شراكة الضرورة تمت تحت القصف… إلى أين؟

يمنات
فيصل بن أمين أبو راس*
بعد أن امتد القصف وطال استهداف البنى المدنية، وتعرضت للتدمير الطرق والجسور والموانئ والمطارات المدنية، والمصانع والمنشآت الاقتصادية، والمدارس والمستشفيات والأحياء السكنية والأسواق، وشبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، والمواقع الأثرية والتاريخية، والمزارع والمعاهد المهنية، وسقط الأطفال والنساء والسكان الآمنون الأبرياء؛ جاء اتفاق الضرورة بين المؤتمر الشعبي العام وقائد أنصار الله، وتشكيل المجلس السياسي الأعلى، على أسس وبنود تم الاتفاق عليها، مع الالتزام باحترامها والتقيد بها.
لكن، وكما يقال، فإن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، وظهر ذلك جليًا بعد إخراج علي عبدالله صالح من المشهد، ثم استهداف صالح الصماد، رحمهما الله، وهما عرّابي اتفاق الضرورة، حيث بدأ المشهد يتجه نحو مزيد من الاستحواذ وإحكام السيطرة، الأمر الذي أخرج القطار عن سكته.
وبعد استهداف الصماد، رئيس المجلس السياسي الأعلى، وفي ظل قصف لم يستثنِ الحجر ولا البشر، وحصار أوصل الشعب إلى حافة الحياة والموت، اجتمع المجلس السياسي الأعلى بحضور أعضائه ومشاركة قائد حركة أنصار الله.
وكما نقل إليّ الأخ والصديق سلطان السامعي، أحد أعضاء المجلس، أثناء مجلس نقاش في مركز الدكتور حمود العودي، فقد اقترح أن يتولى رئيس المؤتمر الشعبي العام رئاسة المجلس السياسي الأعلى، وأضاف أن قائد أنصار الله رحّب بالمقترح، إلا أن رئيس المؤتمر اعتذر مبررًا ذلك بظروف صحية.
فعقبت قائلًا: وهل تعتقد، يا أستاذ سلطان، أن رئيس المؤتمر سيقبل أن يكون رئيسًا لمجلسٍ لا يكون الجيش في أمرته، ولا الأمن ولا الاستخبارات، ولا البنك المركزي ولا المالية ولا الإعلام، ولا أيٌّ من أجهزة الدولة؟ مجلس لا يستطيع صرف مرتبات الناس لإطعام أسرهم وأطفالهم، ولا يملك منع إقصاء الموظفين من أعمالهم وإحلال آخرين مكانهم على أساس الانتماء، ولا يستطيع الحد من الإقصاء والاستحواذ على الوظيفة العامة، أو وقف التضييق على رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين وإحلال غيرهم عبر التسهيل والتمكين، ولا يملك إيقاف مصادرة الأملاك والأراضي بما فيها من املاك حزبه بغير حق، أو ان لا يوقف وضع اليد على حقوق الآخرين عبر ليّ ذراع القضاء والتلاعب بأحكامه، بما في ذلك أملاكه وأملاك أسرته؟
هذا كان توقعي وراء عدم القبول من البداية.
واليوم، ها هو صديقي سلطان السامعي يعاني ويُمنع من مكتبه ومن ممارسة مهامه كعضو في المجلس، لا في المكتب ولا حتى خارجه، وأخشى أن يُمنع حتى من الهواء الطلق.
فما هو الخيار المتبقي؟ وهل باتت الوجهة شدّ الرحال إلى عواصم الجوار لا غبر؟ هذا ليس حلًّا بقدر ما هو هروب إلى الأمام.
لا سبيل للنجاة إلا بتقارب من في الداخل، والإسهام الجاد في رفع المعاناة عن هذا الشعب المظلوم والمقهور، والتصالح مع الجوار، وبناء شراكة حقيقية محركها الأخوة والمصير المشترك، وطيّ صفحة الخلافات. فمكوّن واحد، أو طرف واحد، قد يستطيع إغراق السفينة، لكنه يستحيل أن يُبحر بها إلى شاطئ الأمن والاستقرار وحده.
إن وصول سفينة الوطن إلى برّ الأمان لن يتحقق إلا بالجميع، في الداخل ومع الجوار. ولا ضير أن يسهم الجوار، بل وأن يقود، إذا كان يحمل مشاريع متقدمة ورؤى حقيقية تدعم الاستقرار والتنمية. ولكن يبقى السؤال الأهم: أين موقع اليمنيين في هذا المشروع؟ وهل هو مشروع شراكة حقيقية يكون اليمنيون شركاء في صياغته وقيادته، أم مشروع استتباع يُفرض عليهم؟
بين استتباعٍ داخليّ وآخرَ خارجيّ، يظلّ ظلمُ ذوي القربى أشدَّ مرارةً وأعمقَ وجعًا.
* برلماني وسفير سابق
diplomat90@gmail.com