يمنات
منال هاني*
تخيّل مرآةً سحرية: تقف أمامها، ترى صورتك كما تحب أن يراك العالم. ابتسامة مثالية، حياة مليئة بالإنجازات، آراء جريئة لا تخشى أحدًا. ثم تدير ظهرك للمرآة وتعود إلى الواقع… فتجد نفسك تعيش وهما اجتماعيا تحكمه المجاملات والمظاهر!
هذه هي الصورة والانعكاس في عصرنا؛ صورة نرسمها بالأزرار على الشاشة ونفلترها بقوالب معدة مسبقا، وانعكاس حقيقي نعيشه خلف الأبواب المغلقة.
فأين نحن على حقيقتنا أكثر؟ وهل التواصل الاجتماعي حرية أم قيد نضع أنفسنا فيه بأيدينا؟
(الوجهان اللذان نعيشهما)
في المنشورات العامة نكتب ما يليق بنا: صور مفلترة، اقتباسات ملهمة، آراء «جريئة» لكن محسوبة. وفي المراسلات الخاصة نكتب ما نشعر به فعلاً: غضب، حزن، سخرية، أحلام لم نجرؤ على الجهر بها.
أما في الواقع… فنحن شخص ثالث. نبتسم لمن لا نحبه، نمدح ما لا نؤمن به، ونخفي آراءنا خوفًا من نظرة المجتمع أو تعليق الجار أو حتى صمت الأهل…
إذن، أين الحقيقة؟.
هل في الصورة الرقمية التي نتحكم فيها تمامًا؟ أم في الانعكاس الواقعي الذي نضطر فيه للمجاملات والشكليات؟
(الحرية التي تُوهمنا بها الشاشة)
التواصل الاجتماعي يمنحنا شيئًا لم يكن متاحًا من قبل: الظهور دون خوف… لا يرانا أحد وجهًا لوجه، لا يحكم علينا صوتنا أو مظهرنا اليومي، ولا ينتظر منا ردود الفعل الفورية.
فنكتب رأينا في قضية سياسية أو اجتماعية أو حتى شخصية بكل صراحة. نعبر عن أفكار كنا نكتمها في المجالس العائلية أو في مكان العمل.
هنا يصبح التواصل الاجتماعي حرية حقيقية – حرية التعبير عن الذات دون قيود المجتمع التقليدية.
لكن هذه الحرية لها وجه آخر… نستطيع أن نكذب، أن نبالغ، أن نختار أجمل الصور وأكثرها إثارة، نبني شخصية مثالية: الأم المثالية، الموظف الناجح، المفكر العميق، المغامر الذي لا ينا
وننسى أن هذه الصورة ليست كاملة، بل انعكاسًا مختارًا وربما حاجة داخلنا أو رغبة زرعها فينا وهم القبول الافتراضي!
نحن لا ننشر صورة اللحظات التي نبكي فيها، أو نعترف بفشلنا، أو نكشف عن ضعفنا.
والنتيجة أننا نعيش ازدواجية: خارج الشاشة نحن بشر عاديون… وعلى الشاشة نحن نسخة مُحسّنة، مُصفاة، مُزيّفة أحيانًا.
فأين تكمن الفجوة؟.
الفجوة ليست بين «شخصيتين» منفصلتين، بل بين الصورة والانعكاس نفسهما.
الصورة (التواصل الاجتماعي) تسمح لنا بأن نكون أكثر جرأة وصدقًا في بعض الأحيان، لأنها تُبعد عنا الخوف المباشر.
والانعكاس (الواقع) يجبرنا على أن نكون أكثر توازنًا ومسؤولية، لأنه يضعنا أمام عيون الناس مباشرة.
لكن هذه الفجوة تتسع عندما:
نصبح أكثر راحة في الكتابة خلف الشاشة مما نحن عليه في الحديث وجهًا لوجه.
نفقد القدرة على التعبير عن مشاعرنا في الواقع لأننا اعتدنا على «إيموجي» أو «ستوري» يقول كل شيء.
نُحكم على الآخرين من خلال صورتهم الرقمية، ثم نفاجأ عندما نلتقي بهم في الواقع أنهم مختلفون تمامًا.
هل الوجهان هما الشخصية وانعكاسها؟
نعم… لكن الانعكاس في مرآة التواصل الاجتماعي ليس دائمًا صادقًا، ولا الواقع دائمًا قاسيًا.
كلاهما جزء منا.
المشكلة ليست في وجود الوجهين، بل في أن نعتقد أن أحدهما هو «الحقيقي» والآخر «مزيف».
هل التواصل الاجتماعي حرية أم قيد؟ في الحقيقة هو كلاهما في الوقت نفسه: حرية لأنه يتيح لنا أن نقول ما لا نستطيع قوله في المجتمع التقليدي… وقيد لأننا نصبح أسرى «الإعجاب» و«التعليقات» و«الصورة المثالية».
نحبس أنفسنا داخل قوالب نعتقد أنها تجعلنا مقبولين: ننشر ما يُعجب، نكتم ما يُنفر، نغير رأينا حسب الترند.
والنتيجة المفارقة أنه كلما زادت «حريتنا» الرقمية، زاد شعورنا بالوحدة في الواقع ، لأننا نعطي الناس نسخة غير كاملة من أنفسنا، فيحبون الصورة… ولا يعرفون الشخص.
الرابط المفقود… وكيف نبنيه؟
الرابط لا يبدأ بإلغاء أحدهما، بل بتوحيدهما.
ابدأ بأن تكون أنت نفسك في مكان واحد على الأقل:
اكتب منشورًا صادقًا دون فلتر، قل في الواقع ما تكتبه في الخاص، شارك ضعفك كما تشارك قوتك.
عندما نربط بين الصورة والانعكاس، نكتشف أن الشخصية الحقيقية ليست واحدة منهما، بل التوازن بينهما.
التواصل الاجتماعي ليس سجنًا ولا جنة؛ هو مرآة. والمرآة لا تكذب… لكنها تعكس فقط ما نضعه أمامها.
في النهاية، السؤال ليس «أين نحن على حقيقتنا؟»
السؤال الحقيقي:
هل نجرؤ أن نجعل الصورة والانعكاس وجهًا واحدًا؟
* كاتبة وباحثة | سورية







