كيف صنعت الواسطة جيلا لا يؤمن بالاجتهاد؟

يمنات
زكريا نمر
هناك شاب قضى سنوات طويلة في الجامعة. حفظ المقررات، اجتاز الامتحانات، حصل على الشهادة، وخرج إلى الحياة وهو يعتقد أن المجتمع سيكافئه على ما تعلمه. ثم اصطدم بالحقيقة. في أول مقابلة عمل، لم يكن السؤال الحقيقي: ماذا تعرف؟ ماذا تستطيع أن تفعل؟ وما الذي يمكن أن تضيفه؟.كان السؤال غير المعلن: من تعرف؟ تبدأ المأساة فالواسطة ليست مجرد شخص يتصل بشخص آخر من أجل وظيفة. هذه قراءة سطحية للمشكلة. الواسطة تصبح أكثر خطورة عندما تتحول إلى نظام اجتماعي غير مكتوب، تصبح فيه العلاقات أهم من القواعد، والانتماء أهم من الكفاءة، والقرابة أقوى من القانون.عندها لا يعود المواطن يتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة، بل باعتبارها شبكة من الأشخاص.
إذا أردت وظيفة، ابحث عن مسؤول.إذا أردت منحة، ابحث عن قريب إذا أردت عقدا، ابحث عن صاحب نفوذ إذا أردت ترقية، ابحث عمن يستطيع الاتصال بمن يملك القرار وإذا لم تجد أحدا، فانتظر ويتحول الانتظار إلى أسلوب حياة.المشكلة أن الدولة التي تسمح للواسطة بأن تصبح طريقا موازيا للقانون لا تظلم فردا واحدا فقط. إنها تعيد تشكيل المجتمع كله. فحين يعرف الشاب أن الشهادة لا تكفي، يبدأ في البحث عن العلاقات بدلا من تطوير قدراته. وحين يرى المجتهد أن الأقل كفاءة سبقه لأنه يعرف الشخص المناسب، يبدأ الإيمان بالعمل الجاد في الانهيار.وتحدث الكارثة الحقيقية: المجتمع لا يخسر وظيفة فقط، بل يخسر فكرة الاستحقاق.الواسطة تقتل شيئا أكثر أهمية من فرصة عمل.قتل الاعتقاد بأن الجهد له معنى.عندما يرى الطالب أن زميله حصل على الوظيفة لأنه ابن فلان، بينما ظل هو يبحث عن فرصة رغم تفوقه، يبدأ في إعادة النظر في كل شيء: لماذا أدرس؟ لماذا أتعب؟ لماذا أطور نفسي؟ لماذا ألتزم بالقانون إذا كان الآخرون يتجاوزونه بعلاقة هاتفية؟ وهكذا يتحول الفساد من ممارسة يمارسها بعض الناس إلى ثقافة يتعلمها الجميع.والأكثر غرابة أن المجتمع نفسه يشارك في إعادة إنتاج هذه الثقافة.كثيرون يلعنون الواسطة عندما تكون ضدهم، ثم يبحثون عنها عندما تصبح في مصلحتهم.الرجل الذي يتحدث عن العدالة قد يتصل بمسؤول من أجل توظيف ابنه.
