أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

غصة نائب.. أول انتصارات العليمي

يمنات

من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة

السلسلة الثامنة

غصة نائب

(14)

أول انتصارات العليمي

أحمد سيف حاشد

من عليائه في المنصة، افتتح نائب رئيس المجلس الشيخ يحيى الراعي جلسة المجلس: «باسم الله، ثم باسم الشعب». سمعتها وكأنني أسمعها لأول مرة.. كانت هاتان الجملتان على قصرهما تسقط كصخرتين على صدقٍ أنشده.

طرق الراعي بالمطرقة على الطاولة التي أمامه، حتى خُيّل إليّ أنه يغرس نصلاً حجرياً في رأسي المثقل بالوجع.

أثارت عبارة «باسم الشعب» طنيناً في أذنيَّ، وأشعرتني بهول المفارقة الصارخة بين القول والفعل؛ فهي تُنطَق على الضدّ من مصالح شعب، داخل صرح يفترض أنه يمثّله، ويعبّر عن مصالحه، لا أن يُمثَّل به.

كنتُ أتلقى الصفعات من بعض زملائي الكرام وأشتوي بنارها.. كان يغيب سمعي مع كل انفعال، حتى أبدو كأن أذنيّ سُدّتا بالشمع؛ فأستعين بمن في الجوار وأسأله: ماذا قال فلان، وماذا قال علان! كان مكبر الصوت يضاعف الطنين والوشيش، حتى لم أعد أحتمل ما أسمعه.

***

بدلاً من أن تبدأ الجلسة بالموضوع المخصص للاستدعاء، بدؤوا بموضوع آخر مختلف؛ صرتُ فيه أنا المتهم، وصيّروا أنفسهم ووزيرهم مجنيّاً عليهم.. توالت الضربات على رأسي حتى كاد يطير.

صار الموضوع الأهم لديهم موضوع الكاميرا، والفيلم الذي في بطنها، وكأن بطنها حملت من سفاح، يخشون أن يراه الناس. فأدانوا الكاميرا بحملها، وأدانوني معها باعتباري أب لحمل أراد أن يقول الحقيقة.

هكذا تم تقديم العربة على الحصان، في مجلس يدعي بصراً من حديد، فوجدته يرى النحلة، ويتعامى عن رؤية الفيل.

ربما أرادوا أن يقدّموا عربون محبّة للوزير قبل سؤاله، وربما كان ردّاً لجميل صنعه معهم لتوّه، ومعاً هما أرجح وأوجع.. إنها حقيقة مؤلمة، وواقعة تكشف عورة العمل النيابي والحكومي وغياب النزاهة في آنٍ معاً.

الكاميرا لم تكن تستهدف أحداً بذاته، لكنها أرادت أن تنقل للناس ما لم تنقله كاميرات البرلمان، ولا يجرؤ الإعلام على تسليط الضوء عليه.

إنه كشفٌ عن علل تعتري منظومة كاملة تحكمنا بعناوين كبيرة وخادعة.. أقنعة لا يريدوننا أن ننتزعها عن وجوههم، ومساحيق لا يريدون لها أن تسيح.

***

رئيس كتلة المؤتمر الشيخ سلطان البركاني انبرى ساخطاً، وطالب في مستهل الجلسة بإخراج الفيلم من الكاميرا، وزاد عليها مطالبته إياي باحترام زملائي؛ كونني، على حدّ وصفه وتعبيره، في «مجلس نواب، وليس في سمسرة». إنه وجع على وجع ما أشده.

أحد أعضاء مجلس النواب، عمل في منصب رفيع بمكتب رئيس جهاز الأمن السياسي قبل أن يكون نائباً، دعا في الجلسة وهو متورّمٌ بالغضب، ونافخ أوداجه كمنفاخ كِيّار، إلى إخراج الفيلم من الكاميرا وإتلافه فوراً، ثم تكاثرت طلبات إتلاف الفيلم من مقاعد متفرقة ومتشدّدة. فيما كنت أعيش الخذلان كلّه، في تلك اللحظات النازفة.

كان أولئك النواب يشددون على الإتلاف، فيما يصرّ يحيى الراعي أيضاً على ضرورة اعتذاري للمجلس بشأن التصوير، رغم أن الكاميرا قد صارت في قبضاتهم، بما فيها من صور لانتهاكات حقوقية أخرى وثقتها في أكثر من مكان ومناسبة، ومعها صور شخصية وعائلية.

هكذا صرتُ نائباً تُستباح حقوقه وخصوصياته، ليس فقط من قبل السلطة التنفيذية وأجهزتها الاستخباراتية والأمنية، بل أيضاً من قبل البرلمان.. إنه مأزق أخلاقي حقيقي ومؤلم. والمفارقة الأشد اطلقوا على مصادرة الكاميرا وما فيها لثلاثة أشهر «تأديباً». هكذا تنقلب المفاهيم وتستباح الحقوق بأعذار مستفزة وموجعة.

كنتُ موضوعاً أمام خيارين دون ثالث، وأحسنهما مرٌّ: إما أن أعلق هنا، وينتهي كل شيء عند هذا الحد، ويفلت الوزير ورئيس الجهاز مما أردته، أو أتجاوز الأمر باعتذار مرغَماً عليه، لتفويت فرصة يتربّصون بها، ويريدون من خلالها وأد كل شيء أبحث عنه في هذه الجلسة الثقيلة بحملها.

اعتذرتُ مكرَهاً، في لحظة كنتُ فيها كمن يُساق إلى مقصلة.. اعتذرتُ مضطراً لأفوتَ عليهم فرصة تعطيل جلسة يبحثون عن أي مبرّر أو حجة للإفلات من استحقاقها، قبل أن تبدأ أو تطل برأسها.

كان المثل الشعبي شاخصاً أمامي فاغرا فاه كتمساح: «تريد عذراً أو حماراً؟» كانت الرئاسة تتحيّن أي تلكؤ أو خطأ يمكنها استخدامه مبرراً، لينتهي الأمر عند هذا الحد، ويلحقني اللوم والخسران كله.

تم الاعتذار على مضض وكره، فيما كان هذا الاعتذار يسحقني من الداخل كدكاكة.. شعرتُ بضغط يهرس عظامي، وخذلان لا حدود له.

ترددتُ أولاً، وحاولتُ أن أفلت من الاعتذار، غير أن المتاح لم يكن يتيح النجاة.. غُصصٌ تتفجر في حنجرتي المتعبة.. كنتُ أختنق وأنا أسمع صوتي يعتذر، وأكثر اختناقاً وتفجراً منه ما سيأتي ويليه.

***

يتبع الحلقة 15
– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة “من مذكراتي”

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.