إلى ابنتي الوحيدة كاميليا…

يمنات
عبدالوهاب قطران
شهادة من قعر الجحيم: مرافعة الكرامة والجوع:
هناك لحظات في تاريخ الأوطان يصبح فيها الحبر دمًا، والكلمة تهمة، والبوح بوجع الواقع فعلًا لا يخلو من ثمن.
في مثل هذه اللحظات، يقف الأب ممزقًا بين صوتين:
صوت ابنته التي يحبها، والتي ترتجف عليه من الخوف، وتطالبه بدافع الحب أن يصمت، حتى لا تفقد أسرتها أباها وسندها مرة أخرى.
وصوت ضميره الذي لا يستطيع أن يصمت، وهو يرى وطنًا يئن تحت وطأة الجوع والقهر والخراب.
عتاب الأبناء لنا في زمن الخوف ليس سذاجة.
وليس خوفًا على وجاهة اجتماعية فارغة.
إنه الحب حين يتحول إلى خوف.
كيف لا تخاف ابنة، وكيف لا تجزع أسرة، وهي ترى عائلها وسندها يُختطف من وسط بيتها؟
وكيف لا ترتعب، وهي تتذكر وجوهًا قميئة ملثمة اقتحمت حرمة وقدسية المسكن، وروّعت الآمنين، وفتشت حتى تحت أسرة النوم، دواليب البيت، وحتى مفاتيح وفيشات الكهرباء، وتطفلت وعبثت بكل ما وصلت إليه أيديهم بالبيت؟
ثماني ساعات كاملة ظل خلالها المنزل محتلاً ومفتشًا، دون مسوغ قانوني، ودون إذن قضائي، ودون أدنى مراعاة لقدسية حرمة المسكن أو الحصانة القضائية.
فُتشت كتبي ودفاتري.
وهواتفي وحواسيبـي.
وهواتف وحواسيب جميع أفراد أسرتي.
وهرداتي وذواكري.
ودفاتر يومياتي وملاحظاتي.
وكل خصوصياتي وذكرياتي.
ثم نُهبت أشياء كثيرة من وسط منزلي.
وبعد ذلك اقتُدت إلى الزنازين.
وقضيت ستة أشهر في اقبية سجن المخابرات منها ٣٧ يوما في زنزانة انفرادية.
لذلك يا كاميليا، أنا لا أكتب عن الخوف من نافذة بعيدة.
أنا أعرفه جيدا.
وأعرف ماذا يعني أن يدفن الانسان حيا بقبر الزنزانة الانفرادية ، وأن ينتظر أهله خلفه، ولا يعرفون متى يعود.
لكنني أعرف شيئًا آخر أيضًا:
كيف يصمت الإنسان إذا رأى الخراب يلتهم كل شيء في وطنه؟
مساء أمس، وأنا أرى سماء صنعاء تشتعل بالنار والضوء، تذكرت هذا السؤال.
أربعون دقيقة تقريبًا والسماء لا تكاد تهدأ.
ألعاب نارية، قوارح، أضواء، دخان، وألوان تملأ السماء.
وفي الوقت نفسه كان في رأسي شيء آخر تمامًا:
كاميليا.
قبل أيام قليلة، وبعد أن عدت من قريتي «الجاهلية» في همدان، كتبت عن الأرض التي جفت، وعن حبلات الكروم التي ماتت، وعن أختي التي اضطرت إلى التفكير في بيع خمسة لبن من أرضها لتدبر علاجها وعلاج ابنها المريض ،المقعد ولتشتري لابنها الاخر الشاب اليافع فيزة يسافر بها إلى السعودية بحثًا عن العمل.
وكتبت عن أخي الذي اضطر هو الآخر إلى التفكير في بيع أرض من أرضه ليشتري فيزتين لابنيه الشابين، ليسافرا إلى السعودية للعمل، بعدما جف البئر وماتت الكروم وجدبت الأرض.
وفي ظهر اليوم التالي صعدت إلى البيت لتناول الغداء.
