قراءة وتأويل للنص الشعري (الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ) للشاعر حسين السياب: جماليات الانمحاء

يمنات
رياض عبدالواحد السعد*
مقدمة
يشتغل نص (الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ) على بناء شعريّ يقوم على تفكيك العلاقة بين الاسم والجسد، بين الذاكرة والغياب وبين المدينة بوصفها فضاءً مادياً وبينها ككيان رمزي مأزوم. لا يقدّم النص تجربة وصفية للواقع بيد أنه يعيد إنتاجه داخل بنية لغوية متموّجة تتقاطع فيها الدلالة مع الانمحاء وتتحول فيها المفردات إلى علاماتٍ على انهيار المعنى نفسه.
منذ العتبة الأولى يتضح أن النص ينتمي إلى شعر ما بعد الكارثة إذ لا يعود الحدث قابلاً للسرد المباشر لكنه يتجسد عبر شذرات، انكسارات، وصور متراكبة تُنتج ما يمكن تسميته بـ(بلاغة الخراب).
تحليل لساني وبنيوي للنصيص
يحمل النصيص بنية تركيبية مركّبة تقوم على انزياح دلالي واضح بين مكوّنين أساسيين: /الاسم/ و/الجسد/ يتوسطهما ظرف زماني/شرطي هو (حين).
من الناحية اللسانية، يتكوّن النصيص من جملة اسمية غير مكتملة زمنياً مما يمنحها طابعاً مفتوحاً على الاحتمال إذ لا يُصرّح بالفعل وإنما يُعلّقه على شرط وجودي هو “د(فقدان الجسد). هذا التعليق الشرطي (حين) يفتح الزمن الدلالي على اللااكتمال ويحوّل الحدث إلى حالة مستمرة لا لحظة منتهية.
أما على المستوى البنيوي، فإن النصيص يقوم على ثنائية تقابلية:
الاسم (الدال/الهوية/العلامة اللغوية)
الجسد (المرجع/المادي/الحضور الفيزيائي)
لكن اللافت أن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة تثبيت بل علاقة انفصال بمعنى أن البنية ليست تكاملية بل تفكيكية ، فبدلاً من أن يكون الاسم دالاً على الجسد، يصبح الاسم هو الكيان الوحيد الباقي بعد فقدان الجسد مما يعني انقلاباً في النظام السيميائي التقليدي.
هذا الانقلاب يمكن قراءته بوصفه انتقالاً من /سيميائية المرجع/ إلى /سيميائية الأثر/ إذ لا يعود المعنى مرتبطاً بجسد مرجعي ثابت لكنه يتحول إلى أثر لغوي معلّق في الفراغ.
كما أن استعماا الفعل /يفقد/ بصيغة المضارع يوحي بأن الفقد ليس حدثاً منجزاً بل عملية مستمرة، أي أن الهوية نفسها في حالة تفكك دائم، لا لحظة انهيار واحدة.
وبذلك يصبح النصيص بنية مولِّدة للنص، إذ يختزل المأساة الكلية التي سيعيد النص تفصيلها: عالم تُفصل فيه العلامة عن جسدها ويُترك فيه الاسم ككيان يتيم يواجه فراغ المرجع.
منهجية القراءة: بين السيميائيات والبنيوية والتفكيك
تعتمد هذه القراءة على مقاربة متعددة المستويات تجمع بين:
السيميائيات (بارت/غريماس): لفهم تحولات العلامة من الدلالة المستقرة إلى الدلالة المنفلتة.
البنيوية: لتحليل العلاقات الداخلية بين العناصر (الاسم/الجسد/المدينة/الجرح) بوصفها شبكة من التقابلات.
التفكيكية (دريدا): لرصد انهيار المرجع واستحالة تثبيت المعنى النهائي داخل النص.
في ضوء هذه المقاربات، لا يُقرأ النص بوصفه تمثيلاً لواقع بل بوصفه نظاماً لغوياً يعيد إنتاج هشاشة الواقع نفسه
الاسم بوصفه كياناً منزوع الجسد
العلاقة بين الاسم والجسد كما يقترحها النص ليست علاقة إحالة مستقرة, انها علاقة انفصال جذري. فالاسم يفقد مرجعيته الفيزيائية ليصبح علامة عائمة.
يتجلى ذلك في قول الشاعر:
(كلُّ وجهٍ
ينزلقُ من إطارِه
ويتركُ اسمَهُ
جرحاً يستعيدُ صوتَهُ من الصمتِ…)
هنا تتحول الهوية إلى جرح لغوي بمعنى أن الاسم لم يعد تعريفاً بل أثراً لانفصال سابق. ووفق السيميائيات البارثية، فإن العلامة هنا تنفلت من (نظام الدلالة المغلق) إلى (نظام المعنى المفتوح) حيث لا يعود الوجه إطاراً ثابتاً بل كياناً منزلقاً.
الجرح بوصفه بنية مفتوحة
يتحول /الجرح/ في النص إلى بنية مركزية لا بوصفه علامة ألم فقط بل بوصفه نظام إنتاج دلالي:
(الجرحُ
بابٌ
كلّما أُغلق اتَّسعَ…)
هذا التناقض البنيوي (الإغلاق/الاتساع) يعكس تفكك المنطق السببي التقليدي لصالح منطق شعري يقوم على الانفجار الدلالي المستمر. فالجرح ليس نهاية بل بداية مفتوحة لإعادة إنتاج المعنى.
