التخييل في شعر يحيى العلاق — مقاربة تحليلية في بنية الصورة الشعرية وفضاء الدلالة

يمنات
ربا رباعي/الأردن
يُعَدّ الشعر فضاءً جمالياً تتجاوز فيه اللغة وظيفتها الإخبارية المباشرة لتصبح أفقًا تخييليًا مفتوحًا على الاحتمال والتأويل، إذ لا يكتفي الشاعر بوصف العالم كما هو، بل يعيد خلقه وفق رؤيته الخاصة، فيمنح الأشياء حياة أخرى، ويؤسس لعالم بديل يتداخل فيه الواقعي بالرمزي، والمحسوس بالمجرد، والزمني بالأسطوري. ومن هنا تتجلّى أهمية “التخييل” بوصفه جوهر العملية الشعرية، لأنه الطاقة التي تجعل النص الشعري نصًا مُنتِجًا للدهشة والانزياح، لا مجرد خطاب لغوي عابر.
وفي تجربة الشاعر العراقي يحيى العلاق، يتخذ التخييل الشعري بعدًا خاصًا، إذ تتأسس قصيدته على اشتغال كثيف بالصورة، وعلى تحويل التجربة اليومية والوجدانية إلى مشاهد رمزية نابضة بالحياة. فالشاعر لا ينقل الواقع، بل يعيد تشكيله عبر رؤيا داخلية تتكئ على الحس الدرامي، والانفعال العاطفي، واللغة المشحونة بالإيحاء، مما يجعل نصه الشعري مساحة خصبة لقراءة المتخيل الشعري بوصفه بنية فنية وجمالية.
أولًا: تعريف بالشاعر
يحيى العلاق شاعر عراقي معاصر، ارتبط اسمه بالقصيدة الوجدانية والقصيدة التي تمزج بين الحس الشعبي والانفعال الإنساني العميق، وقد عُرف بحضوره المنبري وقدرته على الأداء الشعري المؤثر، فضلاً عن ميله إلى تجديد الصورة الشعرية والابتعاد عن المباشرة الخطابية. يؤكد في أحد حواراته أنه يطمح دائمًا إلى “تجديد القصيدة والأفكار”، وأن الشاعر يستنبط من الواقع ومن لسان حال الشارع والبيئة، وهو ما يكشف وعيه بوظيفة الشعر بوصفه فعلًا جماليًا وإنسانيًا في آن واحد
اليوم السابع
تقوم تجربته الشعرية على استثمار اللغة العاطفية المكثفة، واستدعاء المشهد الإنساني اليومي وتحويله إلى بناء تخييلي يتجاوز الواقعة نحو الرمز، لذلك تبدو قصيدته مشحونة بالحركة والانفعال والصوت الداخلي، وكأن الشاعر – كما وُصف – “مسرح متنقل”، تتحرك فيه الشخصيات والانفعالات داخل النص الشعري ذاته
مجلة الشبكة العراقية
ثانيًا: مفهوم التخييل في الشعر
يُعرَّف التخييل بأنه القدرة الفنية التي يمارسها الشاعر في إعادة تشكيل الواقع عبر اللغة، بحيث لا يقدم الأشياء كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى شعريًا. وقد ربط النقاد العرب القدماء، مثل عبد القاهر الجرجاني، بين الشعر والتخييل من خلال مفهوم “النظم”، حيث لا تكمن الشعرية في المعنى وحده، بل في طريقة بنائه وإثارته للدهشة.
أما النقد الحديث، فقد وسّع مفهوم التخييل ليشمل البنية الرمزية للنص، والعلاقة بين الصورة والوعي الجمالي، فالتخييل ليس مجرد استعارة أو تشبيه، بل هو نظام كامل من الرؤية الشعرية. ويرى بعض الدارسين أن الشعر “فضاء تخييلي مغامر” يخرق المألوف ويؤسس لعلاقات جديدة بين الأشياء، بما يجعل النص الشعري أفقًا مفتوحًا للتأويل لا للشرح المباشر
ديوان العرب
ثالثًا: التخييل في شعر يحيى العلاق — القراءة التحليلية
1. التخييل عبر الصورة الوجدانية
تنبني قصائد يحيى العلاق على انفعال وجداني عميق، لكنه لا يُقدَّم بصورة مباشرة، بل يتحول إلى مشهد تخييلي يضاعف أثره الجمالي. فعندما يرثي الأب أو يستحضر الفقد، لا يقدّم الحزن بوصفه خبرًا، بل بوصفه صورة نابضة بالحياة.
