فضاء حر

في اليمن.. سنبقى نهتف كل صباح: شيخُنا القانون وقبيلتُنا الدولة المدنية

يمنات

أ.د عبدالله غالب المعمري

في اليمن، كلما انهارت مدينة، قمنا نستحضر الشيخ. وكلما ضعفت الدولة، برز داعي القبيلة من تحت الركام، كأنها “الدولة البديلة”، مما يعني أن العصبيات لم تغادر المشهد اليمني أصلاً.

لهذا، لا يبدو استحضار المشائخ والقبيلة من وقت لآخر في اليمن مجرد حنين اجتماعي أو وفاء للتقاليد، بل يبدو أحياناً كآلية دفاع تاريخية ضد الفراغ الذي تتركه الدولة ومنظمات المجتمع المدني، وضد الخوف، وضد المجهول.

فاليمني، حين يفقد ثقته بالمؤسسة الفاعلة، يعود تلقائياً إلى “العصبية”؛ إلى الاسم العائلي، والمنطقة، والسلاح، والنسب، والولاءات الضيقة. ليس لأنه يكره الدولة بالضرورة، بل لأنه لم يرَ دولة مكتملة ضامنة تحميه أصلاً.

الدولة، في المخيال اليمني، كثيراً ما كانت سلطة جباية، أو مركز نفوذ، أو تحالفاً مؤقتاً بين القوى التقليدية لتركيع الناس، لا عقداً وطنياً متساوياً بين المواطنين.

حقاً، في اليمن استهلكتنا الظروف، ومضت أعمارنا بين ثأرٍ وثأر، وشيخٍ وشيخ، وبين إمامةٍ وعسكر، وبين مليشيا ومليشيا، ومن انقلاب إلى انقلاب، ومن حرب إلى حرب. لم يعد للإنسان اليمني الكادح البسيط حلمٌ أعظم من أن يستيقظ ذات صباح، فيجد نفسه أمام بوابة شيخ القانون، وفي أحضان الدولة المدنية.

لقد أرهقتنا تلك الظروف قرابة ثمانية عقود من الزمن، كانت ولا تزال فيها البلاد تُدار بالغلبة لا بالعقل، وبالانقلاب المسلح لا بالدستور، وبالولاء للزعيم الضرورة، وللشيخ، وللقائد الرمز، وللجنرال الذي لا يُهزم، وللسيد المعصوم. لكنها لم تُدر بعدالة القانون، حتى صار اليمني يشيخ وهو يبحث عن وطن، ويكبر وهو يحمل على ظهره جمهوريةً مخطوفة مع الجن، ودولةً مؤجلة لم تأتِ بعد، وحلماً يتيماً اسمه المواطنة المتساوية.

في هذا اليمن المُعلّق أهله بين دولة تُذبح، وعصبيات تنخر فيه كالغرغرينا، أصبحنا نمشي كالدراويش تائهين في صحراء التيه الكبرى، نحمل على أكتافنا وطناً مثقلاً بخناجر العصبيات، وبرصاص القتل اليومي، وبكل الخيبات التي تحاصرنا من الماء إلى اليابسة، ونفتش في وسط الرماد السميك عن قبس دولة تحمينا.

يا الله، كم مرَّ على هذه الأرض من سلاطين، وكهنوت، وبيادات لجنرالات حرب داست على كرامة الإنسان، حتى صار اليمني يورّث أبناءه الخوف كما يورّثهم أسماءهم. كل قزم هنا في اليمن يريد أن يكون سيداً، وشيخاً، وزعيماً، وقائداً، على نحو متعجرف، فتحولت اليمن إلى خيمةٍ كبيرة يتقاتل الجميع على عمودها الأخير!

إنه صلف يتدثر بوقاحة العصر، حين تغدو القبيلة سلطة حكم، والسلالة تصبح، بوهم القوة، سيدة الجميع، والبندقية صوتها أعلى من صوت العقل والحكمة، والمنطقة مشيخة قيد كبرى. إلا الإنسان، ذلك الكائن الذي خُلِق حراً، ثم عاش عمره جائعاً، راكعاً، مستبداً تحت كرباج القوة الغليظة، وما يزال واقفاً على حافة الصبر، كمتصوفٍ ضل الطريق إلى الله بين عمائم المشائخ، وانتهازية السياسيين، وكرباج الكهنوت.

إن القبيلة اليمنية التي نحلم بها ليست قبيلة ثأر، وبنادقها للإيجار، وشبابها يخوضون معارك خاسرة مع الباطل، حتى تحولت إلى حدود شائكة داخل دولة الوطن الواحد. لذا، سنبقى نناضل لأجل “قبيلتنا الكبرى”: الدولة المدنية، التي يدخل إليها اليمنيون حفاةً من العصبيات، متطهّرين من أوهام الشيخ، والسيد، والزعيم، والجنرال، الذين جعلوا الله حارساً لعروشهم، وجعلوا القبيلة سيفاً مسلطاً فوق رقاب البسطاء، وأنقياء أيضاً من ثقافة الغلبة بالسلاح والاستقواء بالخارج.

نحن أبناء اليمن، الذين أنهكتهم الحروب والانقلابات وما خلفته من انقسامات داخلية، لم نعد نبحث عن إمام جديد، ولا نحتاج زعيماً عصبويّاً جديداً يعلو فوق الناس، ولا نريد سياسياً انتهازياً بربطة عنق جديدة مرتهناً للخارج، ولا نبحث عن شيخ جديد يعلّق البلاد في عمامته أو يربطها بلحيته.

حقاً، لقد تعبنا من الآلهة الصغيرة، من تلك الأصنام التي تتكاثر داخل أحضان الوطن كالجرذان. إننا نريد شيئاً واحداً فقط: أن نصحو ذات صباح، فلا يكون فوق رؤوسنا إلا القانون، ذلك الشيخ النبيل الذي لا يفرق بين الناس.

لهذا، سنظل ننشد كل يوم، كما ينشد الناسك أسماء الله في ليالي الصفاء: إن شيخُنا القانون، وقبيلتُنا الدولة، وقبلتُنا الإنسانية. لأن التجارب أثبتت لنا أن البلاد التي تُبنى على العصبيات تموت بالعصبية، وأن الأوطان التي تحكمها البنادق تظل معلقة بين زناد الخوف وخرائط الرعب.

إنها معركة الانتقال من طغمة الشيخ، وزعيم الغوغاء، والسيد، والجنرال، و«الرعاع»* الذين يحكمون بقوة السلاح، إلى الانتقال لحكم شيخ القانون، الذي يجب أن يكون على رؤوسنا جميعاً. الانتقال من حكم الإقطاع وثقافة استغلال الأقنان إلى دولة المواطنة المتساوية، فهي القبيلة الكبرى التي تحمينا جميعاً دون تمييز.

سنبقى نقولها، ونناضل بإصرار ليل نهار: نُشتي دووووووولة قانون، تتطهر فيها البلاد من لعنة الحكم بالسلاح كثقافة، ومن رجس العصبيات كمشاريع ما قبل الدولة. بعدها، نستطيع أن نقول للعالم: هنا بدأت روزنامة الدولة اليمنية الضامنة. عندها سيعرف اليمنيون أن أعظم انتصار لم يكن إسقاط تلك الأصنام فحسب، بل إسقاط الخوف من داخل الإنسان نفسه.

*الرعاع: مصطلح لغوي يُطلق على سفلة الناس، والغوغاء، والأشخاص الذين لا نظام لهم ولا مبدأ ولا ثبات، أو أخلاط العامة الذين لا عقل لهم ولا رأي.

عن صحيفة الثوري

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.