فقالت لي كاميليا:
«أنت يا باباه مفضوح! قرأت مقالك الذي نشرته البارحة، ولا تقدر تخفي شيئًا… تقول كل شيء!»
ضحكت أول الأمر.
ثم فهمت لماذا قالتها.
لم تكن تعاتبني لأنني كتبت.
كانت خجلة.
خجلة لأن أباها كتب عن مرض عمتها، وعن عجزها عن شراء الدواء، وعن الفقر، وعن الجوع، وعن بيع الأرض، وعن عمها الذي سيضطر إلى بيع أرضه ليسفر أبناءه إلى الغربة.
كانت ترى أنني كشفت ما اعتادت الأسر اليمنية أن تخفيه خلف الأبواب.
وفهمت يومها أن الأبناء يرون العالم من زاوية أخرى.
أنا رأيت في ذلك شهادة على زمننا هذا القاحل القميء الوحش المظلم المجدب.
وهي رأته بعين ابنة تخاف على كرامة أهلها، وتخاف على أبيها من أن يكون قد كشف أكثر مما ينبغي.
وهنا فهمت شيئًا لم أكن أراه بهذه الطريقة من قبل:
أن الكتابة عن وجع الناس ليست سهلة حتى عندما يكون الكاتب واحدًا منهم.
وأن الحقيقة، مهما كانت ضرورية، لها أثمانها داخل البيت أيضًا.
يا كاميليا…
أنا لا أكتب لأفضح أهلي وناسي.
ولا أكتب لأبيع خصوصياتهم في سوق الكلام.
أنا أكتب لأن ما يحدث لنا كشعب أكبر من أن يبقى حبيس البيوت.
حين أكتب عن الجوع، انا لا أراه من برج عاجي، ولا من فندق مكيف بخمسة نجوم، ولا من مكتب فخم بعيد عن الناس.
أنا أراه في وطني وأهلي.
وحين أكتب عن الخوف، لا أستعيره من بطون كتب التاريخ.
أنا عشته.
وخبرته واعاركه صباحا وعشيا.
وحين أكتب عن الأرض التي تُباع، لا أبحث عن قصة تصلح للنشر.
أنا رأيت ذلك باأم عيني.
رأيت أختي الأرملة تحاول تدبير الدواء والطعام لابنائها الصغار، ثم تضطر إلى بيع خمسة لبن من أرضها التى صارت ارخص من التراب، لتفتح لابنها بابًا إلى أرض الاغتراب.
ورأيت أخي يفكر في بيع أرض من أرضه الرخيصة ليشتري فيزتين لابنيه الشابين، بعدما جف البئر، وماتت الكروم، وجدبت الأرض.
ولا أذكر ذلك شفقةً عليهما.
ولا طلبًا للصدقة.
ولا تشهيرًا بهما.
أذكره لأنهما ليسا استثناءً.
هما صورتان من صور كثيرة تتكرر كل يوم في كل قرى اليمن ومدنه.
أم تنتظر ابنها.
وزوجة تنتظر زوجها الغائب بعيدا باارض الاغتراب.
وأب يبيع أرضه.
وشاب يبيع سنوات عمره للغربة.
ومريض ينتظر الدواء.
وفلاح ينتظر المطر.
وموظف ينتظر راتبه.
وأسرة تنتظر الفرج.
وطفل يتعلم مبكرًا أن كلمة «الغد» ليست وعدًا، بل احتمالًا.
ولذلك لا أخجل من أن أقول:
نحن جائعون.
ولا أخجل من أن أقول:
نحن متعبون.
ولا أخجل من أن أقول:
ابارنا الارتوازية
أرضنا جدبت.
وبعض أهلنا يضطرون إلى بيعها.
وأبناؤنا يغادرون.
يفرون من وطنهم إلى أرض الاغتراب.
فلماذا أصبح الاعتراف بهذه الحقيقة عيبًا؟
لماذا يُطلب من شعب منكوب أن يخجل من جوعه، بدل أن يسأل عن أسباب الجوع؟
الجوع ليس عارًا على الجائع.
والمرض ليس فضيحة على المريض.
والغربة ليست عارًا على من اضطر إليها.