المدينة بوصفها جهازاً متفككاً
تتحول المدينة إلى بنية داخلية مأزومة:
(وحيثُ الشوارع
تفقدُ اتجاهاتها
وتكتفي بالإشارةِ…)
في هذا السياق، تنهار وظيفة /التوجيه/ لصالح /الإشارة/ أي أن المدينة تفقد يقينها المكاني وتتحول إلى نظام رمزي غير مكتمل.
وفي مستوى أعمق:
(وأمشي
وفي داخلي
مدينةٌ تُعاد كتابتُها بالمحو)
هنا تتحول المدينة إلى نص داخلي لكن كتابته تتم عبر الإلغاء وهو ما ينسجم مع رؤية تفكيكية تجعل الكتابة نفسها عملية محو مستمر.
الجسد بين التلاشي والتجريد
يتحول الجسد إلى حالة تلاشي تدريجي:
(والأجسادُ تخفُّ
حتى تصيرَ فكرةً في الهواء..
غيماً
يبحثُ عن وزنٍ
كي يسقط..)
هذا التحول من المادي إلى المفهومي يعكس انهيار المرجع الجسدي لصالح وجود شبحـي. اللافت أن (الغيم) يبحث عن وزن، أي أن الغياب نفسه يسعى لاستعادة شرط الوجود الفيزيائي.
الذاكرة بوصفها إنتاجاً للفراغ
لا تعمل الذاكرة – هنا – بوصفها حفظاً بل بوصفها تفكيكاً:
(كلّما رتّبتُ وجوهَهم
تحوّلوا إلى فراغاتٍ ممتلئة
إلى ثقوبٍ في الذاكرة)
هذا التناقض (فراغ ممتلئ) يعكس منطقاً شعرياً يقوم على قلب المعاني المستقرة. فالاستعادة لا تنتج حضوراً بل تعمّق الغياب.
النهاية بوصفها أثر توقف
يُختتم النص بنحو عال الكثافة:
(ويكتبني
أثرَ قذيفةٍ
توقّفتْ في منتصفِ الحكايةِ!)
لا تمثل هذه النهاية اكتمالاً بل تعليقاً للحكاية عند لحظة الانفجار. وفق القراءة البنيوية، نحن أمام /بنية غير مغلقة/ إذ يبقى الحدث في حالة توقف دائم.
خاتمة
يكشف نص (الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ) عن مشروع شعري يقوم على تفكيك البنى المستقرة للهوية واللغة والمدينة والجسد. إنها كتابة لا تسعى إلى إعادة بناء العالم، بل إلى كشف لحظة انهياره الدلالي.
في ضوء المقاربات السيميائية والبنيوية والتفكيكية، يتضح أن النص يشتغل على إنتاج (جماليات الانمحاء) فتتحول العلامة إلى أثر، والاسم إلى جرح، والجسد إلى فكرة عابرة، والمدينة إلى نص داخلي يتكتب بالمحو.
إنه نص لا يقول العالم، بل يتركه مفتوحاً على فراغه حيث يصبح المعنى نفسه تجربة فقدان مستمرة، لا يمكن تثبيتها أو إغلاقها.
النص الشعري:
(الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ)
على حائطِ ذاكرةٍ
تتصلّبُ فيها صيحات الأمهات
أرفعُ وجوهَ الشهداءِ
كما تُرفعُ المرآة في وجهِ الغياب
كلُّ وجهٍ
ينزلقُ من إطارِه
ويتركُ اسمَهُ
جرحاً يستعيدُ صوتَهُ من الصمتِ…
الجرحُ
بابٌ
كلّما أُغلق اتَّسعَ…
الأرصفةُ
تُبدّلُ قدميَّ بأقدامٍ
تسحبني
حيثُ تمشي المدينةُ
داخلَ نفسها
وحيثُ الشوارع
تفقدُ اتجاهاتها
وتكتفي بالإشارةِ…
هناك
البيوتُ
حينَ فقدتْ جدرانها
اكتسبتْ هيبةَ العراء
وصار الركامُ
لغةً أعلى من البناء..
الكبرياءُ
وضعيةُ وقوفٍ أخيرة
لشيءٍ انهار..
سقوفُ الفقراءِ
ترتفعُ
في اللحظةِ التي تتخلّى فيها عن كونها سقوفاً
تلمعُ كنجومٍ
لم تجد سماءً كافية
والأجسادُ تخفُّ
حتى تصيرَ فكرةً في الهواء..
غيماً
يبحثُ عن وزنٍ
كي يسقط..
أمشي
وفي داخلي
مدينةٌ تُعاد كتابتُها بالمحو
كلّما رتّبتُ وجوهَهم
تحوّلوا إلى فراغاتٍ ممتلئة
إلى ثقوبٍ في الذاكرة
أمرُّ منها
ولا أصل…
وفي النهاية
تتبدّلُ الجهات
الحائطُ يتقدّمُ نحوي
يمدُّ صمتَهُ حولي
ويكتبني
أثرَ قذيفةٍ
توقّفتْ في منتصفِ الحكاية!
* ناقد عراقي