مثل قوله:
“احضني أبويه وبوسني
أترجاك بويا أش بيك صار”
هنا لا يكتفي الشاعر بالتعبير عن الحزن، بل يبني مشهدًا دراميًا مكثفًا يقوم على النداء والانكسار والاستغاثة، فتتحول اللغة إلى فعل شعوري حيّ. إن الأب هنا ليس مجرد شخص غائب، بل مركز كوني للطمأنينة المفقودة، وهذا هو فعل التخييل الحقيقي: تحويل الخاص إلى إنساني شامل
اليوم السابع
2. التخييل عبر المسرحة الشعرية
من أبرز ملامح تجربته الشعرية ميله إلى “القصيدة الممسرحة”، حيث تتحول القصيدة إلى فضاء حواري تتعدد فيه الأصوات والانفعالات. وهذا البعد المسرحي يمنح النص كثافة تخييلية عالية، لأن القارئ لا يقرأ المعنى فقط، بل يراه ويتحرك داخله.
ففي قوله:
“سمعتك بما يكفي
اسمعي هالمرة
احتويني…”
يتحول الخطاب من مجرد اعتراف عاطفي إلى مشهد مواجهة وجدانية، فيه صوتان، وصراع داخلي، ومسافة نفسية بين الذات والآخر. وهنا يصبح التخييل قائمًا على الدراما الداخلية لا على الصورة البلاغية وحدها.
3. التخييل الرمزي وتحويل اليومي إلى شعري
من خصائص شعره أيضًا أنه يستثمر اللغة اليومية ليمنحها أبعادًا رمزية. فالجرح، والبيت، والأب، والغياب، والاحتواء، ليست مفردات واقعية فقط، بل رموز لحالات وجودية أعمق: الفقد، والانتماء، والانكسار، والبحث عن الذات.
إن هذه القدرة على تحويل المفردة البسيطة إلى علامة رمزية تؤكد نضج البناء التخييلي في شعره، وتكشف أن الشعر عنده ليس زخرفة لغوية، بل رؤية للعالم.
رابعًا: البعد الجمالي للتخييل
لا تتجلى قيمة التخييل في شعر يحيى العلاق في الصورة وحدها، بل في أثره الجمالي على التلقي؛ إذ يخلق النص حالة من المشاركة الشعورية بين الشاعر والمتلقي. فالقارئ لا يقرأ القصيدة من الخارج، بل يدخلها من الداخل، لأن الصورة التخيلية تُشركه وجدانيًا وفكريًا.
وهذا ما يجعل قصيدته قابلة للانتشار والتأثير؛ لأنها لا تعتمد الغموض المصطنع، بل تعتمد العمق الإيحائي، حيث تتوازن البساطة التعبيرية مع الكثافة الرمزية.
خاتمة
إن التخييل في شعر يحيى العلاق ليس عنصرًا بلاغيًا عابرًا، بل هو البنية الجوهرية التي تنهض عليها تجربته الشعرية. فمن خلال الصورة الوجدانية، والمشهد المسرحي، والرمز الإنساني، يعيد الشاعر تشكيل الواقع ويمنحه بعدًا جماليًا وإنسانيًا جديدًا. إن قصيدته لا تصف الألم، بل تخلقه شعريًا؛ ولا تنقل الحنين، بل تجعله مرئيًا ومسموعًا ومحسوسًا.
وهكذا يصبح التخييل عنده فعلًا إبداعيًا يحرر اللغة من مباشرتها، ويمنح الشعر سلطته الأعمق: أن يجعل الإنسان يرى نفسه والعالم بطريقة أكثر جمالًا وصدقًا.
مراجع عربية وأجنبية مقترحة
عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز.
صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص.
أدونيس، زمن الشعر.
جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي.
Gaston Bachelard, The Poetics of Space.
Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor.
Northrop Frye, Anatomy of Criticism.
Tzvetan Todorov, Theories of the Symbol.