وبيع قطعة من الأرض لإنقاذ أسرة من الحاجة ليس هو العار.
العار أن يصل الإنسان إلى بيع أرضه، أصل ملكه، ومصدر عيشه، ليشتري الدواء، أو يطعم أبناءه، أو يشتري لابنه فيزة يخرج بها إلى أرض الاغتراب.
تأملوا هذه المفارقة.
الإنسان الذي كانت أرضه توفر له عيشًا كريمًا، وغنى ووفرة، وكان المزارع في بعض قرانا مثل الدولة من كثرة ما تنتج أرضه من خير، أصبح اليوم مضطرًا إلى بيع أرضه كي يوفر ما كانت الأرض تمنحه له.
وهنا لا يعود الفقر أزمة دخل فقط.
يصبح اقتلاعًا من الجذور.
في همدان، وفي «الجاهلية» تحديدًا، كانت الأرض يومًا جنة خضراء.
كروم عنب.
ورمان.
وتفاح.
وخوخ.
وسفرجل.
وتين.
وحبوب.
وخضروات وذرة.
وكانت المياه تجري في عروق الأرض بوفرة وغدق، وكانت الكروم تملأ الحقول، وكان موسم العنب عيدًا لأهل البلاد.
وكان الخريف وسابع علان تحديدا الذي موسمه الان.ياتي وكلا من ماله سابع والخزائن مليئة بالحبوب والاموال وكان الفلاحون اثرياء مما تزرعه ارضهم.
ولم تكن هذه الصورة مجرد حنين في ذاكرة شيخ أو فلاح.
لقد تغنى بها الشعراء والفنانون.
ويكفي أن نستعيد أغنية أيوب طارش «يا عنب يا عنب»، من كلمات الشاعر يحيى منصور بن نصر، حين يقول:
«ما حلا لي من الدنيا سوى كرم همدان»
هكذا كانت همدان في الذاكرة اليمنية.
كرمًا.
ورياضًا مريعة.
وحقولًا واسعة.
ووطنًا أخضر.
واليوم؟
اليوم أعود إلى الجاهلية فأجد الأرض جادبه عطشى.
الآبار جفت.
الكروم ماتت.
والأشجار يبست.
وما كان بالأمس واديًا أخضر، صار في مواضع كثيرة أرضًا قاحلة، جدباء، موحشة.
يا للعجب!
ذلك «الكرم» الذي تغنى به أيوب طارش، لم يعد اليوم إلا ذاكرةً تتشبث بها القلوب.
صار كرم همدان الذي تغنى به الشعر، حكايةً عن أرض كانت هنا.
والفلاح الذي كان يملك أرضًا تطعمه وتغنيه، يقف اليوم عاجزًا أمام سعر قاطرة الماء.
والماء الذي كان يخرج من البئر بلا حساب، أصبح سلعة لها ثمن.
والثمن لا يملكه الجميع.
وهنا لا يعود السؤال:
أي عنب سنزرع؟
بل يصبح السؤال:
هل نستطيع أصلًا أن نسقي الأرض؟
ثم تأتي المأساة الأكبر:
ماء غالٍ.
وأرض عطشى.
وكروم تموت.
ومحاصيل لا تستطيع أحيانًا أن تعيد حتى كلفة الماء الذي شربته.
هذه ليست مشكلة العنب وحده.
ولا القات وحده.
إنها مأساة أرض زراعية اختلت موازينها، حتى أصبح المزارع مضطرًا إلى أن يحسب ثمن الماء قبل أن يحسب ثمن المحصول.
والأرض التي كانت توفر لأصحابها عيشًا كريمًا، وغنى ووفرة، أصبحت تحتاج إلى المال كي تستطيع أن تنتج.
وهنا يصبح الجفاف أكثر من ظاهرة طبيعية.
يصبح مأساة اجتماعية.
ويصبح الماء نفسه امتحانًا للقدرة على البقاء.
وحين يعجز المزارع عن شراء الماء، تبدأ الأرض في الموت.
وحين تموت الأرض، يبدأ صاحبها في بيعها.
