عدن.. حين زار القلب ما تبقى من الوطن!!

يمنات

عبد الوهاب قطران

لم أكن أنوي سوى عطلة هادئة،

بعيدًا عن صخب الحرب، عن مواقع التواصل،

عن لعنة التصنيفات والانتماءات…

كنت أريد عدن فقط،

مدينة تشبه القصيدة،

وطنًا صغيرًا يحتفظ بابتسامته رغم الخراب.

 

من صنعاء شددنا الرحال،

وفي جيبي مفاتيح شقة في الحديدة، أهداها لي أخ وصديق قبل أن يسافر،

لكن كاميليا ونصر – من مواليد ما بعد أفول الجمهورية –

أصرّا على عدن،

كأنما كانا يشتهيان أن يريا الوطن في صورته الأولى،

كما كان يحدث إخوتهم الأكبر،

حين كان العيد يبدأ من البحر ولا ينتهي.

 

طرحت الأمر للتصويت – كما يليق بعائلة تعشق الحرية –

فكان القرار: عدن.

وفي الطريق، كان قلبي يخفق بالقلق،

وفي “معبر”، كنت على وشك الرجوع…

لكني فجأة، كمن استعاد ذاكرته، قلت لنفسي:

“عدن ليست ساحة معركة،

هي مدينة يمنية،

أنا قاضٍ، ومواطن،

ولي الحق أن أتنقل في وطني دون وصاية أو إذن من أحد!”

 

فدخلت عدن،

كما يدخل العاشق على بيت الحبيبة دون طرق الباب.

دخلت عدن مواطنًا لا تابعًا،

رافع الرأس، مكلوم القلب،

لكنني خرجت من صمتي على وقع مفاجآت لن أنساها:

 

من مريس إلى المعلا،

استقبلتنا الحواجز بلطف وذوق ومسؤولية،

حتى نقاط الشرطة النسائية،

كان فيها من الرقي ما يجعلنا نخجل من أحكامنا المسبقة.

إلا نقطة ردفان…

فقد باغتنا أحد ضباطها بغلظة الغريب،

وكأننا لا نحمل نفس الجواز ولا نتكلم ذات اللسان.

لكن التوجيهات أتت سريعة:

“دعوهم يمرون… واعتذروا!”

وكان ما كان.

 

دخلنا عدن،

دخلناها والعيد معنا،

دخلناها وعاد النبض لأطفال لم يعرفوا الوطن إلا مجزّأً.

 

كاميليا ونصر بهرا بها،

شواطئها، ناسها، لهجتها، رقتها،

وقالا لي مساءً:

“أبي، هذه ليست مدينة… هذه حكاية!”

 

عدن احتضنتنا،

وحدها من بين الخرائب، لم تسألنا: من أين أنتم؟

بل فتحت لنا قلبها،

رغم كل ما قيل عن الانتقالي، والنزاع، والانفصال…

عدن كانت أكبر من الجميع.

 

لكننا صحونا فجأة على حملة تحريض بائسة:

في صنعاء، أنا “مرتزق وعميل وعفاشي وبقدش دافي!”

 

وفي عدن، أنا “حوثي”!!

ضحكت، لا من التهمة، بل من العار الذي صار سلاحًا بيد الفاشلين.

 

ما أثلج صدري لم يكن الرد،

بل تضامنكم أنتم – أحرار اليمن –

في الجنوب والشمال،

في عدن تعز والبيضاء وشبوة وصنعاء ولحج،

اتصالاتكم، رسائلكم، منازل فتحتموها لي،

رجال عرضوا حمايتي،

ونساء كتبن بكاءَ الوطن في تعليقاتهن.

 

لكم جميعًا،

أهدي امتناني،

وأعدكم بقصّة كاملة،

عن رحلة العيد حين اختارت أن تكون إلى ما تبقى من الوطن: عدن.

 

* الصورة عصر اليوم بضيافة الرفيق العزيز والاخ الوفي مجاهد الفضلي.. مقيلين على ساحل ابين..

عدن

 ذو الحجة 1446هـ / يونيو 2025م

Related Posts

مثقفون يمنيون يطالبون سلطات صنعاء بحماية الصحفي عبد الله عبد الإله وأسرته

يمنات ناشد مثقفون يمنيون وزير الداخلية والنائب العام في صنعاء بتوفير الحماية للصحفي المخضرم والمناضل عبد الله عبد الإله، بعد تعرض منزله في صنعاء من قبل شخص يدعي الجنون. وأكدوا…

رفع سقف طباعة الجوازات في أربعة فروع لمصلحة الهجرة والجوازات

يمنات أعلن رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية بعدن، اللواء طارق عمير النسي، رفع سقف طباعة الجوازات إلى 1000 جواز يوميًا في فروع المصلحة بتعز وكريتر وخور مكسر ومأرب، لمعالجة تكدس…

You Missed

مثقفون يمنيون يطالبون سلطات صنعاء بحماية الصحفي عبد الله عبد الإله وأسرته

مثقفون يمنيون يطالبون سلطات صنعاء بحماية الصحفي عبد الله عبد الإله وأسرته

رفع سقف طباعة الجوازات في أربعة فروع لمصلحة الهجرة والجوازات

رفع سقف طباعة الجوازات في أربعة فروع لمصلحة الهجرة والجوازات

واشنطن وطهران تتسلمان خطة لإنهاء الحرب وإسلام اباد تقف في المنتصف وهرمز ما يزال في عين العاصفة

واشنطن وطهران تتسلمان خطة لإنهاء الحرب وإسلام اباد تقف في المنتصف وهرمز ما يزال في عين العاصفة

الأرصاد يتوقع أمطار رعدية متفاوتة الشدة على أغلب المحافظات اليمنية

الأرصاد يتوقع أمطار رعدية متفاوتة الشدة على أغلب المحافظات اليمنية

صنعاء.. نادي القضاة يتهم وزير المالية بارتكاب “جريمة دستورية” ويُحذر من شلل تام في النيابات

صنعاء.. نادي القضاة يتهم وزير المالية بارتكاب “جريمة دستورية” ويُحذر من شلل تام في النيابات

بورصات الخليج تتراجع على وقع تصاعد المخاطر الجيوسياسية

بورصات الخليج تتراجع على وقع تصاعد المخاطر الجيوسياسية
Your request was blocked.