فضاء حر

لم أنسَ الكتاب والكتابة

يمنات

رحمان صالح

في دار الاوبرا بالامس، كنت استعيد نفسي اكثر مما ازور مكانا. ذهبت الى معرض بصمات يمنية، حيث شاركت زوجتي بلوحتين، لكن الزيارة تحولت الى ما يشبه الوقوف امام مرآة زمنية طويلة.

دار الاوبرا المصرية ليست مجرد مبنى ثقافي بالنسبة لي، بل ذاكرة حية تمتد لاكثر من عشرين عاما؛ حضرت فيها فعاليات، استمعت الى حفلات موسيقية، وجلست تحت اشجارها احتسي الشاي واقرا ما تبقى من كتاب اقتنيته من احد المعارض، كأن المكان يعرفني كما اعرفه.

في تلك البقعة التي تمتزج فيها الروح بالجمال، التقيت اصدقاء يشبهون البهجة في وطن اخر، يشبهون اليقين وسط هذا العالم المرتبك. اولهم كان الفنان والكاتب المبدع زكريا الدهوه . لم يحتج الى كثير من الكلام، قالها بعينيه قبل شفتيه: لم تأخذ حقك بعد. قرأ عيني جيدا، وقرأ افكاري، فقلت له بهدوء: مجرد وقت يا صديقي. احيانا يكفي ان يشعر بك من يحس بك، دون حاجة الى تبرير او دفاع.

ثم جاء محمد الصلوي الانسان الجميل ببشاشته المعتادة وروحه المرحة. تحدثنا عن علاقتي بدار الاوبرا، رويت له بعض القصص القديمة، وكان يصغي بانتباه نادر. التفت حوله وقال: لم تأخذ حقك بعد. مرة اخرى، لم ارد. بعض الاجابات لا تحتاج الى نطق، وبعض الصمت يكون اصدق من اي شرح.

لاحقا التقيت بصديقي وصديق الجميع، الانسان المهذب والاعلامي البارز عمار المعلم . دار بيننا حديث قصير لكنه مثقل بالاسئلة. قال لي: عبد الرحمن، كنت مشهورا، كنت حاضرا، كان لاسمك صدى هنا وهناك. لماذا هذا التوقف؟ لماذا هذا الغياب؟

اجبته بهدوء لا يخلو من مرارة: لست انا السبب يا عمار. هذه المتغيرات، وهذه الاحداث، لم اكن سببا فيها، ولم تكن بيدي. لم اكن مستعدا لمواجهتها. كنت مع كتابي، وقلمي، وكاميرتي، وعملي في الميدان، وبرفقة قلة تؤمن بالافلام والكتابة. انجزت اعمالا كثيرة في صنعاء وخارجها، في الريف والجبل، في كل مكان تقريبا، وحرصت ان احافظ على صورتي وما اكتب في بعض الصحف، بحثا عما كنت اريد الوصول اليه.

ثم جاءت الحرب. والاسوأ من الحرب لم يكن دمارها فقط، بل اختفاء من كنا نعدهم قدوة. اولئك الذين ساعدتهم وساندتهم يوما، وكنت لهم يدا في اوقات كثيرة. حين كنت مشهورا كما تقول، كان لي نمط حياة، وكان لي دخل جيد ، وكنت اخصص ما يقارب ثلاثين بالمئة منه لاصدقاء كثيرين، اعلاميين وادباء وكتابا. لا اقول هذا معايرة، ولا تشفيا، ولا ندما.

حين اختفيت، حين لم اعد قادرا على اكمال ما بدأت، لم يسألني احد. هربت من الحرب بعد مطاردات وتهديدات مباشرة، لا لانني سياسي بارز، ولا لانني صاحب منظمة او مبادرة، بل لان لي موقفا واضحا. كان بإمكاني ان استفيد من هذا الموقف او ذاك، لكنني اخترت غير ذلك، ومع ذلك لاحقني وابل من التهديدات ومحاولات اختطاف وافعال لا اريد استعادتها.

كل ما تمنيت حينها ان انجو بعائلتي. خرجت من اليمن الذي احبه واعشقه، اليمن الذي لا يغيب عن ذاكرتي ليلا ولا نهارا. وفي مصر، لم اجد الا مصر. دخلت الى دفئها وحضنها كما فعلت سابقا حين درست فيها دون منحة ودون دخل، لكنها احتضنتني كواحد من ابنائها. احتفى بي المصريون بكل كلمة قلتها، وبكل رؤية طرحتها.

هنا، تعبت من البحث في مهنتي الحقيقية، قنوات يمنية أوصدت أبوابها لذلك اخترت عملا بعيدا عن الصخب والمجاملات والمعايير الزائفة. سعيت فقط الى حياة بسيطة كريمة لاسرتي، بلا خوف . ومع ذلك، لم انس الكتاب، ولم انس الكتابة. اصدرت اربعة كتب للطباعة، وما زال لدي الكثير من المخطوطات المؤجلة.

يكفيني انكم سألتم، وانكم احسستم بما انا عليه. اما البقية، فهي تأتي دائما في وقتها.

زر الذهاب إلى الأعلى