اليمن قرنٌ من الدمار: (1919_2026م) ملخص الحروب اليمنيّة وفاتورة المستقبل (١)

يمنات
سند ناجي العبسي
ينصّ المعيار الدولي لتعافي الدول على أن “كل عام من الحرب يتطلب من 3 إلى 5 أعوام لإصلاح ما دمّرته الحرب”.
وعندما نحاول إسقاط هذا المعيار على واقعنا اليمني، سنجد أن تاريخ اليمن المعاصر حافل بالنزاعات والتحولات العسكرية والسياسية، بدءاً من خروج الأتراك عام 1919م وتأسيس الحكم الإمامي، مروراً بالاستعمار البريطاني والسلاطين وصراعات الشطرين، وتحقيق الوحدة اليمنية، وصولاً إلى الحرب الإقليمية والدولية الحالية التي نعاني ويلاتها حتى اليوم، سنُصدم بالحقائق المرعبة التي ستوضحها لنا الأرقام والتي يمكن أن نوجزها في الآتي:
✦ خاض اليمنيون حروباً وصراعاتٍ حقيقية (صراعات شبه دائمة) لمدة 80 عاماً، تخللتها فترات استقرار هشة وقصيرة كانت مجرد استراحة بين الحرب والحرب التي تليها.
أبرز المحطات التاريخية للحروب والصراعات في التاريخ اليمني المعاصر خلال (107 أعوام) من (1919_2026م) كما يلي:
المرحلة التاريخية الأولى: 1919 – 1963م (مرحلة التأسيس وتداعي الصراعات التقليدية)
أولاً/ الشطر الشمالي (المملكة المتوكلية اليمنية):
✦ 1919 – 1928: حروب إخضاع القبائل والحدود عقب خروج العثمانيين، ومواجهات مع المستعمر البريطاني صدها القصف الجوي على حدود المحميات.
✦ 1934: الحرب اليمنية السعودية وانتهاؤها بتوقيع “معاهدة الطائف”.
✦ 1948: “ثورة الدستور” واغتيال الإمام يحيى، واستعادة نجله أحمد السلطة عبر استباحة قبائل حاشد لصنعاء.
✦ 1955: انقلاب المقدم أحمد الثلايا في تعز وفشله بعد 5 أيام وإعدام قادته.
✦ 1959: انتفاضة مشايخ حاشد وشرعب خلال علاج الإمام في إيطاليا وإخمادها فور عودته.
✦ 1962: قيام “ثورة 26 سبتمبر” بقيادة الضباط الأحرار وإعلان الجمهورية العربية اليمنية.
ثانياً/ الشطر الجنوبي (عدن والمحميات تحت الاستعمار البريطاني):
✦ 1919 – 1934: التمدد الإمامي نحو الضالع ولحج وتراجعه بالقصف الجوي البريطاني، وصولاً لمعاهدة 1934.
✦ 1937: مواجهات السلطنات وقبائل البادية في حضرموت وانتهاؤها بفرض “صلح إنجرامز”.
✦ 1956 – 1958: انتفاضة قبائل ردفان والأزارق ضد الضرائب والسلاطين.
✦ 1958: تمرد العوالق ودثينة، وعزل السلطان علي عبد الكريم لتضامنه مع التيار القومي.
✦ 1959 – 1962: تصاعد الإضرابات والاحتجاجات في عدن ضد “اتحاد إمارات الجنوب العربي”.
✦ 1963: اندلاع “ثورة 14 أكتوبر” وإعلان الكفاح المسلح.
▪️▪️▪️▪️
المرحلة التاريخية الثانية: 1962 – 1990م (عصر الجمهوريات والأيديولوجيات والحروب البينية)
أولاً/ الشطر الشمالي (الجمهورية العربية اليمنية):
✦ 1962 – 1970: حرب السبعين يوماً بين الجمهوريين (بدعم مصري) والملكيين (بدعم سعودي) وانتهاؤها بالمصالحة.
✦ 1967: “حركة 5 نوفمبر” والإطاحة بالسلال وتشكيل مجلس قيادة برئاسة الإرياني.
✦ 1974: “حركة 13 يونيو” واستلام الحمدي السلطة للحد من النفوذ القبلي.
✦ 1977 – 1978: اغتيال الحمدي، ثم اغتيال خلفه الغشمي بحقيبة ملغومة، وصعود علي عبد الله صالح للرئاسة.
✦ 1978 – 1982: حروب الجبهة الوطنية (المناطق الوسطى) ضد اليسار المدعوم من الجنوب.
ثانياً/ الشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية):
✦ 1963 – 1967: حرب التحرير ضد المستعمر البريطاني والتي قادتها الجبهة القومية وجبهة التحرير، ومن ثم حرب التصفيات بين الجبهة القومية وجبهة التحرير التي انتهت بانتصار الجبهة القومية.
✦ 1969: “الخطوة التصحيحية” وصعود التيار اليساري الراديكالي برئاسة سالمين وعبد الفتاح إسماعيل.
✦ 1978: أحداث 26 يونيو وإعدام سالمين وتأسيس الحزب الاشتراكي.
✦ 1980: استقالة عبد الفتاح إسماعيل ونفيه، وصعود علي ناصر محمد.
