فضاء حر

صالح هبرة حكيم في زمن الضجيج وصوت العقل في مفترق الطرق والسياسي

يمنات

د. ربيع شاكر المهدي

صالح هبره وما أدراك ماهو؟ ومن هو صالح هبره؟ .. انموذجاً سياسياً في زمن الانهيار القيمي .. وهو رئيس المكتب السياسي السابق للإخوة أنصا.ر. الله .. سياسي ودبلوماسي محنك كان أحد أهم أعمدة الحوار الوطني في مؤتمر الحوار 2013-2014 حيث كان نائبا لرئيس المؤتمر الوطني وعضوا في هيئة رئاسته لعب أدوارا مهمة ومحورية في التفاوض مع مختلف القوى السياسية بكل نزاهة شخصية تقدر الفكر والعقول وتبحث عن المشترك الإنساني بعيداً عن صراعات السياسة. ​

لقد ظل هبرة صوتاً للاعتدال والوسطية حيث قاد العديد من لجان الوساطة خلال الحروب الست وكان الموقّع على اتفاقية الدوحة للسلام عام 2008 وبرأيي بأنه كان مهندس التوافقات في أصعب الظروف وأحلكها بل ومدرسة سياسية تؤمن بالحوار والسلام .. حتى خصومته فيها رقي قيادي يمتلك أخلاق الفرسان في السياسة وهو ما يفتقده الواقع الحالي .. حكيم متزن يزن الكلمات ولا يندفع وراء العواطف ومن أكثر الشخصيات حرصا على النسيج المجتمعي بالأفعال وليس الأقوال.

وجدتُه رجلاً يسكنه همّ الوطن يمتلك بصيرة السياسي المحنك وعمق الحكيم الذي يقرأ ما بين السطور وفراسة يعرف بها معادن الرجال ويثبت أن السياسة يمكن أن تكون أخلاقاً قبل أن تكون صراعاً .. إنه بحق شخصية تجبرك على احترامها.

وقد يتساءل البعض من المتابعين المتفحصين وهم كثر هل هذا المقال انحياز لشخصه أم لموقف أم مجاملة؟ والحقيقة أن الإنصاف التاريخي يوجب علي أن أؤكد بأنني لا أمجد فرداً لذاته بل أسلط الضوء على ظاهرة المراجعة والاتزان التي جسدها صالج هبرة في أنقى صورها كقراءة شخصية أقولها بكل مصداقية وأنا هنا لا أقدمه كمنزهٍ عن الخطأ فالسياسة بشرية بطبعها ولكنني أقدمه انموذجا للسياسي الإنسان فقد قرأت فيه قدرة السياسي على نقد الذات والعودة إلى المبادئ وهي خصلة لا يمتلكها إلا الكبار الذين يدركون أن التاريخ لا يرحم والمواقف هي التي تبقى.
هناك من يرى في السلطة غايةً تبرر كل وسيلة وهناك من يراها وسيلةً تختبر معدن الإنسان.

صالح هبرة اختار الاختبار الأصعب أن يبقى إنساناً وسط غابة من الحسابات المعقدة ففلسفته تقوم على أن الجلوس على رصيف الحق خير من الوقوف على أي رصيف سلبي آخر ففطرته السياسية هي العدل كغاية والحوار كسبيل والإنسان كمركز .

صالح هبرة ليس فقط مجرد سياسي ودبلوماسي يمني بل هو شخصية تثبت للعالم أن الانتماء للقضية لا يعني إلغاء العقل وأن الولاء الحقيقي للمبادئ يتطلب الشجاعة والعودة للذات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في عالمٍ بات يقدس النتائج على حساب القيم .

فلسفته التي تلمستُها فيه حقيقة تعيد الاعتبار للميزان المفقود ميزان الحق مقابل القوة هو يعلمنا أن السياسي الحكيم هو الذي يرفض أن يكون ترساً في آلة صماء ويصر على أن يظل قلباً ينبض بالعدالة مهما كلفه ذلك فالقادة الملهمين أمثال هبره يُقاسون بحجم تواضعهم وفكرهم المستنير فهو يمارس دبلوماسية الروح وهذا نادر في زمن المتناقضات هذا السلوك يعكس قناعة بأن الفكر هو العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها وأن الحوار الإنساني العابر للحدود هو السبيل الوحيد لترميم شروخ العالم.