والذي يشتكي من المحسوبية قد يطلب من قريب له أن يتوسط له.والذي يهاجم الفساد قد يعتبر تدخله لإنقاذ أحد أفراد عائلته خدمة.تصبح المشكلة أعمق من الحكومة.نحن أمام مجتمع يستطيع أن يرفض الفساد بالكلام، ثم يعيد إنتاجه بالفعل.وهذا هو الوجه الأكثر قسوة للمشكلة.الدولة ليست بريئة، لكنها ليست وحدها المسؤولة.هناك نخب سياسية وإدارية واقتصادية تستفيد من هذه البيئة، لأن الواسطة تمنحها سلطة لا توفرها المؤسسات وحدها. عندما تصبح الوظيفة العامة وسيلة لمكافأة الموالين، يتحول الموظف من خادم للمؤسسة إلى مدين بالولاء للشخص الذي جاء به.وبذلك يصبح المسؤول أهم من المؤسسة، والعلاقة أهم من القانون، والولاء أهم من الكفاءة.وتبدأ الدولة في التحول من مؤسسة عامة إلى شبكة مصالح. والأمر لا يتوقف عند السياسة.في بعض المجتمعات العربية، تتداخل الواسطة مع العائلة والقبيلة والمكانة الاجتماعية والثروة. فيصبح ابن الأسرة المعروفة أكثر قدرة على الوصول إلى الفرص من شاب لا يملك سوى شهادته.و تظهر طبقة جديدة من عدم المساواة.ليست المشكلة أن الناس يولدون بقدرات مختلفة فقط، بل أن بعضهم يولد داخل شبكات اجتماعية تمنحه أبوابا لا يراها الآخرون أصلا.فتصبح الشهادة واحدة، لكن نقطة البداية ليست واحدة.شاب يملك شهادة جامعية ووالدا لا يعرف أحدا.وشاب آخر يملك الشهادة نفسها، لكنه يعرف مسؤولين ومديرين ورجال أعمال.كلاهما يدخل سوق العمل، لكنهما لا يدخلان من الباب نفسه.
هذه ليست منافسة عادلة.والأخطر أن المجتمع قد يقلب المعايير الأخلاقية نفسها.صاحب الكفاءة الذي ينتظر الإعلان الرسمي عن الوظيفة يصبح ساذجا.والذي يعرف الطريق المختصر يصبح شطرا.ومن يرفض دفع المال للحصول على فرصة يوصف بأنه لا يعرف كيف يتصرف.ومن يستخدم علاقاته للحصول على الوظيفة يصبح يعرف الناس.وهكذا تتحول الرذيلة إلى مهارة اجتماعية، ويتحول الالتزام بالقانون إلى غباء عملي.هذه لحظة خطيرة في حياة أي مجتمع.لأن المجتمع لا يفسد عندما يسرق شخص المال فقط، بل عندما يبدأ في تغيير تعريفه للنجاح.إذا أصبح النجاح مرتبطا بمن تعرف، فسوف يتعلم الأطفال منذ الصغر أن بناء العلاقات أهم من بناء الشخصية.وإذا أصبح الحصول على الوظيفة مرتبطا بالواسطة، فسوف يتحول التعليم تدريجيا إلى ورقة مطلوبة لإكمال الملف، لا إلى وسيلة لبناء الإنسان.وعلينا أن نسأل سؤالا آخر: ماذا فعل التعليم لقد دفعت أجيال كاملة سنوات من عمرها للحصول على شهادات جامعية، بينما لم تنجح كثير من أنظمة التعليم في بناء صلة حقيقية بين الجامعة وسوق العمل. وتناقش مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومنظمة العمل الدولية مشكلات بطالة الشباب، وعدم تكافؤ الفرص، والفجوة بين المهارات التي يكتسبها الخريجون والفرص المتاحة لهم.لكن ضعف التعليم لا يمكن أن يكون مبررا للواسطة.إذا كان الخريج غير مؤهل، فهناك امتحان مهني.إذا كان غير مناسب للوظيفة، فهناك مقابلة.إذا كان شخص آخر أكثر كفاءة، فليحصل عليها.أما أن يتحول اسم العائلة أو رقم الهاتف أو علاقة المسؤول إلى معيار للتوظيف، فهذه ليست إدارة للكفاءات، بل إلغاء لها.ثم تأتي الهجرة.