جغرافيا الخديعة: لماذا لم تكن ديمقراطية العرب يوماً مصلحة إسرائيلية؟

يمنات
مهندس عبدالملك نصيب المعمري
في خضم السكرة السياسية التي أعقبت توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993، وقف شمعون بيريز ليطلق أطروحته الشهيرة “الشرق الأوسط الجديد”، واعداً باندماج إقليمي ورفاه مشترك، بلغة تكاد تكون شعراً سياسياً. لكن خلف ديباجات السلام والتحديث الاقتصادي، تكمن عبارة سوسيولوجية جافة قالها بيريز ببراغماتية صادمة: المنطقة العربية هي أكبر تكتل للحكم الفردي الأوتوقراطي في العالم. لم تكن تلك العبارة مجرد تشخيص عابر، ولا حتى نقداً أخلاقياً بريئاً، بل اعتراف مبكر وصريح بمعادلة صامتة تعتمل في قلب العقيدة الأمنية الإسرائيلية: الاستبداد العربي ليس تهديداً لإسرائيل، إنه حجر الزاوية في هندسة استقرارها الجيوسياسي.
كي نتبين كيف تحول المشرق العربي إلى هذه البوتقة المغلقة، علينا أن نعود خطوتين إلى الوراء، حيث تشكلت البنية العميقة للشرق الأوسط الراهن، الخطوة الأولى هي إرث سايكس بيكو عام 1916.
لم يكن تقسيم المنطقة مجرد ترسيم حدود على خريطة، بل كان عملية قيصرية أنجبت ما يسميه علم الاجتماع السياسي “الدولة المصطنعة”. هويات قبلية وطائفية وإثنية شديدة التباين ضُغطت داخل أطر سيادية قسرية، فتعطل التشكل الطبيعي للدولة – الأمة بمعناها العضوي. ولأن تلك الكيانات الوليدة افتقرت إلى الشرعية التاريخية والتطور التلقائي، وجدت النخب الحاكمة نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التفكك الأهلي أو القبضة الحديدية. في تلك اللحظة، ولدت الأوتوقراطية العربية لا كخيار أيديولوجي، بل كآلية دفاع حتمية عن حدود مصطنعة؛ صار الاستبداد الأداة الوحيدة لضبط تصدعات هوياتية لا يخفيها إلا السطح.
أما الخطوة الثانية فجاءت مع إرث كامب ديفيد عام 1978، لتتولى صياغة السلوك الإقليمي لهذا الجسد المأزوم. بإخراج مصر، الثقل الاستراتيجي الأكبر، من الصراع العسكري، تفكك النظام الإقليمي العربي المشترك، وتأسست مكانه معادلة جديدة للشرعية تقوم على مقايضة أمن الأنظمة بعزل الشعوب.
صارت الشرعية الخارجية للنظم الأوتوقراطية، ودعم الغرب السياسي والاقتصادي، مشروطين بقدرتها على أداء دور “الحارس الوظيفي” للاستقرار الإقليمي. تعمقت الهوة البنيوية بين النخب وقواعدها الشعبية، وهنا تكمن اللحظة الفارقة التي يدركها العقل الاستراتيجي الإسرائيلي كاملاً: السلام مع حاكم أوتوقراطي يمسك بقرار فرعي هو أسهل بكثير، وأكثر قابلية للحساب، من السلام مع مؤسسات ديمقراطية تعكس نبض الشارع العربي وعقيدته التاريخية.
اليوم، تبدو نبوءة بيريز الاقتصادية وكأنها تعيد إنتاج نفسها عبر توليفة جديدة يسميها بعض المشتغلين بالسياسة “الأوتوقراطية المحدثة”. تتحرك المنطقة بين سيناريوهين قاتمين لا يبشر أحدهما بخير: إما التشظي الكامل وانهيار الدول المركزية الهشة لمصلحة فواعل من غير الدول، ميليشيات طائفية وهويات متحاربة، وإما القبول بما يمكن تسميته “السلام الأوتوقراطي التحديثي”.
في هذا السيناريو الثاني، تُشبك مصالح اقتصادية ولوجستية عابرة للحدود في الطاقة والتكنولوجيا والممرات التجارية، تربط إسرائيل بأنظمة عربية قوية إدارياً ومستقرة ظاهرياً، يُغلق فيها الفضاء السياسي بالكامل مقابل وعود بالرفاه والكفاءة التكنولوجية. في الحالتين، تظل الشعوب العربية موضوعاً يتم هندسته، لا فاعلاً يمتلك إرادته وقراره الاستراتيجي.
الخروج من هذه البوتقة المفروضة تاريخياً لا يمر عبر شعارات أيديولوجية حماسية ولا عبر استنساخ نماذج ديمقراطية شكلية تُفرض من فوق. ما نحتاجه هو انتقال حاسم من نموذج “الدولة الوظيفية” إلى “الدولة الاستراتيجية”.
البداية الحقيقية من الاندماج الاقتصادي العميق من الأسفل، عبر صياغة تكتلات عربية فرعية تقوم على اعتماد متبادل حَرِج في ملفات الأمن الغذائي وسلاسل التوريد والسيادة المائية والمشاريع الصناعية المشتركة. تحويل رؤوس الأموال العربية إلى مشروعات إنتاجية حقيقية داخل الدول الكثيفة السكان هو الكفيل وحده بخلق كتلة اقتصادية حرجة قادرة على فرض شروطها السيادية في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.
وبالتوازي، لا بد من سياسة تحوط استراتيجي بارعة. في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، على الفاعل العربي أن يتقن المناورة بين الأقطاب الدولية الصاعدة والغرب، لا ليختار بديلاً عن آخر، بل لكسر الارتهان لمظلة أمنية أحادية تعمق التبعية وتفرض شروط الإذعان الإقليمي.
تتكامل هذه الأدوات مع ضرورة بناء “شرعية الإنجاز والتنمية” في الداخل: تفكيك الاقتصادات الريعية التي تعيش على النفط أو المساعدات، والتحول الجريء نحو اقتصادات المعرفة وتوطين التكنولوجيا، مع إصلاح حقيقي للتعليم والبيروقراطية، بحيث يتحول الانفجار السكاني من عبء إلى ميزة تنافسية.
لقد كان شمعون بيريز صادقاً حين شخّص الاستبداد، وكاذباً حين وعد بالسلام العادل. فبقاء العالم العربي تكتلاً أوتوقراطياً مستهلكاً ومجزأً هو الضمانة الأكيدة لاستمرار الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية. الخروج من هذه الخديعة التاريخية لا يبدأ من صناديق الاقتراع المصطنعة، بل من امتلاك أدوات القوة الحيوية. عندما تصبح الدولة العربية قوية بمجتمعها، منتجة لتقنيتها، مستقلة بغذائها، يسقط تلقائياً دورها الوظيفي التابع، وتتحول من مجرد مسرح لمشاريع الآخرين إلى صانع حقيقي لجغرافيتها السياسية ومستقبلها الاستراتيجي.