فضاء حر

مقابلة عمل… أم مسرحية إدارية؟

يمنات

وليد سند

ذهبتُ إلى المقابلة كما يذهب المؤمن إلى صلاته الأولى: بثياب الأمل، وقلبٍ مغسول بالانتظار. رتبتُ سيرتي الذاتية كما يُرتّب المحتضر وصاياه الأخيرة، حفظتُ الإجابات المتوقعة، وأعدتُ ابتسامتي عشرات المرات أمام المرآة، لا لأبدو جديرًا بحلمٍ بسيط: فرصة عادلة.

دخلتُ المبنى، فوجدتُ كل شيء يلمع إلا الحقيقة. موظفو الاستقبال يبتسمون ببرودٍ مُدرَّب، غرفة المقابلات مُهيأة، الكراسي مصطفّة، والأسئلة جاهزة. كل شيء يوحي بأن العدالة هنا إجراء، وأن الكفاءة معيار، وأن الوقت مُقدّس.

لكنني خرجتُ لاحقًا لأكتشف أنني لم أكن متقدمًا لوظيفة… بل ممثلًا إضافيًا في مسرحية إدارية رديئة الإخراج.

اكتشفتُ أن الموظف قد اختير سلفًا. الاسم معروف، والملف مُوقَّع، والقرار مُتخذ. أما المقابلات؟ فكانت مجرد ديكور أخلاقي، ومساحيق شفافية، وورقة توت تستر عورة المحسوبية.

ساعتها فقط فهمتُ لماذا كانت الأسئلة بلا روح، ولماذا لم يُنصَت لإجاباتي، ولماذا كان يقاطعني عند كل إجابة ولم أكمل بعد، ينظر إلى الساعة أكثر مما ينظر إليّ، يسألني خارج إطار المهنة والعمل والوظيفة، يتهم إجاباتي بالكاذبة..
أدركتُ أنني لم أكن مشروع إنسان… كنتُ إجراءً على ورقة.

أيها السادة في الشركات والمصانع والمؤسسات: حين تستدعون الناس إلى مقابلات تعلمون مسبقًا أنها بلا معنى، فأنتم لا تهدرون وقتهم فقط، بل تهدرون كرامتهم أيضًا. الوقت ليس فراغًا يُملأ، والجهد ليس ورقًا يُرمى، والناس ليسوا صورًا تُعلَّق لتحسين سمعة شركة.

هل تعلمون ماذا يعني أن يقطع إنسان عشرات الكيلومترات؟ أن يستدين أجرة المواصلات؟ أن يترك عملًا مؤقتًا؟ أن يؤجل التزامات أسرية؟ فقط ليجلس أمام لجنة تعلم أنه خاسر قبل أن يتكلم؟

هذا ليس إجراءً إداريًا. هذا عنف ناعم. قهر بلا دم، يترك كدمات في الداخل.

تقولون: نفعل ذلك من باب الشفافية. لاااااااا. الشفافية لا تكون بتمثيل النزاهة، ولكن بممارستها. الشفافية لا تعني أن تفتحوا الباب ثم تدفعوا الناس إلى الجدار.

إن أسوأ ما في هذه الممارسة هو تطبيع الكذب. أن يصبح الخداع جزءًا من الروتين، وأن يتحول الإنسان إلى بند في جدول علاقات عامة.

أنا هنا أكتب بدافع الغضب وبدافع الخيبة وبلسان كل باحث عن عمل وعن فرصة عادلة يستحقها، اكتشف أن أحلامه كانت تُستعمل كإكسسوار.

يا سادة،
إن كنتم قد اخترتم موظفكم مسبقًا، فكونوا شجعان. أغلقوا الإعلان. لا تستدعوا الناس. لا تبيعوا الوهم باسم الفرص.

فالوظائف قد تُمنَح، نعم.. لكن الكرامة لا يجب أن تُستدرَج أو تُختبر.

هذا المقالة ليست شكوى شخصية، ولكنها شهادة شاهد عيان.. وأقولها بوضوح: الشركة التي تكذب في أول لقاء، ستكذب في كل ما بعده.

أما نحن… فسنظل نبحث عن مكانٍ لا يطلب منا أن نمثل دور الإنسان، وإنما يعترف بنا كذلك.

زر الذهاب إلى الأعلى