فضاء حر

الإقصاء والتهميش.. خطر يهدد بناء الدولة اليمنية

يمنات

عبد الله التميمي 

يمثل بناء الدولة في اليمن تحدياً معقداً يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي، وتتشابك فيه آثار الحرب مع تراكمات طويلة من ضعف المؤسسات وغياب العدالة في إدارة التنوع. وفي هذا السياق تبرز ثقافة الإقصاء والتهميش كأحد أخطر العوامل التي تعيق تشكل دولة حديثة قائمة على المواطنة والشراكة.

جاء الإسلام بمنهج يقوم على الشورى والعدل واحترام الإنسان، وجعل المشاركة أساساً للحكم وإدارة الشأن العام، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ صدق الله العظيم، كما قرر مبدأ التنوع والتعارف بين البشر بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ صدق الله العظيم. وهو ما يؤسس لفكرة أن التنوع ليس تهديداً للدولة، بل قاعدة من قواعد قوتها واستقرارها.

سياسياً، تقوم الشورى والمشاركة على توسيع قاعدة اتخاذ القرار، وبناء دولة مؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتفعيل الرقابة والمساءلة، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المكونات. فالدولة التي تُدار بمنطق الشراكة لا الغلبة تكون أكثر قدرة على الاستقرار، وأكثر شرعية في نظر مواطنيها.

وفي المقابل، تمثل ثقافة الإقصاء والتهميش خطراً بالغاً على وحدة المجتمع وبناء الدولة، إذ تقوم على احتكار السلطة والثروة وإقصاء الآخر على أساس الاختلاف السياسي أو المذهبي أو المناطقي. وغالباً ما تتجسد هذه الثقافة في أدوات متعددة مثل التخوين، والتحريض الإعلامي، واحتكار القرار، وتهميش الكفاءات، وتعطيل مؤسسات الرقابة، واستمرار الفساد، وتوظيف الإمكانيات والقدرات لفرض رؤية فئة محددة أو تيار معين على المجتمع.

وفي كثير من الحالات، لا تستند هذه الممارسات إلى كفاءة أو خبرة أو مؤهلات حقيقية، بل إلى منطق الولاء والانتماء الضيق، وهو ما أفرز نماذج متعددة أثبتت محدودية الفاعلية والفشل في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها. ومع ذلك، تستمر هذه العقليات في ادعاء امتلاك الحقيقة واحتكار الصواب، مستندة إلى خطاب تعبوي يتغذى على استثمار صبر وصمود وثبات الناس وثقة الشعب بقائد الثورة وصدقه، وحجم تضحياته الوطنية في وجه العدوان الخارجي منذ مارس 2015، خصوصاً في مواجهة التحديات الكبرى، لتبرير استمرار نهج الإقصاء بدل مراجعته.

ويؤدي هذا المسار إلى تشويه قراءة الواقع السياسي والمؤسسي، حيث تُستخدم التضحيات الوطنية كغطاء غير مباشر لاستمرار الفساد والتهميش وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، بدلاً من تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء دولة عادلة تقوم على الشراكة والمواطنة المتساوية.

وقد عانى اليمن خلال العقود الماضية من هذا النهج، إذ تحولت الدولة في فترات متعددة إلى ساحة صراع بين قوى سياسية ومناطقية ومذهبية سعت للسيطرة على مفاصل السلطة والثروة، مع إقصاء واسع لبقية المكونات. وبرزت أنماط من “تقاسم النفوذ” و“إدارة الدولة كغنيمة” بدلاً من بناء مؤسسات وطنية مستقرة.

واليوم، لا تزال بعض مراكز النفوذ تدير الدولة بعقلية ضيقة، لا تؤمن بالشراكة الوطنية ولا تقبل التعدد، وتعتمد على دوائر مغلقة من الولاءات، سواء كانت سياسية أو جغرافية أو أيديولوجية، بما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويلها من إطار جامع إلى أدوات نفوذ جزئية.

كما أن من أخطر مظاهر هذا الواقع استهداف الأصوات الناقدة أو الداعية للإصلاح، عبر حملات تشويه وتخوين وإقصاء، تُدار غالباً عبر أدوات إعلامية وسياسية، ما يعكس أزمة عميقة في قبول الرأي الآخر، وغياباً لمبدأ الشفافية والمساءلة، ويؤدي إلى تضييق المجال العام وإضعاف الثقة بين المجتمع والدولة.

إن استمرار الإقصاء والاستحواذ والاحتكار يقود تدريجياً إلى تآكل شرعية الدولة؛ إذ تبدأ الأزمة من أزمة المشاركة السياسية، ثم تتسع إلى أزمة في توزيع السلطة والثروة والموارد، وصولاً إلى أزمة ثقة بين الدولة والمجتمع، وتنتهي إلى أزمة شرعية تهدد استقرار الحكم واستمراريته. فغياب الشراكة لا يضعف الإدارة فقط، بل يمس أساس الدولة ذاته.

إن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على منطق الجماعة أو الحزب أو المنطقة، بل على مفهوم الدولة الجامعة التي تتسع لجميع مواطنيها دون استثناء. دولة تقوم على العدالة، وتكافؤ الفرص، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والشراكة الفعلية في القرار.

إن اليمن يقف اليوم أمام مفترق حاسم: إما الاستمرار في إعادة إنتاج منطق الإقصاء الذي عمّق الأزمات وأضعف الدولة، أو الانتقال إلى مسار جديد يقوم على الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية.

فالدولة لا تُبنى بالهيمنة، ولا تستقر بالإلغاء، بل تُبنى حين يشعر كل مواطن أنه شريك في وطنه، وأن صوته معتبر، وحقوقه مصانة. وعندها فقط يتحول التنوع من مصدر صراع إلى مصدر قوة، ومن عامل تفكك إلى رافعة لبناء دولة قادرة على البقاء والاستمرار. 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.