الأستاذ يحيى العرشي.. رجل الدولة والحكمة والوحدة الوطنية

يمنات
محمد اللوزي
في مسيرة الأمم تبرز شخصيات استثنائية تترك بصماتها العميقة في مؤسسات الدولة وفي وجدان المجتمع، وتتحول بمرور الزمن إلى رموز وطنية يلتف حولها الناس تقديراواحترامالما قدمته من عطاء وإخلاص ونزاهة. ويأتي الأستاذ يحيى حسين العرشي في مقدمة هذه الشخصيات الوطنية اليمنية التي استطاعت أن تجمع بين الكفاءة الإدارية، والحضور السياسي، والوعي الثقافي، والحس الوطني المسؤول، فاستحق المكانة الرفيعة التي يحتلها اليوم في قلوب محبيه وفي ذاكرة الوطن.
لقد عرف الأستاذ يحيى العرشي منذ بدايات حياته العملية باعتباره شخصية تمتلك رؤية ثاقبة وقدرة متميزة على استيعاب القضايا الوطنية بمختلف أبعادها، كما عرف عنه الذكاء المتوقد وسعة الاطلاع والقدرة على قراءة المتعيرات السياسية والاجتماعية بوعي عميق ومسؤولية وطنية عالية. وقد انعكست هذه الصفات في مختلف المواقع التي شغلها، حيث كان حاضرا بفكره وخبرته ونزاهته، مؤدياواجبه بإخلاص بعيداعن الضجيج الإعلامي أو السعي وراء المكاسب الشخصية.
وخلال مسيرته الطويلة تولى العديد من المناصب المهمة في الدولة، فكان له دور بارز في الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، حيث أسهم في ترسيخ مفاهيم الرقابة وحماية المال العام وتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية. كما تولى مسؤوليات وزارية متعددة في مجالي الإعلام والثقافة، وأسهم في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز الدور الثقافي والإعلامي في خدمة المجتمع وترسيخ الهوية الوطنية.
وعندما برزت قضية الوحدة اليمنية باعتبارها المشروع الوطني الأكبر في تاريخ اليمن المعاصر، كان الأستاذ يحيى العرشي من الشخصيات التي انخرطت بفاعلية وإخلاص في هذا المشروع، مؤمنا بأن الوحدة ليست مجرد اتفاق سياسي عابر، بل هي خيار استراتيجي ومصير تاريخي يعبر عن تطلعات الشعب اليمني وآماله في بناء دولة قوية ومستقرة. وقد عمل سنوات طويلة في هذا الملف الوطني الحساس، مستندا إلى الحوار والتفاهم وبناء الثقة، الأمر الذي أكسبه احترام مختلف الأطراف السياسية والوطنية.
ولم تقتصر أدواره على العمل الداخلي قحسب، بل امتدت إلى المجال الدبلوماسي، حيث مثل اليمن سفيرافي عدد من الدول الشقيقة والصديقة، وكان خير سفير لوطنه، عاكسا صورة اليمن الحضارية والثقافية، ومعبراعن مصالحه الوطنية بحكمة واقتدار. وقد أسهمت شخصيته المتوازنة وثقافته الواسعة وعلاقاته الإنسانية الراقية في بناء جسور من التواصل والتفاهم مع مختلف الأطراف التي تعامل معها.
ومن أبرز ما يميز الأستاذ يحيى العرشي صدقه في المواقف ونقاء سريرته وتواضعه الجم. فعلى الرغم من المناصب الرفيعة التي تقلدها، ظل قريبا من الناس، حريصاعلى احترام الجميع، مؤمنابأن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه لوطنه ومجتمعه لا بما يحمله من ألقاب ومناصب. ولذلك نال محبة كل من عرفه أو تعامل معه، وظلت سيرته محل تقدير لدى مختلف الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية.
لقد استطاع أن يقدم نموذجا لرجل الدولة الذي يجمع بين الحكمة والكفاءة والنزاهة، وبين الرؤية الوطنية والانفتاح على مختلف الآراء، فكان حاضرافي كل محطة وطنية مهمة برأيه ومشورته وخبرته. وما زال حتى اليوم يمثل مرجعا وطنيايحظى بالاحترام والتقدير لما راكمه من تجربة ثرية ومعرفة واسعة ومواقف مشرفة في خدمة الوطن.
إن الحديث عن الأستاذ يحيى حسين العرشي هو حديث عن جيل من الرجال الذين حملوا هموم الوطن في مختلف المراحل، وعملوا بإخلاص من أجل رفعته واستقراره ووحدته. وهي سيرة تستحق أن تروى للأجيال بوصفها نموذجا لعطاء الوطني الصادق والعمل العام المسؤول، وتجسيدالمعاني الوفاء والانتماء والإخلاص لليمن وشعبه.
