أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

غصة نائب.. برلمان فخامته..!

يمنات

 

(12)

برلمان فخامته..!

أحمد سيف حاشد

اضطر يحيى الراعي، مكرهاً، إلى الانحناء أمام رغبة الأغلبية الساحقة التي حرّكتها دوافع شتّى؛ منها هاجس الخوف، والرغبة في الحماية من تعسفات محتملة، واستعادة شيء من هيبة الحصانة البرلمانية، بعد انتهاكات طالت عدداً غير قليل منهم، لم يُعلن عن كثيرها.

هذا ما ألمح إليه في الجلسة النائب علي عبدربه القاضي، في قوله: «إن ما جرى قطرة من مطر». وما كشفه النائب سلطان العتواني، بأنه تعرّض للتوقيف ستّ مرات، تضمنت آخرها التهديد بالقتل من قبل نقطة عسكرية أمام معسكر السواد.

هذا وذاك لا ينفي ولا ينتقص من وجود تعاطف حقوقي من قبل كثير من الأعضاء إزاء الانتهاك الصارخ الذي طالني، ولكن أقصد أن ثمة دوافع تضافرت لتُفضي في مجملها إلى تلك الأغلبية الساحقة التي صيّرتني ضئيلاً في زحامها.

لم يُتح للراعي هامشٌ للمناورة لإعفاء رئيس الجهاز من الحضور، أو استبدال حضوره بالوزير العليمي، فيما تهامس عدد من الأعضاء؛ فقال أحدهم: «لا يقدّم ولا يؤخّر»، ووصفه آخر بعديم الجدوى والفائدة بقوله: ««لا يُحَمّي ولا يُبَرِّد»، وذهب ثالث إلى أنه «لا يصلح حِجْنة ولا ينفع شرِيم».

في القاعة، قررتُ وأعلنتُ الاعتصام والإضراب عن الطعام ابتداءً من «يوم الاثنين القادم»، حتى حضور رئيس الجهاز غالب القمش، لا أحد سواه. هكذا أطلقتُ قراري بمنتهى الجدية والوضوح.

جاء تهديدي على نحو غير متوقع، وحشر الجميع تحت ضغط إضافي وإحراج أشد، وجعل حضور رئيس جهاز الأمن السياسي أمراً لا مفر منه.

وكان بعض الأعضاء قد انسحبوا من الجلسة احتجاجاً على ما أسموه استهتاراً من قبل رئيس الجهاز بالبرلمان، ورفضه الحضور لتوضيح موقفه من انتهاك الحصانة البرلمانية.

اتخذ المجلس موقفه، بتحويل مقترح صخر الوجيه إلى قرار، وهو تعليق جلسات المجلس حتى حضور رئيس جهاز الأمن السياسي إلى القاعة لمساءلته.

الحقيقة أن استدعاء رئيس جهاز الأمن السياسي (المخابرات) إلى المجلس سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ البرلمان اليمني، وقرار تعليق أعمال المجلس حتى حضوره هو سابقة أخرى لم تحدث من قبل في موضوع حساس كهذا.

كان ذلك المشهد النيابي بوجه ما استثنائياً في حينه، بصرف النظر عن النتيجة الخائبة والحصاد المر الذي سنأتي على تفاصيله، غير أننا لم نكن نعلم أن أياماً ستأتي حاملة لنا من الخيبة والمرارة أضعافها، بل ما لم يكن يخطر على بال أحد.

***

اليوم انقلب الأمر على عاقبيه، وجاء بما هو أشرّ وأفدح! اليوم حافل بالعجب العجاب، وشرّ البليّة ما يضحك الحمير والحجارة.

اليوم صار العليمي رئيساً، ولنا أن نطلقها صارخة: يا للهول والفاجعة.. ليست معجزة بل كارثة.. استمرّ فخامته في تعطيل البرلمان سنوات طوال؛ ومن جاء بالأمس ليدافع عن انتهاكات المخابرات ويبرّرها، جاء اليوم محتزماً بسلطة تمعن في تعطيله من ساسه إلى رأسه، وتكبله بألف قيد وفيد!

