قادري أحمد حيدر.. عملاق الفكر وثبات الموقف

يمنات
أمين الجبر
لم أغبط في حياتي كاتبًا ومثقفًا من العيار الثقيل كما غبطت المفكر والكاتب الكبير الأستاذ قادري أحمد حيدر، ولم أتمنَّ أن أبلغ مقام أحد في الكتابة والفكر كما تمنيت أن أقترب من مستواه، لا لغزارة علمه وسعة أفقه فحسب، وإنما لجزالة حرفه، ونوعية أطروحاته، وتفرّد أسلوبه، وتميز منطقه الجدلي، بل، بمعنى أدق، لثباته وصلابة موقفه في مختلف الظروف والأحوال.
صحيح أن لكل كاتب أسلوبه الخاص، ولكل مفكر طريقته المائزة، غير أن ثمة قلة من الكتّاب يجعلون من الكلمة معنىً غزير الدلالة، ومن العبارة كيمياءً روحيةً نابضة بالحياة؛ فيدهشونك بجمال الصياغة، ويأسرونك بعمق الفكرة، ويستوقفونك عند كل سطر بما يحمل من ثراء معرفي وألقٍ تعبيري.
ذلك هو المفكر والكاتب الكبير قادري أحمد حيدر؛ العملاق في الفكر والثقافة، والأستاذ في البحث والكتابة، واليساري في النهج والسياسة، والإنسان في أخلاقه وعلاقاته، وفي مواقفه وريادته.
عرفته أولًا من خلال كتاباته الغزيرة والمتنوعة، وبعض مؤلفاته، ثم أتيح لي أن أقترب منه بحضور عدد من ندواته ومجالسه الفكرية. فوجدته بحرًا زاخرًا بالفكر والثقافة، ومتفردًا في أسلوبه وكتابته، يجمع بين عمق التحليل، ورصانة المنهج، وجمال التعبير.
ينزع إلى علمنة الدولة، ويميل إلى دمقرطة الرأي، ويناضل من أجل تحقيق العدل وسيادة القانون، ويجتهد، مع رفاق مشروعه الفكري، في سبيل بناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية، كما يسعى إلى ترسيخ ثقافة العلم والعقل، ونبذ الخرافة والانغلاق، مؤمنًا بأن الإنسان هو الغاية، وأن الحرية والمساواة والكرامة حقوق أصيلة له.
ولا تستهويه المناصب بقدر ما يستغرقه الفكر والبحث العلمي، ولا تغلبه الانتماءات الحزبية ومشاداتها على الانحياز للحقيقة الموضوعية، ولا يرتضي بالجهوية أو المناطقية بديلًا عن الوطن الكبير الذي يتسع لجميع أبنائه.
أذكر أنني ذكرته يومًا أمام أحد أساتذتي، وأعربت عن بالغ إعجابي بفكره وأسلوبه، فلمست شيئًا من الامتعاض، ربما لاختلاف الرؤية، أو لتباين المنهج، أو لموقف فكري مغاير. غير أن ذلك لم يزدني إلا اقتناعًا بأن الشخصيات الفكرية الكبيرة كثيرًا ما تثير الجدل، بقدر ما تثير الإعجاب.
حاولت أن أقلده في الكتابة، فلم أستطع، وحاولت أن أستنطق سر أسلوبه، فلم أفلح. فأدركت أن الأساليب العظيمة لا تُستنسخ، وإنما تُلهم، وأن لكل كاتب صوته الذي لا يشبه سواه.
ومع ذلك، سيظل قادري أحمد حيدر، في نظري، مثلي الأعلى في الكتابة، وقدوتي في الجمع بين عمق الفكرة، وجمال الأسلوب، وثبات الموقف. وسيظل متفردًا في كثير من خصاله، واستثناءً في سعة أفقه، وقوة منطقه، وتميز كتابته، وصلابة انحيازه للقيم والمبادئ، مهما تقلبت الظروف وتبدلت الأحوال.
إن قيمة المفكر لا تُقاس بما يكتب فحسب، وإنما بما يظل وفيًا له من قيم، وبما يدفعه من أثمان في سبيل مبادئه. وفي قادري أحمد حيدر اقترن الفكر بالموقف، والثقافة بالمسؤولية، والعلم بالنزاهة، فغدا اسمه شاهدًا على أن الكلمة الصادقة لا يبهت أثرها، وأن المبدأ إذا استقر في ضمير صاحبه بقي راسخًا مهما تعاقبت المحن وتقلبت الأزمنة.
إنه، بحق، أستاذٌ لكثير من المثقفين، ومرجعيةٌ فكرية لقطاع واسع من المهتمين بالشأن الثقافي والسياسي، ورمزٌ من رموز النضال الوطني الوحدوي، ترك أثره في العقول قبل أن يتركه في صفحات الكتب.