وهذه، في رأيي، واحدة من أقسى صور الفقر والمأساة:
أن يبيع الإنسان أرضه بسعر زهيد و التي كانت تطعمه، ليشتري بما بقي من ثمنها ما كان ينتجه منها.
أن يبيع الإنسان جزءًا من مستقبله كي يعبر يومه.
ثم يغادر أبناؤه.
ليس لأنهم كرهوا الوطن.
ولا لأن الغربة أجمل.
ولكن لأن أبواب الوطن ضاقت بهم.
وهنا تبدأ مأساة يمنية قديمة جديدة:
الاغتراب.
فمنذ عقود طويلة، كان اليمني يسافر إلى أرض الغربة بحثًا عن الرزق، لكن ما يوجع القلب أن يتحول الاغتراب اليوم من خيار لتحسين الحياة إلى ضرورة للبقاء.
يسافر الزوج، وتبقى زوجته هنا.
يسافر الأب، ويبقى أطفاله في الوطن.
يسافر الابن، وتبقى أمه تراقب الهاتف.
يسافر الشاب سنة أو سنتين، وربما أكثر، ثم يعود شهرًا واحدًا، أو أسابيع قليلة، قبل أن يحمل حقيبته من جديد.
زوج يفارق زوجته.
وأب يفارق أبناءه.
وابن يفارق أمه وأباه.
وبيت يعيش على انتظار القادم من وراء الحدود.
هذه ليست مجرد مسافة بين وطن ومنفى.
هذه سنوات من العمر تُقتطع من حياة الأسر.
أعياد تمر.
أفراح تولد.
أطفال يكبرون.
مرضى يمرضون.
أمهات يشيخن.
وأباء يرحلون.
والغائب لا يكون حاضرًا إلا في صورة، أو مكالمة هاتفية، أو تحويلة مالية.
فتبدأ القرى والمدن في فقدان شبابها واحدًا بعد آخر.
البيت يبقى.
الأرض تبقى.
الأم تبقى.
الزوجة تبقى.
الابن يبقى.
الابنة تبقى.
أما الرجل الذي خرج يبحث عن لقمة العيش، فيبقى بعيدًا، يحسب الأيام حتى موعد العودة.
ثم يعود، فلا يكاد يستعيد أنفاسه حتى يبدأ عدّ أيام الرحيل من جديد.
يا له من وطن يدفع أبناءه إلى أن يعيشوا أعمارهم على أرصفة الانتظار!
والأقسى أن الوطن الذي كان أبناؤه يخرجون منه للتجارة ثم يعودون إليه، صار يخرجهم اليوم بحثًا عن مجرد فرصة للبقاء.
هذه هي اليمن التي لا تظهر في الخطب.
ولا تراها الشعارات.
ولا تكشفها الزينات.
لقد صرنا، بعد سنوات طويلة من الحروب والانقسام الاجتماعي والتمزق وخطاب الكراهية والشحن الطائفي والعرقي والمذهبي والمناطقي والجهوي، والفقر والانهيار العظيم، كالأيتام على مأدبة اللئام.
حروب طويلة الأمد لا تنتهي.
وصراعات لا تشبع.
وقوى محلية تتصارع على السلطة والثروة.
وقوى إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها فوق أرضنا.
وتحولت أرضنا إلى ساحة ومسرح لصراع المشاريع الخارجية، وأُقحم الشعب اليمني في حروب وصراعات طويلة الأمد، لا ناقة له فيها ولا جمل، ودفع ثمنها من دمه وراتبه وأرضه ومستقبل أبنائه.
بينما يدفع اليمني الثمن من راتبه، وأرضه، وصحته، وتعليم أبنائه، ومستقبل أسرته.
سنوات طويلة من انقطاع الرواتب أو اضطرابها ليست مجرد رقم في بيان.
إنها سنوات من الانتظار.
سنوات من الديون.
سنوات من بيع المدخرات.
سنوات من بيع الأرض.
سنوات من تأجيل العلاج.
سنوات من تأجيل الزواج.
سنوات من تأجيل الدراسة.
