فضاء حر

المجاز بوصفه وجودا ورؤية: قراءة سريعةفي ديوان (اخترت هذا المجاز) لزياد السالمي

يمنات

محمد اللوزي 

(زياد السالمي)، شاعر له فضاؤه الرحب وإيقاعه المتناغم، ورؤيته ااشعرية، وتحولاته في استكناه عالمه ببعده الدلالي والجمالي. ومايميزه كشاعر أن لديه القدرة على انجاز نصه ااشعري بعناية ودراية، وفهم أبعاده والى اين تؤدي!. لعل (زياد) كشاعر متميز وفرس رهان في حيازة قصب السبق،اكثر ادراكا لما تمتلك نصوصه من خارطة إبداعية لها عالمها الفلسفي التأملي والرائي الى الواقع بتعدد معانيه وغزارة تحولاته

 و من تم البناء عليه شعريا، ليضيء بروحه الخلاقة المساحة الوجودية المعبرة عن كينونته كذات لها عالمها التي تأني اليه وتتفرد به، للهروب من واقع لايجد فيه الشاعر (زياد) متيعبر عن تطلعاته. لذلك نراه بقوة يعلن انحيازة للمجاز دون الحقيقة، دون المتكشف، الظاهر، السطحي، والمتشكل رتابة. المجاز هنا هو خيمة الشاعر التي تأويه، هو بعده الروحي، وهو الفرار من المفهوم الى الغمض، من الذات المأسورة الى الفاعلة، القارئة، الواعية بمكامن حاضرها واحتمائها منه بالمجاز الذي يتهجى الوطن وينشده في آن، ليظهر صوته الشعري بعاطفة مثقلة بالتأملات ومكاشفة الواقع..

 في كل الاحوال( زياد) لغته ااشعرية تتسم بالمرونة والتكثيف، وواضح من عنوان الديوان انه لايلقي بالا للتقريرية والمباشرة . إنه يرفض الرتابة والجاهزية والمعين المحدد، لذلك يأخذ الوطن لديه أبعادا مجازية ​بكل تنوعاته وبمايكتنف محيطه من تحديات جمة، اكانت ثقافية او مجتمعية.(لزياد السالمي) طراوة المعنى، حذاقته في تلمس الخفي واستحضاره جماليا، بلغة فاعلة لاتقبل التقليدي المتعثر، ولا الانسياق خلف اطر وتمحورات جاهزة . إنها لغة ذات ابعاد متعددة، تجعل القاريء يقلب فيها مجازه وتعدد معانيه التي تصب جميعها فيما يرغب الشاعر البوح به، وإن اختلفت سيميائيته الشعرية. بمعنى آخر الشاعر يفتح للمتلقي نافذة لإعادة انتاج المعنى بماتشي به دلالة الكلمة وماهية اللغة. 

إنه في صياغته لنصوصه الشعرية يقع بين التدفق الغنائي ذي النفس التفعيلي والبناء التصاعدي الدرامي، بما يمنح النص خركية تنتقل بالقارئ من التأمل الوجداني الداخلي، إلى المواجهة الفكرية الخارجية. 

​وهنا يمكننا القول:أن ديوان (اخترت هذا المجاز) يشكل علامة فارقة في تجربة (زياد السالمي) الشعرية، حيث يعكس وعيا حادا بوظيفة الشعر وجدوى الكلمة في أوقات التحولات الشديدة. ولعل سيميائية العنوان ، تشي ب موقف جمالي وفكري، فاختيار المجاز ليس اختيارا لأسلوب بلاغي، وإنما انحياز لرؤية فيها نجد الحقيقة الشعرية لا تنال عبر المباشرة، بل عبر الرمز والإيحاء والانزياح الدلالي. ولذلك لا يبدو المجاز في هذا الديوان ترفا بيانيا، وإنما هو البنية العميقة التي تنتظم النصوص فيها، وتمنحها وحدتها الدلالية والجمالية. 

وهنا تبرز ثقافة الشاعر الواسعة، التي لا تظهر في صورة استعراض معرفي، وإنما تنصهر في النسيج الشعري . فالإحالات إلى التاريخ العربي واليمني، واستدعاء رموز الحضارة، والاشتغال على الذاكرة الجمعية، كلها عناصر تؤكد أن النصوص تنطلق من وعي حضاري راسخ، يسعى إلى إعادة قراءة الماضي بوصفه مصدرا لإنتاج المعنى في الحاضر، لا في الماضي المقنن الجاهز الآسر. 

إن ديوان(اخترت هذا المجاز) يمثل إضافة نوعية إلى المشهد الشعري في بلادنا، لما يقدمه من توازن بين العمق الفكري والإبداع الفني، وبين الأصالة والانفتاح على منجز الحداثة الشعرية. بمايؤكد ان الشاعر يمتلك مشروعا شعريا متماسكا، وصوتا خاصابه، ورؤية جمالية تتجاوز حدود التجربة الفردية إلى أفق إنساني وثقافي أرحب.

  سأجتزيء هنا بعضا من النصوص التي وردت غي الديوان. 

