هكذا تكلم زرادشت.. رحلة طويلة بين الجبل والإنسان

يمنات
عبد الرحمن الربيعي
في البداية ظننت أنني سأقرأ كتابًا فلسفيًا آخر، مجموعة من الأفكار الثقيلة التي تحتاج إلى تركيز وصبر، ثم أغلقه كما أغلقت عشرات الكتب من قبل.
كنت أتوقع صفحات مليئة بالمصطلحات والتجريدات الذهنية التي تستهلك العقل أكثر مما تلامس الإنسان. غير أن الصفحات الأولى من “هكذا تكلم زرادشت” حملتني إلى مكان مختلف تمامًا.
لم أشعر أنني أقرأ نظرية فلسفية أو أتابع محاولة لإقناع القارئ بمنطق متدرج، وإنما شعرت أن بابًا قد فُتح أمامي نحو عالم غريب تسكنه الأسئلة أكثر مما تسكنه الأجوبة، عالم لا يمنحك اليقين بقدر ما يدعوك إلى الارتحال خلفه.
رأيت زرادشت واقفًا فوق الجبل بعد عشر سنوات من العزلة، يطل على العالم من ارتفاع لا يشبه ارتفاع المكان فقط، وإنما ارتفاع التجربة أيضًا. لم أتعامل معه كشخصية روائية تظهر في بداية الحكاية، وإنما كإنسان عاد من رحلة طويلة داخل نفسه.
كنت أتخيل الصمت الذي أحاطه طوال تلك السنوات، والليالي التي لم يسمع فيها سوى الريح وهي تعبر الجبال، والساعات الطويلة التي جلس فيها وحيدًا يصغي إلى أفكاره وهي تتشكل ببطء.
وحين قرر النزول إلى الناس شعرت أنني أنزل معه، أراقب الطريق الممتد من القمم البعيدة إلى ضجيج المدن وأسواقها.
في تلك اللحظات لم يكن الكتاب يتحدث عن زرادشت وحده. كانت صور كثيرة تعبر ذهني وأنا أقرأ. فكرت في كل إنسان خرج من تجربة غيّرته من الداخل، ثم عاد ليجد أن العالم من حوله ما زال يسير بالإيقاع نفسه.
فكرت في المسافة التي قد تنشأ بين الإنسان ونفسه القديمة بعد أن يتغير، وفي ذلك الشعور الخفي بالغربة الذي يولد عندما يصبح المرء مختلفًا عما كان عليه. وربما كانت تلك أولى المشاعر التي زرعها الكتاب في داخلي؛ شعور هادئ بالابتعاد عن المألوف والتطلع إلى شيء لم تتضح ملامحه بعد.
عندما وصل زرادشت إلى السوق وتحدث إلى الحشود عن الإنسان الأعلى، توقعت أن ينصت الناس إليه. كان في داخلي إيمان بسيط بأن الكلمات الصادقة تملك دائمًا طريقًا إلى القلوب. غير أن المشهد أخذ منحى آخر تمامًا.
الناس كانوا ينتظرون عرضًا ممتعًا، وعيونهم معلقة بالمهرجين ولاعبي الحبال، بينما كانت كلمات زرادشت تتبدد وسط الضجيج. شعرت بحزن خفيف وأنا أتابع ذلك المشهد، حزن لا يتعلق بالشخصية وحدها، وإنما بكل فكرة عميقة تجد نفسها في زمن يفضّل الفرجة على التأمل، ويمنح انتباهه لما يثير الدهشة السريعة أكثر مما يمنحه لما يوقظ الأسئلة.
واصلت القراءة وأنا أشعر أن نيتشه يجرني إلى مواجهة مستمرة مع نفسي. لم يكن يتركني أراقب الأحداث من مسافة آمنة، ولم يكن يسمح لي بالبقاء مجرد متفرج على أفكاره. في كل فصل كان يضع سؤالًا أمامي ثم يبتعد، تاركًا إياي وحدي مع التفكير. أحيانًا كنت أوافقه وأشعر أن كلماته أصابت شيئًا عميقًا في داخلي، وأحيانًا كنت أقاومه وأجادله بصمت، وأحيانًا أخرى كنت أغلق الكتاب لدقائق طويلة وأبقى أحدق في الفراغ بينما تتردد العبارات التي قرأتها في ذهني.
ثم جاء مشهد لاعب الحبال.