سنوات يتعلم فيها الأب كيف يؤجل حاجة، والأم كيف تدبر وجبة، والمريض كيف يؤجل دواءه، والطالب كيف يتعايش مع العجز.
ثم يأتي الشهر القادم.
ولا يأتي الفرج.
وحين تتراكم السنوات، لا يعود الفقر مجرد نقص في المال.
يصبح الفقر طريقة حياة.
وأنا أرفض هذه الحياة.
أرفض أن نتعود على الجوع حتى يصبح خبرًا عاديًا.
أرفض أن يصبح بيع الأرض مشهدًا طبيعيًا.
أرفض أن يصبح سفر الشباب إلى أرض الاغتراب قدرًا لا يسأل عنه أحد.
وأرفض أن يصبح التمزق الاجتماعي والكراهية والشحن الطائفي والمناطقي شيئًا نعتاد عليه حتى ننسى أننا شعب واحد.
لقد تعودنا طويلًا على صناعة الأقنعة.
قناع الهيبة.
قناع القوة.
قناع «نحن بخير».
قناع «الأمور تمام».
حتى أصبح الاعتراف بالألم عند بعض الناس نوعًا من العيب.
وأنا أرفض هذا القناع.
لا أريد أن تبقى هذه السنوات محفوظة في الذاكرة بصورة مصقولة، بينما عاشها الناس عاريةً من كل شيء إلا الصبر.
أريد أن تُكتب كما عاشها الناس.
بجوعهم.
بخوفهم.
بديونهم.
بأرضهم التي جفت.
وبأبنائهم الذين غادروا.
وبزوجاتهم اللواتي انتظرنهم.
وبآبائهم وأمهاتهم الذين ظلوا يعدون الأيام حتى يعودوا.
وقد يقول لي أحدهم:
أنت صريح أكثر مما ينبغي.
تكشف ما ينبغي ستره.
وأقول:
نعم.
أنا صريح.
لكنني لم أتعلم الصراحة من الرفاه والترف.
تعلمتها من الألم وقسوة الحياة.
تعلمتها من بيت اقتُحمت حرمته.
ومن ثماني ساعات قضاها غرباء يفتشون منزلي غرفةً غرفة، حتى تحت أسرة النوم، وفي دواليبنا ومفاتيح وفيشات كهرباء بيتنا.
ومن كتب ودفاتر وهواتف وحواسيب وذواكر وهردات ودفاتر يوميات وملاحظات، نُهبت من وسط منزلي.
ومن زنزانة انفرادية قضيت فيها ستة أشهر.
تعلمتها من أرض جفت.
ومن بئر ماتت معه حياة كاملة.
ومن كروم همدان التي كانت يومًا تملأ العين والقلب، ثم رأيتها تموت عطشًا.
ومن أخت تحاول إنقاذ أسرتها ببيع خمسة لبن من أرضها.
ومن أخ يحاول أن يفتح لابنيه بابًا إلى أرض الاغتراب.
ومن فلاح يحسب ثمن الماء قبل أن يحسب ثمن المحصول.
ولهذا لا أستطيع أن أكتب عن اليمن الكبير بوجه مصقول، وكأنني مراقب من الخارج.
أنا داخل الجرح.
وأكتب من داخله.
لا أكتب لأظهر شجاعتي.
ولا لأصنع من نفسي بطلًا.
ولا لأزايد على أحد.
أكتب لأن الصمت أمام هذا الخراب صار، بالنسبة إليّ، أقسى من الكتابة.
والكلمة عندي ليست صرخة لمجرد الصراخ.
إنها شهادة.. وقد تكون الشهادة مؤلمة.
وقد تجرح صاحبها.
لكنها تبقى شهادة.
يا كاميليا…
أعرف أنك خفتِ عليّ.
وأعرف أن خوفك لم يكن اعتراضًا على ما أؤمن به.
أعرف أنك تريدين فقط أن يعود أبوك إلى البيت.
وهذا يكفيني لأفهمك.
لكنني أريدك أن تعرفي شيئًا أيضًا:
أنا لا أكتب لأؤذيك.
ولا أكتب لأؤذي إخوتك.
