الفساد والسلطة والنخب التابعة..؟!
يمنات
طه العامري
منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف برزت عبارة “الفساد” وآلية مكافحته في خطاب النخب الوطنية في السلطة والمعارضة، ولم يتردد أيا من في السلطة والمعارضة من إستغلال هذه القضية وفي كل الاتجاهات وكل طرف يزايد بها على الطرف الأخر، بل راح كل من في السلطة وفي المعارضة يقدمون أنفسهم للعالم الخارجي ومنظماته وفعالياته التي تزعم إنها تعمل على مكافحة الفساد في الدول النامية، فيما هي فعليا مهمتها قوننة وشرعنة هذا الفساد في المجتمعات والدول النامية في سبيل تطويعها ومصادرة قرارها الوطني..!
بعد قيام دولة الوحدة تم اختيار اليمن لتكون مسرحاً لتجربة جيوسياسية، تزامنت مع حدوث “زلزال مدمر” للمنطقة ” زلزال” لا تزال المنطقة تعاني منه وتدفع ثمنه حتى اللحظة وربما قد يستمر دفع ثمنه إلا ما شاء الله من الزمن القادم.. هذا الزلزال كان “الغزو العراقي للكويت” الذي فتح سماء وبحار وصحاري الجغرافية العربية لجيوش الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية، ليعود الوطن العربي من جديد الي كنف القوات الاستعمارية ولكن هذه المرة عاد على نفقة الأنظمة العربية وبموجب طلبات رسمية من هذه الأنظمة وترحيب كامل منها ومن شعوبها بعودة قوي الاستعمار والهيمنة..!
كان لابد والحال كذلك أن تكون اليمن مسرحاً لاختبار جيوسياسي من خلال التجربة الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية والانفتاح الاقتصادي إلى أخر المعزوفة التي جميعنا عشناها، عشنا بدايتها بأحلام مفرطة وعشنا نهايتها بحسرات دامية ولانزل..!
كان الفساد واساطينه هما المعول الذي به هدم أعداء اليمن الأرض والإنسان كل التحصينات الوطنية، على مستوى الفرد وعلى مستوى الشعب بكل شرائحه وطبقاته ومكوناته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وصولاً إلى الجغرافية بكل تضاريسها..!
إذ وفيما كانت الدول المانحة والمؤسسات الدولية، تمارس سياسة التطويع تجاه النظام وتستغل حاجته للدعم بإجباره على تقديم المزيد من التنازلات، كان هناك في المقابل منظمات وجهات دولية مدنية تعمل بدورها على استقطاب الفعاليات المعارضة وتطويعها باتجاه تبني المزيد من المفاهيم السياسية والاجتماعية التي تجعلها في حالة مواجهة ندية مع النظام وكان الفساد ومكافحته هما القضية أو بمعنى أدق هما “التهمة” التي يتبادلها الطرفان..!
ثلاث سنوات ونصف كانت كافية لصناع القرار الدولي في اعتماد اليمن كمسرح لتجربة جيوسياسية، تجربة منحتهم الفرصة لإعادة ترتيب خارطة الوطن العربي وإحكام السيطرة عليها من جديد ولكن هذه المرة بدون تكلفة يتحملها المستعمر القادم بصورة جديدة..!
كانت رغبة أمريكا قد صرح بها سفيرها في صنعاء حينها “أرثر هيوز” وهي “إعادة هيكلة المجتمع إليمني، وإحداث عصف في تركيبة القبيلة، بحيث يتمكن المجتمع اليمني من العيش باستقرار وخال من السلاح في ظل التحولات الجديدة التي تشهدها” _راجعوا اعداد صحيفة يمن تايمز_ الصادرة في تلك الفترة..!
وبعد ذلك عينت أمريكا سفيرا جديدا لها في صنعاء هو” ادموند هول ” والمختص بمكافحة الإرهاب والذي وصل من ساعته يتجول بين القبائل ويشتري منهم اسلحتهم الشخصية بمبالغ خيالية، وكأن يورد ما يشتريه من أسلحة لمخازن الفرقة الأولى، لتكشف بعد فترة السفارة الأمريكية انها كانت تشتري البندقية من القبيلي بخمسمائة دولار، ثم يذهب لمقر الفرقة اليوم التالي ويشتري ذات البندقية بمائة دولار فقط، تنفيذا لفتوي الشيخ عبد الله الأحمر ” ما مع القبيلي الا سلاحه”..؟!
كانت صنعاء قد شهدت عقد “مؤتمر الديمقراطيات الناشئة” تزامن هذا المؤتمر مع توقيع الحكومة لاتفاقيات الإصلاحات الاقتصادية مع البنك والصندوق الدوليين، في ذات الفترة الذي وقعت فيها الحكومة اتفاقية مع” منظمة الشفافية الدولية” المرتبطة مع المنظمة الدولية ومع مجلس الأمن، وهذه الاتفاقية، بعد التوقيع عليها من قبل أي نظام وأي دولة، أن لم تلتزم بمكافحة الفساد في وطنها، بحق لأي عضو من أعضاء مجلس الأمن الدولي، أن يطلب من المجلس الموافقة على إسقاط النظام في هذه الدولة لانه لم يلتزم بمكافحة الفساد حسب اتفاقه مع منظمة الشفافية الدولية..؟!
في تلك الفترة استعرت العلاقة التنافرية بين السلطة والمعارضة، فيما سُحب عدم الثقة خيمت على علاقة شركاء الوحدة من ناحية، وعلى علاقة السلطة والمعارضة وكانت أصابع القوي الخارجية تحرك الجميع ك”عازف الجيتار” ، فيما كل من في الداخل كانوا يبحثون عن مصالحهم بعيدا عن مصلحة الوطن والشعب والتحولات العظيمة التي تحققت لهما..!
ومع ذلك ذهب أطراف المعادلة الوطنية في الداخل يتحدثون عن الفساد، فالسلطة تتحدث عنه لتحصل على دعم المانحين الدوليين، والمعارضة تتحدث عنه وتتهم السلطة به لتنال بدورها رعاية ودعم المنظمات الدولية، ولم تكن حرب صيف 1994م سوي بداية موسم الحصاد لما زرعته القوي الخارجية يمنيا فيما حصادها الأكبر كان في عودة اساطيلها وبوارجها للمنطقة، وكما كان “مؤتمر مدريد” للسلام بمثابة “فخ” نتج عنه فخ أكبر هو “اتفاق أوسلو” فأن حرب صيف 1994م كانت “فخ” نتج عنه فخ 2011م، الذي جاء لمكافحة الفساد وإسقاط الفاسدين ثم بقدرة قادرة أصبح رموز الفساد ثوار وفي قلب المعادلة، لتبدأ مرحلة من صراع لا علاقة له بالوطن والشعب، بل صراع بين النخب من أجل السلطة والثروة والنفوذ ومواصلة استبداد الوطن والتحكم بمصير الوطن، وهو الصراع الذي تحول إلى صراع دامٍ حتي اليوم..؟!
هذا الصراع يصعب التبوء بنهايته لأنه صراع ذاتي تخوضه النخب السياسية فيما بينها ولا علاقة له بالوطن ومصالحه ولا بالشعب وحاجاته، كان هذا قبل أن يتحول هذا الصراع الي صراع إقليمي ذات أبعاد دولية، وبالتالي أصبح أطرافه في الداخل ومن فجروا هذا الصراع مجرد أدوات بيد أطراف خارجية إقليمية ودولية..؟!
للموضوع صلة..