✦ 1986: أحداث 13 يناير الدموية بين فصائل الحزب الاشتراكي وتولي العطاس والبيض الحكم.
ثالثاً/ الحروب والنزاعات المتبادلة بين الشطرين في تلك الحقبة:
✦ 1972: حرب الشطرين الأولى وانتهاؤها بـ “اتفاقية القاهرة”.
✦ 1979: حرب الشطرين الثانية وانتهاؤها بقمة الكويت وإعادة إحياء مسار الوحدة.
▪️▪️▪️▪️
المرحلة التاريخية الثالثة: 1990 – 2026م (دولة الوحدة والانهيار الإقليمي):
أولاً/ صراعات التأسيس والانفصال (1990 – 1994)
✦ 1990 – 1993: إعلان الوحدة، وتصاعد موجة الاغتيالات التي طالت 150 قيادياً من كوادر الحزب الاشتراكي.
✦ 1994: صيف حرب الانفصال وإحكام سلطة صنعاء بقيادة علي عبد الله صالح سيطرتها على الجنوب، بعد إعلان علي سالم البيض الانفصال.
ثانياً/ الحروب الداخلية ومكافحة الإرهاب (2002 – 2012)
✦ 2004 – 2010: حروب صعدة الست ضد الجماعة الحوثية.
✦ 2007: انطلاق الحراك الجنوبي المطلبي الذي وصل إلى المطالبة بفك الارتباط.
✦ 2009 – 2012: الحملات العسكرية ضد تنظيم القاعدة في أبين وشبوة.
ثالثاً/ الثورة الشبابية والانتقال السياسي والحرب الشاملة (2011 – 2026)
✦ 2011 – 2012: الثورة الشبابية، حادثة النهدين، وتوقيع المبادرة الخليجية بنقل السلطة إلى هادي.
✦ 2014 – 2015: سيطرة الحوثيين على صنعاء، وانطلاق عمليات “عاصفة الحزم” للتحالف العربي.
✦ 2017: انتفاضة ديسمبر ومقتل علي عبد الله صالح على يد الحوثيين.
✦ 2018: معركة الساحل الغربي وتوقيع “اتفاق السويد”.
✦ 2019: مواجهات عدن وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي يعقبه “اتفاق الرياض”.
✦ 2022: الهدنة الأممية وتشكيل “مجلس القيادة الرئاسي”.
✦ 2023 – 2024: هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب وتلقيهم ضربات تحالف دولي.
✦ 2025 – 2026: صد تحركات الانتقالي في المحافظات الشرقية وحله ودمج تشكيلاته، مع تجدد مناوشات ومواجهات بين الحوثيين والشرعية وسط مساعٍ إقليمية ضاغطة للتسوية السياسية.
▪️▪️▪️▪️
حصاد القرن الماضي:
▪️ نتيجة لهذا المسار الاستنزافي في الحروب والصراعات، تناوب على حكم اليمن أكثر من 47 حاكماً (بين إمام، وسلطان، ورئيس) انتهت مصائر معظمهم بين الاغتيال، والإزالة، والنفي، أو القتل؛ ليدخل اليمن التاريخ كأكثر بلد شهد تقلبات في قيادته خلال القرن الأخير.
▪️ بعد هذا الاستعراض التاريخي الموجز للصراعات والحروب، يتضح لنا أن اليمن عاش قرناً كاملاً دون استقرار سياسي، ولذلك فإن التدهور الاقتصادي والانهيار المؤسسي الذي نعيشه اليوم ليس لغزاً عصياً على الحل أو الفهم، بل هو نتيجة حتمية لغياب الاستقرار، ونتيجة هذه الحروب والصراعات المستمرة، التي لا يعدو الأغلب الأعم منها كونها حروباً وصراعات عبثية.
فاتورة المستقبل:
▪️ لو احتسبنا -جدلاً- النزاع القائم فقط منذ عام 1994 وحتى اليوم (32 عاماً من الحروب والاضطرابات)، فإن اليمن يحتاج وفق المعيار الدولي لتعافي الدول إلى فترة من (96 إلى 160 عاماً) من العمل المتواصل فقط لإصلاح وترميم ما دمرته هذه العقود.
▪️ علينا أن نستوعب -قبل كل شيء- أن هذه الحروب والصراعات لم تكتفِ بتدمير الأجيال التي عاشت لظاها، بل إنها صادرت حقوق ومستقبل الأجيال القادمة في التنمية والتطور، ومواكبة التطور الذي تشهده دول العالم.
وفي الأخير:
تفرض علينا العديد من التساؤلات الهامة التي تبحث عن إجابة:
✦ السؤال الأول: كم خسرت اليمن والأجيال القادمة من اليمنيين من الزمن في المستقبل، لإصلاح الخراب والدمار الذي خلفته الحروب خلال القرن الماضي؟
▪️ السؤال الثاني -الذي يجب أن يواجهه الجميع بشجاعة-: ما هي الإشكالية الحقيقية التي حبستنا في دوامة حروب لها بداية وليست لها نهاية؟
▪️ السؤال الثالث: إلى متى سنظل نستهلك حاضرنا ونغامر بمستقبل الأجيال القادمة في صراعات وحروب عبثية؟
أمنياتنا بوطن آمن ومزدهر.