ولا أكتب لأحوّل أسرار بيتنا إلى فرجة.
أنا أكتب لأن ما حدث لنا ليس حكاية عائلية معزولة.
هو جزء من حكاية وطن.
وحين أكتب عن عمتك وأعمامك وأرضنا، أحاول أن أكتب عن ملايين الأسر التي تعيش الوجع نفسه، ولكنها لا تملك الكلمات.
أعرف أن هناك حدودًا يجب ألا أتجاوزها.
وأعرف أن كرامة الناس ليست مادة خامًا للكتابة.
لذلك سأكشف الجرح، لكنني لن أبيع كرامة صاحبه.
وسأقول ما أعرفه، ولن أحول ما لا أعرفه إلى حقيقة.
وسأظل أفرق بين الشجاعة والتهور، وبين الشهادة والتشهير، وبين الصراحة وابتذال الخصوصية.
لا أخجل من أن أقول:
نحن جائعون.
ولا أخجل من أن أقول:
نحن متعبون.
ولا أخجل من أن أقول:
أرضنا جفت.
وبعض أهلنا يبيعون منها.
وأبناؤنا يغادرون.
يفرون من وطنهم إلى أرض الاغتراب.
فلماذا ينبغي أن نخجل من الحقيقة؟
لماذا يُطلب من شعب منكوب أن يخجل من جوعه، بدل أن يسأل عن أسباب الجوع؟
الجوع ليس عارًا على الجائع.
والفقر ليس عارًا على الفقير.
والغربة ليست عارًا على من اضطر إليها.
والدمعة ليست هزيمة.
العار أن يصل الوطن إلى مرحلة يبيع فيها الإنسان أرضه كي يعيش.
العار أن تصبح الأرض التي كانت تمنح صاحبها عيشًا كريمًا، آخر ما يملكه لإنقاذ أسرته.
العار أن يكبر أطفالنا وهم يعرفون أن آباءهم لا بد أن يغادروا كي يستطيعوا العيش.
ومع ذلك، لا أريد لهذا النص أن يكون مرثية.
ولا أريد لليمني أن يعتاد الجحيم حتى يظنه وطنًا.
الشعب اليمني ليس شعبًا ضعيفًا.
الشعب اليمني شعب أنهكته الحروب العبثية والصراعات.
وهناك فرق هائل بين الضعف والإنهاك.
الضعيف قد يستسلم.
أما المنهك فيحتاج فقط إلى أن يستعيد أنفاسه.
واليمنيون، رغم كل ما أصابهم، لم يفقدوا أنفاسهم بعد.
قد تمرض الشعوب.
قد تجوع.. قد تُقهر.. قد تتفرق.. قد تنام طويلًا تحت الرماد.
لكنها لا تموت ما دامت فيها ذاكرة، وكرامة، وإرادة للحياة.
اليمن ليس بلدًا فقيرًا بطبيعته.
وهذه حقيقة يجب ألا ننساها.
كان لنا ماء وأرض وزراعة وتجارة وأسواق ومهارات وعلم وهجرة.
وكانت أسر كثيرة تعيش من أرضها، وتأكل مما تزرع، وتخزن مما تحصد.
وكان المزارع في كثير من قرانا يعيش من أرضه عيشًا كريمًا، بل كان بعضهم من أهل اليسار والوفرة.
ثم تراكمت الحروب والصراعات والانقسامات والاختلالات الاقتصادية والجفاف وسوء إدارة الموارد والاستنزاف، حتى بدأ الإنسان يبيع ما كان يملكه ليشتري ما كان ينتجه.
وحين يأكل الفلاح أرضه قطعةً قطعة، لا يعود الفقر أزمة دخل.
يصبح أزمة وجود.
وقد يكون اليمن اليوم في قعر الجحيم.
لكن الجحيم، مهما طال، ليس وطنًا أبديًا.
أنا لا أقدم نبوءة سياسية.
ولا أعد أحدًا بموعد للفرج.
لكنني أؤمن بطبيعة الشعوب، وبقدرتها على النهوض بعد الانهاك.