صالح هبرة في جوهره ليس مجرد سيرة سياسي بل هي تذكير كوني بأن الإنسان هو الموقف فالأوطان لا تُبنى فقط بالخرائط والحدود بل بالقلوب والعقول التي ترفض أن تضل ففي هذا العالم المتسارع نحو الانقسام نحتاج إلى شجاعة الاتزان أكثر من حاجتنا لشجاعة الاندفاع فالضوء الذي يحمله الحكماء في صمتهم أقوى من كل النيران التي يشعلها الغوغاء في ضجيجهم .

فالاتزان لديه لم يكن مجرد شعار بل كان آلية عمل فهو يرى أن الحل لا يكمن في إلغاء الآخر بل في البحث عن نقطة التوازن التي تسمح للجميع بالبقاء وبرأيي هذا هو أرقى أنواع الاتزان ​ففي أصعب لحظات الحروب كان هو رجل الإطفاء الذي مارس الاتزان من خلال رفض الانجرار وراء ردود الأفعال العاطفية حيث كان يحافظ على برودة أعصابه في التفاوض ليس كمراوغة بل كإيمان بأن الغضب هو عدو القرار الصحيح وأن مأسسة العمل السياسي وبناء الدولة هو أساس التقدم والإزدهار وهذا هو الاختبار الحقيقي للاتزان فعندما كان الآخرون يبنون الجدران كان يبني هو جسور المحبة مؤثراً حماية النسيج الوطني على بريق المكاسب الآنية .

فسلامٌ على الذين إذا تكلموا أناروا وإذا صمتوا أشاروا وإذا مَسّت كرامة أوطانهم استقاموا كمنارات الشطآن البعيدة لا تكسرها الأمواج العاتية ولا يطفئ ضياءها أي جفاف فتظل شاخصةً لترشد التائهين حين تضل بهم السبل في ليل الفتن .

في ختام حديثي عن هذه القامة الوطنية لا يسعني إلا أن أزجي له وافر الشكر والتقدير وأتمنى له دوام الصحة والسكينة والعمر المديد حافلا بالعطاء ليكون هو ومن على نهجه حجر الزاوية في بناء يمنٍ يتسع لجميع أبنائه تسوده العدالة ويحرسه السلام صوتاً للحكمة لا يخبو ومنارةً تهتدي بها الأجيال حين تضل بهم السبل فاليمن في أمسِّ الحاجة اليوم لقلبه النقي وعقله الوازن فهو رجل عركته السياسة ولم تفسده وتجربة أعتبرها دعوة صريحة لكل المشتغلين بالشأن العام بأن يضعوا الإنسان والوطن فوق كل اعتبار فنحن أحوج اليوم إليه أكثر من أي وقت مضى وأن نستلهم من اتزانه دروساً في التعايش ومن صمته مواقف في النزاهة ومن حديثه خارطة طريق سلامٍ حقيقي يبدأ باحترام العقل وتقدير الكلمة الصادقة فهو يدرك أن الكلمة هي الرصاصة الوحيدة التي لا تقتل بل تحيي الأمل وأن السياسي الحقيقي هو الذي يرى في الآخر شريكاً في الحقيقة لا خصماً في الوجود .

إن استشراف مستقبل اليمن المتعطش للاستقرار يضعنا أمام حقيقة لا تقبل التأويل وهي أن نماذج العقل والاتزان كالأستاذ صالح هبرة ليست مجرد خيار سياسي فقط بل هي حتمية وطنية للمرحلة القادمة ففي اللحظة التي ستتوقف فيها المدافع ويبدأ اليمنيون برحلة البحث عن المشتركات لن يجدوا بداً من العودة إلى مدرسة هبرة السياسية تلك المدرسة التي تؤمن بأن الحلول لا تُصنع في ثكنات الغلبة بل في غرف التفاوض التي تُحترم فيها كرامة الجميع فالمستقبل يهمس لنا بأن عهد الضجيج سيخبو وأن الأوطان التي أنهكتها الانقسامات لن يبنيها إلا رجال الجسور الذين حافظوا على طهارة أيديهم ونقاء عقولهم من داء التعصب فصالح هبرة باتزانه وحكمته وحنكته يمثل الاحتياطي الاستراتيجي للحكمة اليمانية التي نحتاجها لترميم ما أفسدته سنوات التيه .

زر الذهاب إلى الأعلى