نحن كثيرا ما نسأل: لماذا يريد الشباب العربي الهجرة؟ نجيب عن السؤال بالرواتب المنخفضة، والبطالة، والرغبة في حياة أفضل.لكن هناك سؤالا آخر أقل راحة ماذا لو كان بعض الشباب لا يهرب من الفقر فقط، بل من الشعور بأن النظام الاجتماعي لا يراه؟ الكفاءة التي لا تجد مكانا في بلدها تبدأ في البحث عن مكان آخر.الطبيب يبحث عن مستشفى يحترم تخصصه.المهندس يبحث عن سوق يحتاج إلى مهاراته.الأكاديمي يبحث عن جامعة تمنحه مساحة للعمل.والصحفي يبحث عن بيئة تسمح له بممارسة مهنته.والشاب الذي أمضى سنوات في الجامعة يريد شيئا بسيطا: أن تكون لديه فرصة حقيقية دون أن يضطر إلى سؤال أحد عن واسطة.الهجرة في هذه الحالة ليست دائما حبا في الخارج، كما يحب بعض الخطاب العام أن يصورها. أحيانا تكون نتيجة طبيعية لشعور الإنسان بأن الأبواب مغلقة في وجهه داخل المكان الذي ينتمي إليه.لكن لا ينبغي أيضا أن نختزل الهجرة كلها في الواسطة. هناك أسباب اقتصادية وسياسية وأمنية وتعليمية متعددة تختلف من بلد إلى آخر.
المشكلة إذن ليست في الشهادة.وليست في المواطن وحده. وليست حتى في الواسطة باعتبارها سلوكا فرديا.المشكلة في البيئة التي تجعل الواسطة أكثر فاعلية من القانون.عندما يصبح القانون قويا، تقل الحاجة إلى العلاقات.وعندما تصبح إجراءات التوظيف شفافة، يصبح الاتصال بالمسؤول أقل أهمية.وعندما تكون الوظائف معلنة، ومعايير الاختيار واضحة، والامتحانات موحدة، والمقابلات موثقة، وآليات الشكوى فعالة، يصبح من الصعب تحويل الوظيفة إلى هدية شخصية.
لهذا فإن محاربة الواسطة ليست حملة أخلاقية ضد المواطنين.إنها مشروع لإعادة بناء الدولة.الدولة التي تريد أن تنهي الواسطة عليها أن تبدأ من التوظيف العام: إعلانات واضحة، معايير معلنة، اختبارات موحدة، لجان مستقلة، تضارب مصالح معلن، رقابة، رقمنة، وإمكانية حقيقية للطعن في قرارات التوظيف.وعليها أن تجعل الوظيفة العامة حقا تنافسيا لا مكافأة سياسية أو عائلية.وفي الوقت نفسه، يحتاج المجتمع إلى مراجعة علاقته بالواسطة.
ليس كل تدخل اجتماعي واسطة فاسدة. مساعدة شخص على الوصول إلى معلومة أو فرصة معلنة تختلف عن تجاوز القانون لإقصاء شخص أكثر كفاءة.المشكلة تبدأ عندما يصبح التدخل الشخصي بديلا عن الاستحقاق.و يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا.لا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تقول إن القانون جيد عندما يخدمنا، والواسطة جيدة عندما تنقذنا.الدولة الحديثة تبدأ من فكرة بسيطة وقاسية أن يكون الإنسان قادرا على الوصول إلى حقه دون أن يعرف أحدا.أن يحصل الطبيب على وظيفته لأنه طبيب.والمهندس لأنه مهندس والمعلم لأنه معلم والباحث لأنه باحث والصحفي لأنه يمتلك أدوات الصحافة.لا لأنه يعرف فلانا. فالواسطة لا تسرق الوظائف فقط إنها تسرق معنى الاجتهاد وعندما يفقد الإنسان إيمانه بأن اجتهاده يمكن أن يغير حياته، يصبح المجتمع أمام جيل لا يكره العمل، بل يكره لعبة يعرف مسبقا أن قواعدها ليست عادلة ويصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يبحث العربي عن واسطة؟ بل لماذا بنينا له مجتمعا جعله يعتقد أن الشهادة وحدها لا تكفي؟.