أكثر ما أثر فيّ مشهد لاعب الحبال. في البداية بدا الرجل شخصية عابرة تؤدي دورًا صغيرًا داخل الأحداث، لكن المشهد أخذ يزداد عمقًا كلما تأملت فيه. رأيت فيه صورة للإنسان وهو يسير فوق فراغ واسع بين ما هو عليه وما يطمح إلى أن يكونه. نحن جميعًا نحمل أحلامنا على أكتافنا ونتقدم بحذر فوق حبال غير مرئية، نخشى السقوط ونتوق في الوقت نفسه إلى الوصول. وعندما سقط الرجل أمام الحشد شعرت أن المشهد يحمل قدرًا كبيرًا من القسوة والصدق، كأن نيتشه يذكرنا بأن الطريق نحو أي تحول حقيقي يظل محفوفًا دائمًا بإمكانية التعثر.
كلما تقدمت في القراءة أصبح زرادشت أكثر قربًا مني. لم أعد أراه فيلسوفًا يقف فوق منصة ويلقي خطبًا على الناس، وإنما رأيته إنسانًا يصارع وحدته ويحاول فهم مكانه في العالم. كان يعود إلى الجبل ثم يشتاق إلى البشر، ويقترب من الناس ثم ينسحب منهم من جديد. حمل إيمانًا عميقًا بأفكاره، لكنه حمل أيضًا خيبات كثيرة وأسئلة مؤلمة. تلك التناقضات جعلته أكثر إنسانية في نظري، وجعلتني أشعر أن رحلته لم تكن رحلة مع الآخرين بقدر ما كانت رحلة مع نفسه.
في منتصف الكتاب تقريبًا بدأت أشعر أنني لا أقرأ أحداثًا أو أفكارًا منفصلة، وإنما أعيش حالة ذهنية كاملة. كانت اللغة نفسها تؤدي دورًا يتجاوز نقل المعنى. جملة قصيرة كانت قادرة على أن تفتح أبوابًا واسعة من التأمل، وصورة رمزية صغيرة كانت تكفي لإشغال الذهن ساعات طويلة. لهذا السبب كنت أعود إلى صفحات كثيرة مرة ثانية وثالثة، لا لأنني لم أفهمها، وإنما لأنني كنت أشعر أن خلف الكلمات شيئًا آخر ما زال ينتظر أن يُكتشف.
ثم جاءت فكرة العود الأبدي.
لا أذكر أن فكرة فلسفية توقفت أمامها كما توقفت أمام هذه الفكرة. لم يطرحها نيتشه كتمرين عقلي بارد، ولم يقدمها كبرهان يحتاج إلى تصديق. ظهرت فجأة كأنها سؤال شخصي موجه إلى كل قارئ يجلس وحيدًا أمام الكتاب. ماذا لو أن حياتك بكل ما فيها ستتكرر إلى الأبد؟ ماذا لو أن هذه اللحظة نفسها، وهذه الصفحة نفسها، وهذا اليوم بكل تفاصيله سيعود مرة أخرى آلاف المرات؟
في البداية بدا السؤال غريبًا. ثم بدأ يتحول شيئًا فشيئًا إلى مرآة. وجدت نفسي أستعيد أحداثًا كثيرة من حياتي. وجوهًا عبرت ومضت. قرارات اتخذتها على عجل. لحظات فرح تمنيت لو أنها طالت أكثر. وأخرى كنت أود لو أنها لم تحدث أصلًا. كنت أقرأ كلمات نيتشه بينما كانت ذاكرتي تفتح أبوابًا قديمة ظننت أنها أُغلقت منذ زمن.
شيئًا فشيئًا أدركت أن نيتشه لا يسأل عن إمكانية تكرار الحياة، وإنما عن موقفنا منها. هل نعيش بطريقة تجعلنا قادرين على احتضان أيامنا كلها لو عادت إلينا مرة أخرى؟ هل نقبل حكايتنا كما هي؟ أم أننا نحمل من الندم ما يجعل فكرة التكرار عبئًا ثقيلًا؟
أغلقت الكتاب بعد تلك الصفحات ومشيت لبعض الوقت دون هدف واضح. كانت الفكرة تلاحقني في الشارع وفي الطريق وفي الأحاديث العادية. شعرت أن السؤال خرج من بين دفتي الكتاب وأصبح جزءًا من يومي. وربما كانت تلك أول مرة أدرك فيها أن بعض الكتب لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، لأنها تنجح في الانتقال من الورق إلى داخل القارئ نفسه.