القضية الجنوبية: آنَ لمِشرطةِ الحكيمِ المفقودةِ أن تظهر

يمنات
محمد سعيد حميد
لا يخفى على أحد أن التدخل الخارجي في الشأن اليمني تمكَّن، أول ما تمكَّن، من ضرب القضية الجنوبية تحت يافطة دعمها، وبأدوات محلية تخلّت عن هويتها الوطنية، من خلال ضربها في الصميم بسياسات بلغت أقصى مداها في الانتهاك الصارخ للسيادة الوطنية، التي تُعد خطًّا أحمر في الهوية اليمنية.
لقد تجلّى مأزق خطاب بعض رموز النخبة الجنوبية في تضييق القضية عبر تصنيفات الهوية، وهو الفخ الذي وقع فيه المجلس الانتقالي، في ظل مجتمع لا يزال أسير ماضيه المتخلف، غاضًّا الطرف عن انتهاك السيادة الوطنية لأراضي البلاد وجزرها وموانئها، مما أفقد القضية التعاطف والانتصار لها، وأدخلها في عزلة أصابتها في مقتل، كما أدخل المجتمع في صراع هو في غنى عنه، فيما يمارس الدخيل الأجنبي نشاطه التخريبي بكل أريحية، لكي تبقى الموانئ وخطوط الطاقة، بل والعجلة الاقتصادية برمتها، متعثرة وكسيحة، في محاولة لضرب الدور المحوري للموقع الجغرافي المتميز لميناء عدن والموانئ الأخرى، بما في ذلك الجزر ذات المواقع الاستراتيجية في ممرات الملاحة البحرية الدولية.
لقد أصيب كثير من أنصار القضية الجنوبية، من حملة مشاعل التنوير، بالذهول والشلل أمام خطاب الكراهية الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط باهظًا يوماً بعد آخر، وظل بعضهم متفرجاً على هذه المسرحية الهزيلة، فيما انبرى آخرون بشجاعة لمواجهة هذا الخطاب، ودفعوا ثمن مواقفهم.
القضية الجنوبية قضية وطنية عادلة، جوهرها استعادة دولة القانون، وقيم التحرر والكرامة والعدالة الاجتماعية، وإعلاء رايتها.
إن ما نشهده من كراهية تتمخطر كعارضة أزياء تجوب الشوارع، وتتسلل إلى عقول بعض النخب وحملة المباخر، لا يمكن تجاوزه إلا بالواقعية في نقد الذات، واستخدام مشرطة حكيم يعرف طريقه إلى موضع العطب، وتقييم التجربة المنصرمة، والانفتاح، والاحتكام إلى الحوار بين مكونات الحراك الجنوبي.
إن ما يجري هو محاولة يائسة لمحاكمة صورية غير عادلة لتجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، بدأت منذ عام 1990م، عبر الاستثمار السيئ للاندفاع العاطفي نحو الوحدة من قبل قيادة اليمن الديمقراطي، وتصفية كوكبة من خيرة كوادره، وتُوِّجت بحرب 1994م، وإقصاء شريك الوحدة نهائيّاً من الحكم، والاستئثار بمقدرات البلد من قبل حفنة من المتنفذين، دون رؤية لمشروع وطني تنموي ينهض بالبلاد ويخرجها من دوامة الصراعات الدموية.
فلا يمكن لأحد اليوم أن يزايد على نقد التجربة أكثر من الحزب الاشتراكي اليمني في نقد نفسه، الذي سلخ جلده في نقد إخفاقاته، وتحمل مسؤولية أخطائه، وتبنّى القضية الجنوبية وعدالة قضيتها في كل المنعطفات، قبل أن يركب موجتها الطارئون.
فالقضايا العادلة تحتاج إلى حوار وتكامل، لا إلى صراع، لأن القوة وحدها لا تصنع حلّاً دائماً، كما أن ثقافة الكراهية لن تبني الدولة الفاضلة. فطريق الحوار لحلحلة القضايا المصيرية وبناء جسور الشراكة هو الطريق الأمثل لتجاوز الكوارث المحتملة. فالصراع، مهما طال، لا يمنح أحداً حق الهيمنة والسيادة الدائمة على الآخر، والمنتصر فيه مهزوم، كما أثبتت التجارب.
لقد تأخر القرار السياسي، وتأخرت معه المبادرات العملية للقوى السياسية في الساحة، وظل الجميع يراقب الحراك متسائلاً إلى أين يمضي، حتى غدت النخب والقوى الفاعلة في الحراك نفسه ذيلاً للمزاج العام، بدلاً من أن تكون موجِّهة لبوصلته، الأمر الذي باتت معه المؤشرات توحي بأن الثمن سيكون أكبر، في ظل عبث الخارج، المنظور منه والمستور، خصوصاً أن جيلاً كاملاً قد نشأ بعيداً عن الصراعات الداخلية لكلا شطري اليمن من ناحية، وبين الشطرين من ناحية أخرى، ولم يكتوِ هذا الجيل بنارها كما اكتوى بها آباؤهم وأجدادهم.
فلم يعد هناك ما يطمئن الناس اليوم إلى إمكانية قيام دولة مدنية واحدة، بعد فشل الوحدة الاندماجية، في ظل ديماغوجية إعلامية لا يزال نزيفها يزكم الأنوف منذ عشرات السنين، كما لا يوجد ما يطمئن بأن الانفصال سيقود إلى الدولة المنشودة التي يتطلع إليها المواطن المغلوب على أمره.
لقد دُفع الجنوبيون دفعاً قويّاً نحو خيار الانفصال، وأصبحت القناعة هناك تتعزز يوماً بعد يوم بأن ثقافة الهيمنة والاستئثار هي الغالبة، استناداً إلى الممارسات المجربة في الساحة.
فالمزاج العام غدا غير طبيعي، الأمر الذي سيفرض خيارات جديدة، إن لم تلتقط القوى الحية في المجتمع زمام المبادرة للحفاظ على الحد الأدنى من الخيارات الممكنة لدولة اتحادية، أو غيرها مما يقرره حوار بنّاء مستند إلى الاتفاقيات والحوارات المتراكمة، كوثيقة العهد والاتفاق 1994م، ووثيقة الحوار الوطني الشامل 2014م، قبل إقامة السور العظيم الذي سيفصل الشمال عن الجنوب، أو الأسوار المتداخلة التي ستنشأ على أرض الواقع بعدما تغلغلت في النفوس، في ظل تغذية خارجية مستميتة لفصل الجنوب عن الشرق، والشرق عن الشمال، والغرب عن الشمال، وهلمّ جرًّا، لتفتيت الوطن إلى كنتونات يسهل العبث بمقدراتها، في ظل ازدهار تجارة الحروب ونمو تجارها.
غير أن بصيص الأمل الكامن في إرث اليمن الديمقراطي، بما يحمله من معاني الوحدة والقوة والعزة والكرامة والسيادة، والذي ذابت فيه المشيخات والسلطنات والإمارات، لن يسمح بعودة الماضي بكل ما فيه من انقسام وتشرذم ونزاعات مناطقية وقبلية.
لقد تربّى جيل الآباء، تحت راية اليمن الديمقراطي، على الثقافة الوطنية والأممية وقيم الإنسانية والحرية والكرامة، ولم يعد مقبولاً من الأبناء جر العربة إلى المستنقع الذي تجاوزه شعبنا يوماً ما. فلن تصنع عقليات قرون التفتيت والانقسام ملامح القرن القادم.