أيُّ عارٍ هذا الذي نعيشه؟! وأيُّ مفارقةٍ صارت تشرّع هذا الانقلاب الذي لا يقل فداحة وكارثية عن إنقلاب صنعاء المقابل؟!

بدلاً من انقلابٍ واحدٍ في صنعاء، صرنا نعيش انقلابين، وكل منهما يدعم الآخر بطريقته، وينافس الآخر في القبح والفداحة. فيما الشعب وحده هو الذي ينزف، ويدفع الثمن من دمه وقوته ومستقبله.

ها هو العليمي اليوم يعتلي خراب سلطة يعترشها، وقد عطّل وظائف البرلمان الرقابية والتشريعية، وأوقف نشاطاته واجتماعاته، ليسرح الفساد ويمرح طولاً وعرضاً دون اعتراض أو سؤال.

استخدم ما أسماها “الإعاشة” وسيلة لشراء الولاءات، وإخراس معظم النواب، وإفساد الضمائر وشراء الذمم، وممارسة الابتزاز، والتمييز بين الأعضاء حسب الوجهة والولاء.

***

اليوم، نعيش برلماناً منقسماً بين سلطات الأمر الواقع هنا وهناك. برلمانٌ صوريٌّ في صنعاء لا حَوْلَ له ولا قوَّة، يعيش الإذلال كله، لصالح سلطة تتحين أول فرصة لحله نهائياً، وهي خطوة أخيرة لم يمنعها منه إلا مخاوفها من القسم الآخر، المسمى ببرلمان «الشرعية» لاحتمالية أن يعود في غيابه للواجهة السياسية.

هناك برلمان خاضع للأمن والمخابرات والسلطة الخفية والتنفيذية في صنعاء، وبرلمان «الشرعية» المعطَّل من قبل سلطة شرعية الأمر الواقع التي يترأسها فخامته.. ويحَ الفخاماتِ! كم أدمتْ وكم قتلتْ!

لقد تحوّل الحكم في صنعاء إلى نظام قمعي، دكتاتوري مستبدّ حدّ الطغيان، على نحو سافر وفاضح وغير مسبوق.

وفي المقابل، انحسر برلمان ما يُسمّى بالشرعية وتلاشى في الواقع؛ حيث عُطِّل عن أداء مهامه، وانتُزعت صلاحياته، لصالح سلطة العليمي الرئاسية التي جرّدته من أي دور أو فعل، حتى في حدود الممارسة الصورية العارية.

هكذا أصبح البرلمان الذي استطاع بالأمس في صنعاء استدعاء رئيس جهاز المخابرات، عاجزاً اليوم عن استدعاء “عسكور” صغير بحجم حبة الفاصوليا فيه، وفي عدن بات أعجز من أن يستدعي نفسه حتى للاجتماع.

لقد تم اليوم تجريد برلمان ما يسمى بالشرعية من أي تأثير سياسي، أو دور رقابي، أو تشريعي؛ بل وتحويله إلى مجرد مجموعة افتراضية على “الواتساب”، لم يبقَ منه إلا إعلان وفاته برصاصة الرحمة، وهي ما تنتظره صنعاء بفارغ صبرها لحلّ ما بقي من صورية البرلمان لديها.

هكذا تتخادم الأضداد في حكم اليمن، وتتلاشى الفروقات التي ظنّها البعض أنها فارقة.. البرلمان الذي كان يتباهى به بعضهم، بات اليوم عارياً حتى العظام؛ اسماً لا صوت له، تتخادم عليه الأضداد على نحوٍ يفطر القلب ويفقأ العين.

تحوّلت اليوم قاعة المجلس إلى مهزلة تثير من الحزن أشده، وأصبح النواب بين صامتٍ وذاعنٍ ، وأخرسَ لا يملك القدرة على الكلام، والشعب بلا صوت ولا حيلة ولا من يمثله، وسلطات الأمر الواقع في صنعاء وعدن تفسد بطول وعرض الأرض والسماء بلا رقيب ولا حسيب ولا سؤال.

***

يتبع الحلقة الثالثة عشرة
– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمتابعة.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.