حين ولدتُ طبيبا

يمنات
د. أحمد القحطاني
قصة حدثت معي عندما كنت طالبًا في المستوى الخامس من كلية الطب. ترددت كثيرًا في نشرها، لكنني شعرت أن بعض اللحظات لا ينبغي أن تبقى حبيسة الذاكرة، لأنها تصنع الإنسان من جديد.
لم يكن ذلك اليوم مختلفًا عن غيره. كنت طالب طب في سنته الخامسة، أتنقل بين الكتب والمحاضرات، وأظن بسذاجة جميلة أن الطريق إلى الطب يشبه الطريق إلى أي علم آخر: صفحات تُقرأ، ومحاضرات تُحفظ، وأسئلة تُجاب.
حتى جاء ذلك الاتصال.
وكان أشبه بطرقٍ على باب قلبي، لا على هاتفي.
قال الأب بصوت أثقله التعب:
يا أحمد… ابنتي تذبل منذ أربعة أشهر. حمى مستمرة، وخمول غير معتاد. طبيب بعد طبيب، ودواء بعد دواء، ولم نرَ نورًا في آخر هذا الألم.
كان يتحدث، والكلمات تخرج من روحه قبل حنجرته. ومنذ اللحظة الأولى أدركت أن خلف كل مريض حكاية، وخلف كل حكاية قلبًا ينتظر طبيبًا لا يسمع فقط، بل يفهم.
طلب مني أن أعرض الفحوصات على أساتذتي في الجامعة. لكنني شعرت أن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، فقررت أن أبدأ من البداية: القصة المرضية كاملة، وتفاصيل الأشهر الماضية كلها.
تواصلت مع الأم.
كانت تتحدث كمن يخرج من ظلام طويل، وأنا أصغي وأسأل، كأنني أبحث عن خيط ضوء يقودني إلى الحقيقة.
ومع كل تفصيل كانت ترويه، كانت كلمة واحدة تكبر داخلي:
الذئبة الحمراء.
كان غريبًا أن يلحّ هذا التشخيص في ذهني، وأنا لم أدرس المرض بعد دراسة كاملة. لكن بعض المعرفة لا تأتي من الكتب وحدها، بل من حدس يضيء فجأة، ومن ذاكرة تحفظ ما مرّ بها يومًا.
طلبت التحاليل، وأحضرتها الأم في اليوم التالي.
فتحت الأوراق، وتأملت النتائج، فإذا بالحقيقة تقف أمامي واضحة لا لبس فيها.
كان المرض هو الذئبة الحمراء.
لم أشعر بفرح، ولا بحزن، بل بشيء يشبه السكون… سكون من وجد الجواب، لكنه يعلم أن الطريق ما زال طويلًا.
ذهبت الأم إلى طبيب ابنتها، وسألته:
ما مرض ابنتي يا دكتور؟
فأجاب بثقة وابتسامة باردة:
هذه صدفية.
لكن التحاليل جاءت كصفعة لتلك الثقة. قرأها طويلًا، ثم تغيّر صوته وهو يقول:
هي فعلًا… ذئبة حمراء.
ثم أضاف:
ما كنت أريد أن أطلب لكم هذه التحاليل… فهي غالية.
يا الله…
كم أثقلتني تلك الجملة.
لكن الأم ردّت بحرقة أم لا تعرف الحساب حين يتعلق الأمر بفلذة كبدها:
وما يغلى على بنتي يا دكتور.
بعد تحويل الحالة إلى طبيب المناعة، بدأت رحلة العلاج.
وفي صباح اليوم التالي، رن هاتفي.
كانت الأم.
لكن صوتها هذه المرة كان مختلفًا. كان فيه بكاء يشبه المطر بعد موسم جفاف طويل.
قالت:
يا دكتور أحمد… أقسم بالله، منذ أسابيع وأنا لا أنام. اليوم فقط أستطيع أن أنام مطمئنة. اليوم أشعر أن ابنتي في يد أمينة.
ثم أخذت تدعو لي دعاء أم أنهكها الخوف طويلًا، ثم عاد إليها الأمل من حيث لا تحتسب.
كنت أسمعها، وصمتي أبلغ من كل كلام.
لم أستطع الرد.
فقط نزلت دموعي.
ولأول مرة شعرت أن الدموع ليست ضعفًا، بل امتلاء… امتلاء بأنك، مهما كنت صغيرًا، قد تكون النور الوحيد في زاوية مظلمة من حياة إنسان.
تلك اللحظة لم تغيّر طريقي في الطب فحسب، بل غيّرت حياتي كلها.
علّمتني أن الطبيب لا يولد يوم يتخرج، بل يولد يوم يشعر أن علمه صار رحمة، وأن قلبه صار مأوى لقلوب كثيرة تنتظر كلمة أمل، أو يدًا تُنقذ، أو نظرة تفهّم.
وعلّمتني أن الرحمة ليست فصلًا يُدرّس، ولا سؤالًا في اختبار، بل هي سر هذا الطريق، وروحه، وأجمل ما فيه.
ومنذ ذلك اليوم، سرت في طريق الطب وأنا أحمل يقينًا واحدًا:
أن تعب السنين لا يساوي شيئًا أمام دمعة أم تُمسح، أو قلب مريض يطمئن، أو حياة تعود لتتنفس من جديد.