراب؟ هل أوجدت بيئة استثمارية، أو رعت تعليماً، أو كفلت حقّ خريجٍ أو عامل؟ إننا أمام شعبٍ كامل يبلغ أربعين مليوناً، لا حالةً عارضة تُحل بتصريفةٍ مؤقتة هنا أو هناك!
وحين تُغلق أبواب العمل، وتضيق سبل الرزق، وتغيب العدالة، وتتركز الفرص والثروة في أيدي دوائر محدودة، فلا تتوقعوا أن ينتج الفراغ إلا أزمات اجتماعية أكثر قسوة.
فإذا لم توجد دولة توفر فرص العمل، وتخلق البيئة المناسبة للإنتاج والمشاريع، وتحمي الناس بالقانون، وتضمن تكافؤ الفرص والعدالة في الوصول إلى الثروة والخدمات؛ فستجدون في النهاية إنسانًا مسحوقًا قد يتحول إلى محتاج، أو متسول، أو نصاب، أو سارق، أو قاطع طريق، أو إنسان محطم، أو حتى قنبلة مؤجلة من القهر واليأس.
فان الدولة التي لا توفر لمواطنيها تعليمًا وفرصةً وعدالةً وأمنًا قانونيًا وبيئةً اقتصاديةً وتكافؤًا في الوصول إلى العمل والثروة، لا تستطيع أن تتعامل مع نتائج الفقر وكأنها أخلاق فردية معزولة عن أسبابها.
لذلك لا تجعلوا الفقير شماعةً لفشل الدولة.
ولا تجعلوا المحتاج كبش فداءٍ لمنظومةٍ عجزت عن توفير أبسط شروط الحياة الكريمة.
طيب، ها أنا أماني محمد علي، يتيمة الأبوين، ماذا لو قلت لكم على سبيل المثال أنني أمر بظروف صعبة ومحتاجة، ولا يعلم بما أمر به إلا الله. فمن منكم سيقول لي: «أبشري بعزّش يا بنت اليمن، نحن أهلش، وأنتِ أختنا وبنتنا في الأرض والوجع»؟
أكيد، لن يفعل ذلك إلا من رحم ربي.
بينما سيأتي من يدخل ساخرًا، وآخر مشككاً وثالث يحاول ابتزازي، ورابع يريد أن يجعل من حاجتي ثغرةً للاستقطاب السياسي، وآخر يريد أن يحول ضعفي إلى وسيلة لمساومتي على موقفي، وربما من يريدني أن أتحول إلى «صافيناز» مقابل ما يقدمه!
أستغفر الله العظيم حتى الأخلاق والقيم ضيعها الكثير .
لهذا يا عزوتي وأهلي، لم يعد الإنسان يخاف من حاجته فقط؛ لقد أصبح في حقيقة الأمر يخاف من الناس إذا عرفوا حاجته.
لا وفوق ذلك نريد نبني دولة مستقلة القرار والسيادة.
فأي دولة هذه التي يترك فيها الإنسان أخاه حين تضيق به الحياة، ولا يجد المحتاج والمقتدر بينهما جسرًا من التكافل، بينما تظل السلطات توزع الامتيازات على المشائخ ودوائر حاشيتها؟ وأي استقلال وسيادة ونحن لا نستطيع أن يقيم كل منا سقيفةً لأخيه؟
وأي وطن نريد أن نبنيه إذا كان أخي اليمني حين يسقط لا يجد يدًا ترفعه، بل يجد ألف لسان يسخر منه ويشكك فيه ؟
لذلك عندما يجف النهر الوطني من سقيا أخاه فلن يبقَ أمامه إلا أن يصبح عرضةً للاستقطاب الخارجي، أو يتحول إلى قنبلةٍ مؤجلة من القهر والظلم، أو ينزلق إلى النصب والابتزاز وقطع الطريق، أو ينتهي به الحال إلى الشحاتة والتسول، وربما إلى اليأس من الحياة.»
فلا تحاكموا الإنسان على آخر الطريق، وأنتم تعرفون كيف تركتموه يمشي إليه.