هذا الجدب ليس قدرًا أبديًا.
والكروم التي ماتت عطشًا يمكن أن تورق من جديد.
والأرض التي بيعت اضطرارًا يمكن أن تستعيد قيمتها في وطن يتعافى.
والشباب الذين غادروا إلى أرض الاغتراب يمكن أن يعودوا.
والبيوت التي خلت من أهلها يمكن أن تمتلئ من جديد.
والأزواج الذين فرقتهم الحدود يمكن أن يجتمعوا.
والآباء الذين رأوا أبناءهم يكبرون بعيدًا عنهم يمكن أن يستعيدوا سنواتهم الضائعة.
وسيأتي يوم ننظر فيه، بعد هذا الجحيم، إلى هذه السنوات كما ينظر المسافر إلى وادٍ مظلم قطعه ليلًا، ونسأل:
كيف احتملنا كل هذا؟
ثم نكتشف أننا لم نكن ضعفاء.
كنا منهكين.
وهناك فرق هائل بين الضعف والإنهاك.
وسيأتي يوم ننظر فيه إلى وطننا فنرى أرضه خضراء من جديد، وماءه يجري في آباره، وكرومه تعود إلى الحياة، وأبناءه يعودون من الغربة، وتعود البيوت التي أفرغتها الحاجة إلى الضحك والأطفال والدفء.
وسأكتب حتى ذلك اليوم.
لا لأنني لا أخاف.
بل لأنني أعرف أن الخوف لا ينبغي أن يتحول إلى قيد على الضمير.
ولا لأنني أقوى من السجن.
بل لأنني عرفت السجن.
ولا لأنني أحتقر سلامة أهلي.
بل لأنني أعرف قيمتها أكثر مما يتصور البعض.
سأكتب لأنني أريد أن تبقى هناك شهادة تقول للأجيال:
كان هنا شعب جاع.
وكان هنا شعب خاف.
وكان هنا شعب أنهكته الحروب والصراعات.
وكان هنا آباء باعوا أرضهم.
وأمهات انتظرن أبناءهن.
وأزواج انتظرن أزواجهن.
وأبناء كبروا بعيدًا عن آبائهم.
وشباب غادروا وطنهم إلى أرض الاغتراب بحثًا عن لقمة العيش.
وكان هنا وطن أثقلته الحروب والصراعات والجراح، لكنه لم يمت.
قد تمرض الشعوب.
وقد تنحني.
وقد تُخدع.
وقد يسوقها أمراء الحروب إلى معارك لا ناقة لها فيها ولا جمل.
وقد تتحول أرضها إلى مسرح لصراعات الآخرين.
لكن الذاكرة لا تموت.
والكرامة لا تموت.
والرغبة في الحياة لا تموت.
وسيأتي يوم يستعيد فيه اليمني حقه في أن يعيش من أرضه، ويشرب من مائه، ويتعلم أبناؤه، ويعود غائبوه، وتلتئم أسر فرقتها الغربة، ويصبح الوطن وطنًا لأهله، لا ساحةً لصراعات الآخرين.
وعندها ستصبح كل قطرة ماء حفظنا قصتها، وكل عنقاد عنب مات عطشًا، وكل شجرة رمان وتفاح وخوخ وتين وسفرجل يبست في أرضها، وكل قطعة أرض بيعت اضطرارًا، وكل أم انتظرت ابنها، وكل زوجة انتظرت زوجها، وكل أب انتظر عودة ابنه، وكل كلمة كُتبت في زمن الخوف…
شهادة.
شهادة تقول:
من هنا مرّ الجحيم.
لكن اليمنيين مرّوا منه أيضًا.
ولم يموتوا.
وربما هنا أتذكر معنىً من المعاني التي كان يكررها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل:
«الحدث كبير… والرجال صغار».
ولعل مأساتنا اليوم أن الأحداث التي مرت باليمن كانت أكبر من كثير من رجالها.
لكن اليمن أكبر من حروبه.
وأكبر من صراعات رجاله.
وأكبر من مشاريع الآخرين.
وأبقى من كل هذا الجحيم.