حين يصدقون كذبتهم… أن العالم يخشاهم!

يمنات
أيوب التميمي
ليست المشكلة في أن يرفع السياسي سقف خطابه أو يبالغ في مواقفه كتكتيك للمناورة والتحشيد وإنما في أن يصدق خطابه نفسه فيتحول الوهم من أداة سياسية إلى قناعة تحكم قراراته. وهنا تبدأ السياسة بالانفصال عن الواقع وتتحول المبالغة من وسيلة إلى مأزق
فجماعة انصار الله الحوثيين هي في طبيعتها حركة سياسية ذات مرجعية إسلامية. ومن أسس هذه المرجعية أن القانون الأخلاقي الإسلامي قانون عام لا ازدواجية فيه ولا مثنوية لكنه في الوقت ذاته قانون مرن يجمع بين المثالية والواقعية.
فهو مثالي في مصدره الإلهي ورفضه للانتقائية في التطبيق وواقعي في اعترافه بتعقيد الواقع وتزاحم المبادئ وتعارض المصالح أحيانا.
ومن هنا جاء في الشرع منهج الترجيح عند تزاحم المبادئ أو تضارب المصالح واختيار الأهم فالأهم وقبول ارتكاب أخف الضررين ودفع أعظم المفسدتين. فهو لا يتشبث بمثالية حالمة منفصلة عن عالم الوقائع الصلبة التي لا ترحم.
لكن الخطاب السياسي للحوثيين يبدو في كثير من الأحيان طوباويا ومنفصلا عن الواقع لا السياسي وحده بل حتى عن منطق التاريخ والمسار الطبيعي للاجتماع الإنساني اليمني.
وهذا النهج لا يبدو ناتجا عن يقين بالقوة والحضور بقدر ما يكشف عن حالة من التطرف الخطابي تحاول الجماعة تعويض هشاشة الموقف بفائض من الكلام الحاد وربما إخفاء بعض الحقائق لكنها في المقابل تسهم في كشفها.
والمشكلة أن هذا الخطاب لا يترك انطباعا بوجود قدر كاف من الحكمة السياسية التي تميز بين ما يصلح للتحشيد والمناورة وبين ما تفرضه مقتضيات الواقع. وكأنهم ما زالوا يتعاملون مع السياسة بعقلية مراهق فتح عينيه للتو على عالم جديد فراح يختبر حدود الآخرين معتقدا أن الجميع سيظل يسايره ويداريه إلى النهاية.
لا بأس أن تضطر الحركة السياسية إلى شيء من المبالغة في خطابها أحيانا بوصفها تكتيكا للمناورة أو وسيلة لتحشيد جمهورها فهذه من أدوات السياسة والخطاب الجماهيري. ..لكن أن تتحول حفلة تسويق الأوهام إلى حقائق سياسية يؤمن بها بعض الرموز والقيادات ثم تصبح هذه الأوهام منطلقا لإدارة الواقع فهنا تتحول المسألة من مناورة سياسية إلى مأساة سياسية
فأخطر ما يمكن أن يصيب أي فصيل سياسي ليس أن يبالغ في تقدير قوته بل أن يصدق مبالغاته وأن يعيش تحت نشوة انتصارات عابرة إلى الحد الذي يفقد معه القدرة على قراءة موازين القوى والتحولات من حوله.
وحينها لا يعود بحاجة إلى خصوم يبالغون في انتقاده بقدر حاجته إلى من يوقظه من وهمه ويعيده إلى قراءة الواقع كما هو لا كما يرغب في أن يكون.
تحاول دول عديدة إدارة علاقتها مع جماعة أنصار الله بما يخفف من حدة سلوكهم ويمنحهم مساحة لمراجعة خطابهم وخفض جموحهم السياسي.
لكن المشكلة أن بعض هذا السلوك قد يقرأ من قبلهم بطريقة معكوسة فيفسرونه خوفا منهم وعجزا عن مواجهتهم ويذهبون أبعد في الاعتقاد بأن بإمكانهم إخضاع الآخرين وفرض إرادتهم عليهم. والحقيقة أن المداراة السياسية لا تعني بالضرورة الخوف ولا التسليم بل قد تكون في أحيان كثيرة جزءا من سياسة أكثر هدوءا وحسابا للنتائج.
ولعل استمرار هذا الفهم الخاطئ للرسائل السياسية من حولهم مؤشر على أن الوهم قد بلغ مرحلة متقدمة وأن الحاجة أصبحت ملحة إلى قدر أكبر من الواقعية السياسية.
ففي الغرف السياسية لا تقوم السياسة على كثرة الكلام بقدر ما تقوم على حسن تدبير الواقع السياسي الحصيف يعرف متى يتحدث ومتى يصمت ومتى يرفع سقف خطابه ومتى يخفضه ويعرف أن الإفراط في الكلام قد يمنح الخصوم ما يحتاجون إليه من مواقف وتصريحات يمكن استخدامها ضده لاحقا.
لذلك تقترن السياسة بالحذر النظري والعملي وبالاقتصاد في التصريحات وترك مساحة للمناورة والمراجعة
ولا يعني ذلك أن السياسة تخلو من المغامرة فاللحظة السياسية قد تفرض أحيانا قرارا جريئا أو خطابا مرتفع السقف لكن الفرق بين المغامرة المحسوبة والاندفاع أن الأولى تنطلق من قراءة دقيقة للواقع بينما الثانية تنطلق من صورة متخيلة عنه.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في الخطاب السياسي لجماعة أنصار الله اليوم فليست القضية في ارتفاع نبرة الخطاب ولا في صلابته بحد ذاته وإنما في أن يتحول الخطاب إلى بديل عن قراءة الواقع وأن تتحول المبالغة إلى قناعة ثم تتحول القناعة إلى سياسة. عندها يصبح الخطاب الذي يفترض أن يكون أداة لإدارة الواقع سببا في العجز عن فهمه.