استعادة زمني المفقود

يمنات
محمود ياسين
حاولت للمرة الأخيرة استعادة زمني المفقود بالدنوة
بيتنا وأمام البيت عجوز تنتظر ابنها ، بقي الابن غير ان مكان العجوز فارغ الا من بقايا طعام كانت تتركه هنا للقطط والكلاب .
صعدت الدرج دون التفات للبراميل التي كنت أخبئ مسروقاتي خلفها ، كنت اخبئ حتى طعام رمضان وانا في العاشرة أبقى أجمع كل ماتطاله يدي من خبز وتمر منذ الصباح في أول يوم صيام ، حتى الصلصة كنت أتوق اليها ظهيرة رمضان وأخبئها خلف البرميل ومايأتي المغرب الا وقد أتخم المكان وشبعت نفس الطفل الذي كنته مع أول صوت شاقح من حنجرة عمي محمد قاسم ياسين : الله اكبر الله اكبر .
بذلت مجهودا لحظة دخولي مجلس بيتنا في الدور الثاني ، ذلك المجهود الذي يبذله عائد لقريته ليمتلئ بشخصية الأديب السارد وهو يعيد كل مات إلى الحياة ، الزجاج المشروخ ذاته من ثالث اعدادي ، وبقي أبي يرجئ أمر استبداله متفرغا كل مقيل للتبرم من تيار الهواء المتسلل عبر الشرخ مهددا نشوته ، بينما كانت أمي تردد الجملة الاستناكرية ذاتها : من تهادر ؟
هنا في الركن كان أبي متكئا وبين يديه كتاب مشكاة المصابيح ، المفرشة الحمراء الأصلية ذاتها عند قدميه ، ولقد رحل أبي بينما ترفض المفرشة الأصلية الايرانية أن تتقدم في العمر ، لطالما حدقت في تفاصيل نقشاتها وفكرت في لا جدوى الجهد الانساني المبذول في تكوين جماليات لا يكترث لها أحد ولا تقدح في روحه أي انفعال جمالي ، بينما اعترك انا ومعادلات الهندسة الفراغية وحساب المثلثات متبرما بذات المزاج الذي ورثته عن ابي وأسأل : يعني ايش جا وجتا وظا وظتا ، اللعنة على الجتا والظتا والعلم القسري الذي كان علي مذاكرته دون أي شغف ، بينما كانت كتب أبي المتراصة في الطاقة تومئ لي بحميمية بديلة عن كتب ثالث ثانوي رغم اقتصارها على الفقة والمواريث لكنها كتب على كل حال وليست ألغازا ، ناهيك عن كونها بلا وظيفة الزامية والعلاقة معها اختيارية تماما ولو بدأت الصفحة ب: وللجدة السدس .
كانت شتاءات ليالي مجلس الدنوة بللة ، كل ماتلمسه ساقع ولكن القلب محتدم وفيه من الصبابة مايكفي لإذابة المتجمد الجنوبي .
وبدلا من المذاكرة افكفك حزم البطاريات ” ابو بس” واعيد تلقيم المسجلة الناشنال فتبدأ حنجرة أم كلثوم في التدفق : أغدا ألقاك .
كان كل شيئ في مكانه لحظات الغرام تلك ، حتى الصقيع والريح القادمة من كهوف الأبدية لتجوب أزقة الدنوة مفاقمة التياع دفئ الدهاليز وحس الاختباء الحميم وهي تعصف وتصفر على فوهات ميازيب الطواق ومن الزجاج المشروخ تتدفق مويجات الريح ووعود الدفئ ووحشة الليل وقد روضتها الصبابة .
كل شيئ كان في مكانه وأنا بعد كل هذه السنين لست في مكاني ، كأنني لحظتها بصدد مهمة إحيائية من نوع ما ، ولقد دمغتني السياسة حتى في ملامستي للحظة كتلك فبدلا من تقمص شخصية مارسيل بورست ومحاكاة لحظة بحثه عن الزمن المفقود في ماضي آل ياسين ، شعرت وكأنني اردوغان وهو يحاول استعادة زمن امجاد آل عثمان وكلاهما لن يعود .
غادرت ومع اخر درجة في الاسفل التفت الى حيث كانت تقطن البقرة الطيبة ، لطالما سمعت خوارها المتعذب كل مساء بعد ان جاء الجزار وأخذ معه رضيعها ، كانت تخور طوال الليل ، الى ان باعها أبي بعد ان تقدمت في العمر وصادفتها بعد أيام وكنت في اول ثانوي وانا نازل من الدنوة في طريقي لخط سيارات إب ، صادفتها في سائلة حازان ، لا أدري عن عائلتها الجديدة ولم أسأل عنهم تجنبا للضغينة ، اذكر تحديقتها حتى اللحظة ، كان ذلك الحزن البهيمي الصامت يتدفق من عينيها الواسعتين وكأنها تعاتبني مرددة : ماالذي فعلته ؟