رصاص الغدر وفكر لا يموت.. في استشهاد المفكر والمناضل عبدالسلام الدميني

يمنات
أ.د محمد فاضل الفقيه
حين نستحضر سيرة الشهيد اللواء الدكتور عبدالسلام قاسم الدميني، فإننا لا نستدعي اسماً في سجل الذاكرة الوطنية فحسب، بل نستجلي نموذجاً فريداً للمثقف العضوي والمناضل الصلب، الذي لم ينفصل يوماً عن هموم شعبه. لقد كان الدميني تجسيداً حياً لجدلية الفكر والممارسة؛ فكر ناضج تفتّح على المناهج النقدية العميقة، وفي مقدمتها الرؤية الماركسية التي رأت في التاريخ صراعاً مستمراً من أجل التحرر والعدالة، وممارسة نضالية شجاعة دفعت ثمنها الطهارة الثورية والوضوح المبدئي.
لقد تجسّد هذا الوعي العميق في تولّيه مواقع قيادية متقدمة في صفوف الحزب الاشتراكي اليمني والجبهة الوطنية الديمقراطية، حيث انخرط باقتدار في صياغة المشروع الوطني الديمقراطي. لم يكن انتماؤه الحزبي مجرد يافطة تنظيمية، بل كان التزاماً وجودياً وأخلاقياً بقضايا الكادحين والمستضعفين، في مواجهة بنية الاستبداد والرجعية الممثلة بنظام صنعاء آنذاك. لقد قاد الدميني ورفاقه ملحمة كفاح مريرة ضد سياسات الإقصاء والتسلّط التي مارسها ذلك النظام، مفككاً بمقولاته وأدواته الفكرية طبيعة السلطة المتحالفة مع قوى التخلف والتبعية.
إن قراءة مسيرة الشهيد الدميني –رحمه الله– من منظور فكري ماركسي لا تقف عند حدود سرد الوقائع، بل تتجاوزها إلى تفكيك بنية الصراع الطبقي والسياسي ضد قوى الاستغلال. لقد أدرك مبكراً أن الأزمة تكمن في الهياكل السياسية والاقتصادية لنظام صنعاء، الذي كرّس التهميش والقهر ووأد طموحات اليمن في بناء دولة مدنية حديثة. ومن هنا، جاء خطابه وموقفه السياسي متسقين مع قناعاته الثورية؛ إذ كان يرى في النضال ضد سلطة الاستبداد امتداداً طبيعياً لمعركة الإنسان الكبرى ضد كل أشكال الاغتراب والقمع.
ولأن الكلمة الحرة والموقف الثوري يمثلان خطراً داهماً على عروش الطغاة، فقد امتدت يد الغدر لتصفيته جسدياً. لقد جاءت طريقة استشهاده الأليمة، عبر عملية اغتيال وتصفية آثمة استهدفته مع شقيقيه في نقيل يسلح عام 1980، لتعكس مدى الرعب الذي كان يمثله هذا القائد الاشتراكي والمفكر الوطني لسلطة الاستبداد في صنعاء. ظنّ القتلة أنهم برصاص الغدر يستطيعون وأد الفكرة وإطفاء جذوة النضال، غير أن الدم الطاهر تحوّل إلى أيقونة متوهجة، وبقي الفكر الحر عصياً على الاغتيال، ليضيء دروب السالكين نحو الحرية والكرامة.
إن استذكار الشهيد عبدالسلام الدميني اليوم ليس طقساً عاطفياً، بل هو حاجة موضوعية ملحّة في زمن تتقاطع فيه مصالح القوى الظلامية مع آليات الاستغلال المعاصر، لنستلهم من سيرته معنى الوفاء للوطن وصلابة الموقف في وجه الطغيان.