(كَأَنّ الجنون هوالصحْو، أَوْ ربمَا الصحو يبدو جنونا… ربما… ما الصّوَاب؟… إذن ربّما الشّكّ يبدو يقينا… كما لَا حقِيقَ غَيرُ المجازِ) 

الشاعر هنا لا يكتفي بصناعة صورة شعرية، بل يؤسس لرؤية فلسفية تتساءل عن طبيعة الحقيقة وحدود اليقين. ومن خلال المفارقة بين الجنون والصحو يهدم التصنيفات الجاهزة، ويدفع القارئ المتلقي إلى إعادة النظر في المسلمات، وهو ما يمنح النص بعدا تأمليا عميقا.

كما ينجح في توظيف المفارقة بوصفها أداة فنية، إذ يجعل الأضداد تتجاور: الجنون /الصحو، الشك /اليقين، الحقيقة /المجاز. هذا التوتر بين المتقابلات، يخلق حركة فكرية داخل النص، فلا يظل المعنى ساكنا، بل يتولد باستمرار من الحوار بين النقيضين.

وتبلغ القصيدة ذروتها في العبارة:( لا حقيقة غير المجاز) ثم (الحقيقة تلك لا وطن لها غير المجاز)؛ وهي عبارة ذات كثافة دلالية عالية، تجعل المجاز ليس مجرد أسلوب بلاغي، وإنما الفضاء الذي تتجلى فيه الحقيقة الإنسانية. وبهذا يلتقي النص مع التصورات الحديثة للشعر التي ترى أن الحقيقة الشعرية تدرك بالإيحاء والرمز، 

وليس بالتقريري المباشر. نحن هنا اقرب الى الخطاب الصوفي حيث الرمز وتحولاته تأخذ البعد الروحي الذي ينأى عن الواقع المباشر’ ويبني من المجازي علاقة تجاذب وانشداد مع الذات ليرى اللامرئي مرئيا. 

(وأَنسى وَهذا البرد يعرقني لها.. وترا يدنّعَلَى هوَاها بِالأَسى لحنا أَشَقّ منَ القصيدَةِ ربّما..! أنسى وهذي الريح تعصرني لها.. غيما ينزّ على هواها بالأَسى مطرا أَشقّ من القَصيدة ربّما..!) 

 في هذا المقطع يضعنا زياد امام حالة وجدانية متصاعدة عبر تلاحق الصور الحسية. فهو لا يصف الخنين وصفا مباشرا، بل يجسده في عناصر الطبيعة، فـالبرد يعرق، والريح تعصر، والغيم ينز مطرا، وهي مجازات حية وفاعلة ومؤثرة لها قوتها التي تمنح العاطفة جسدا محسوسا، وتكشف قدرة الشاعر على تشخيص الطبيعة وإشراكها في التجربة الإنسانية.

ويخسب للنص توازنه الموسيقي، إذ يقوم على تكرار عبارة (أنسى) بوصفها لازمة إيقاعية، لكنها لا تأتي تكرارا أجوف، بل تمثل استبطان ذاتي بين إرادة النسيان واستحالة تحققه. وهذا التكرار يضفي على القصيدة نبرة غنائية مؤثرة.

 إن الانتقال من (وترا يدن) إلى (غيما ينز) يكشف عن ارتقاء جمالي وذائقة عالية ، إذ تنتقل التجربة من عالم الصوت والموسيقى إلى عالم المطر، وكأن الحزن ينطلق من لحن داخلي إلى فيض كوني.لنصل الى خاتمة المقطع:(لحنا أشق من القصيدة ربما… مطرا أشق من القصيدة ربما» إنها من اجمل الاشراقات التي يعلن فيها الشاعر أن التجربة الشعورية أعمق من أن تستوعبها القصيدة نفسها، وهي مفارقة شعرية تعكس وعيا بحدود اللغة أمام فيض العاطفة.

وهنا يتجلى نضج الشاعر في الجمع بين الموسيقى الداخلية، والصورة المبتكرة، والصدق الوجداني، دون أن يفقد النص انسيابه أو يرهق القارئ بغموض مفرط، مما يجعله من المقاطع الأكثر اكتمالا فنيا في الديوان. وبيقى القول: نحن أمام شاعر يشق فضاء اللغة، وينجز منها رؤاه، ويشكل مواقفه، ويقع على المتناغم منها، الابعد في الرؤيا والتشكيل، لنلفي بالا لشاعر متميز، محنرف، الابداع يتدفق في معانيه واتساع رؤيته، إنه شاعر الدهشة واقتناص الحرف وسوقه الينا بحميمية وقدرة على الجذب والتأثير والتأمل، لاستحضار المعنى المجازي المكثف والمندغم مع الواقع، الذي يبني من خلاله نصوصه المتميزة والفارقة في البناء ااشعري عن غيره من المبدعين. إنه صوت نقع عليه فنجده إضافة قوية للمشهد ااشعري اليمني يحق لنا الاحتفاء به كشاعر له خصوصيته وتجربته وتركيباته المجازية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.