فضاء حر

اليمن بين انكماش الدولة وتعدد مراكز السلطة: قراءة في بنية غير مستقرة

يمنات

عبد الله الحريبي

إن مقاربة الحالة اليمنية، إذا أُريد لها أن تتجاوز السطح السياسي المباشر، تستدعي تفكيكاً لمفهوم “الدولة” ذاته قبل الحديث عن مستقبلها. فالمسألة لا تتعلق بخرائط السيطرة، أو بتبدل موازين القوة منذ اندلاع الحرب، بل تتصل بتحول أعمق يمس البنية التي كانت تُنتج معنى الدولة في التجربة اليمنية الحديثة.

فالدولة، في تصورها الكلاسيكي، ليست مجرد سلطة تُمارس، بل هي وحدة رمزية تعيد إنتاج المجتمع ضمن مركز معرفي وسياسي واحد. غير أن ما حدث في اليمن هو اهتزاز هذا المركز إلى درجة لم يعد معها قادراً على احتواء التعدد، ولا على فرض معنى موحد للسيادة. وهكذا، لم يعد التفتت مجرد نتيجة للصراع، بل أصبح جزءاً من شروط اشتغال الواقع السياسي نفسه.

في هذا السياق، يظهر الشمال بوصفه مجالاً أعاد فيه الحوثيون تشكيل فكرة السلطة على نحو يميل إلى المركزية الصارمة، مع بنية تنظيمية وعقائدية متماسكة، وامتداد إقليمي مع إيران. غير أن هذا المركز البديل، رغم صلابته الظاهرة، لا يستند إلى مشروع دولة حديثة بقدر ما يستند إلى منطق “التمركز حول الذات”، حيث تُختزل الدولة في وحدة السلطة، لا في تعددية المجتمع.

أما الجنوب، فإن ما يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد قوة سياسية في حالة صعود أو تراجع. صحيح أن حضوره شهد في الآونة الأخيرة نوعاً من الانكماش النسبي في فاعليته مقارنة بمرحلة التوسع الأولى، إلا أن هذا الانكماش لا يعني التلاشي، بل يعكس انتقاله من منطق التعبئة الشاملة إلى منطق التموقع داخل شبكة قوى جنوبية وإقليمية أوسع، تتداخل فيها علاقته مع الإمارات العربية المتحدة. وهو بذلك لا يزال فاعلاً مركزياً، لكن ضمن حدود أقل اتساعاً وأكثر تركيباً.

وفي مقابل ذلك، تبدو الحكومة المعترف بها دولياً وكأنها تمثل “أثر الدولة” أكثر من كونها دولة قائمة؛ أي إنها استمرار رمزي لفكرة السيادة في الوعي الدولي، في حين أن قدرتها على الفعل الفعلي داخل الجغرافيا اليمنية تتآكل باستمرار. وهنا يتجلى انفصال حاد بين الشرعية كتصور قانوني، والشرعية كقوة فعلية.

أما الفاعل الإقليمي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، فقد انتقل في تعاطيه مع اليمن من منطق الحسم إلى منطق الإدارة. فلم يعد الهدف إعادة تشكيل الدولة اليمنية بقدر ما أصبح ضبط حدود الفوضى، ومنع تحولها إلى تهديد إقليمي مفتوح. هذا التحول يعكس إدراكاً ضمنياً بأن مشروع الدولة الموحدة لم يعد قابلاً للاستعادة بسهولة، وأن الممكن الواقعي هو إدارة التعدد، لا تجاوزه.

في هذا المشهد المركب، لا يظهر اليمن كدولة منقسمة فحسب، بل كبنية سياسية متعددة الطبقات، تتعايش فيها سلطات مختلفة دون اندماج حقيقي، ودون قطيعة نهائية أيضاً. أي إنها حالة لا تشكل وحدة مكتملة ولا انقساماً نهائياً، بل صيغة وسطى تتأسس على توازنات دقيقة بين قوى لا تملك القدرة على الحسم، لكنها تملك القدرة على البقاء.

غير أن هذه الصيغة، رغم قابليتها للاستمرار، ليست مستقرة بالمعنى البنيوي؛ فهي تعتمد على شبكة من التوازنات الإقليمية المتحركة بين إيران والمملكة العربية السعودية، كما تعتمد على قدرة الأطراف المحلية على إعادة إنتاج توازناتها الداخلية دون انهيار شامل. ولذلك، فإن استمراريتها ليست ضماناً للاستقرار، بل تعبيراً عن تأجيل دائم للحسم.

من هنا، يمكن القول إن مستقبل اليمن، في أفقه القريب والمتوسط، لا يتجه نحو إعادة إنتاج الدولة المركزية، ولا نحو الانفصال الصريح، بل نحو ترسيخ بنية هجينة: تتعدد فيها السلطات داخل إطار اسمي واحد، حيث تتراجع الدولة كجهاز سيادة، وتبرز كإطار تنسيق هش بين مراكز قوة متجاورة.

إن الإشكال الحقيقي في هذا السياق لا يكمن في شكل الدولة فقط، بل في تحول مفهومها ذاته. فحين تفقد الدولة مركزها الحاسم، وتصبح مجرد تقاطع توازنات، فإن السؤال لا يعود: كيف يُعاد بناؤها؟ بل: ما الذي تبقى منها كي يُعاد بناؤه أصلاً؟

وهكذا، فإن اليمن لا يبدو متجهاً نحو نهاية واضحة، بل نحو حالة من الاستمرار غير المكتمل؛ استمرار يتغذى على عجز الحسم، ويعيد إنتاج نفسه كلما اقترب من لحظة التحول الحاسم، دون أن يبلغها.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.