رحلة حافلة بالعطاء، وسجل وطني ناصع، ومكانة رفيعة اكتسبها بالعمل والإنجاز والأخلاق الرفيعة، ليبقى الأستاذ يحيى حسين العرشي واحدا من أبرز الشخصيات الوطنية اليمنية التي تركت أثراباقيا في تاريخ اليمن الحديث.
وعندما يذكر الأستاذ العرشي فإن الحديث لا يقتصر على مسؤول تقلد مناصب رفيعة أو دبلوماسي مثل بلاده في الخارج، بل يتجاوز ذلك إلى شخصية وطنية متكاملة جمعت بين الفكر والسياسة والإدارة والعمل الاجتماعي والثقافي، حتى غدا واحدامن أبرز الوجوه التي تركت أثرا واضحاً في الحياة اليمنية الحديثة.
لقد ارتبط اسم الأستاذ يحيى العرشي بالعمل الوطني الجاد والمسؤول، وتميز بحضور سياسي وثقافي واجتماعي استثنائي، استطاع من خلاله أن يحظى باحترام مختلف الشرائح والتيارات، لما غرف عنه نزاهة واستقامة وصدق ف المواقف، فضلا عن تواضعه الإنساني الرفيع وقدرته على بناء جسور التواصل مع الجميع.
وفي المجال الاجتماعي، كان من أوائل المؤمنين بأهمية العمل الأهلي والتنموي، فكان من مؤسسي الحركة التعاونية في اليمن، تلك الحركة التي مثلت في مراحل مبكرة نموذجا رائدا لمشاركة المجتمع في التنمية والبناء. كما انتُخب نائبا لرئيس الهيئة الإدارية لتطوير مدينة صنعاء حتى عام 1987م، وأسهم من خلال هذا الموقع في دعم الجهود الرامية إلى تطوير العاصمة والحفاظ على طابعها الحضاري والتاريخي.
وكان إيمانه بالعمل الإنساني جزءاأصيلامن شخصيته، حيث شارك عام 1970م في تأسيس جمعية الهلال الأحمر اليمني، وظل مرتبطابها حتى اختارته الجمعية رئيسا فخريالها مدى الحياة، تقديرالعطائه ودوره الإنساني والاجتماعي. كما كان عضوا مؤسسا في الجمعية الوطنية لمواجهة القات، انطلاقامن إدراكه العميق للآثار الاجتماعية والاقتصادية والصحية لهذه الظاهرة، وإيمانه بأهمية التوعية المجتمعية ومعالجة التحديات التي تواجه التنمية الوطنية.
ولم يكن الأستاذ العرشي رجل إدارة وسياسة فحسب، بل كان مثقفاموسوعياواسع الاطلاع، شديد الصلة بالكتاب والمعرفة. فقد ارتبطت حياته بالقراءة والبحث والثقافة ارتباطا وثيقا، وكان حريصا على اقتناء الكتب ومتابعة الإنتاج الفكري في مختلف المجالات، حتى تحولت مكتبته إلى فضاء معرفي زاخر يعكس شغفه بالعلم والثقافة. وقد أسهم هذا الرصيد المعرفي في تكوين رؤيته المتوازنة والناضجة تجاه القضايا الوطنية والفكرية، فكان صاحب رأي حصيف وموقف متزن في مختلف القضايا التي تناولها.
وفي المجال الفكري والتوثيقي، قدم إسهامات مهمة للباحثين والمهتمين بالشأن اليمني، ويأتي في مقدمة أعماله كتاب( اليمن الواحد) الذي صدر في عدة طبعات وإصدارات، ويعد من الأعمال التوثيقية المهمة التي تناولت قضية الوحدة اليمنية ومساراتها التاريخية والسياسية. كما أنجز عددامن الدراسات والبحوث المتخصصة،
وقد حظي الأستاذ يحيى العرشي بتقدير رسمي وشعبي واسع، ترجم في حصوله على العديد من الأوسمة والدروع والميداليات المحلية والعربية، تقديرا لما قدمه من خدمات جليلة لوطنه وللعمل العربي المشترك. ومن أبرز هذه التكريمات وسام الوحدة اليمنية، ووسام الجمهورية من جمهورية مصر العربية، ووسام من المملكة المغربية، ووسام الصنف الأول من الجمهورية التونسية، إضافة إلى عدد من الدروع وشهادات التقدير،.
إن المتأمل في مسيرة الأستاذ يحيى حسين العرشي يجد نفسه أمام نموذج نادر لرجل الدولة والمثقف والإنسان في آنٍ واحد؛ رجل آمن بالوطن وخدمه بإخلاص، وحمل همومه في مواقع المسؤولية المختلفة، وظل وفيا لقيمه ومبادئه مهما تبدلت الظروف. ولهذا بقي اسمه حاضرافي الذاكرة الوطنية بوصفه أحد رجالات اليمن الذين أسهموا في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ قيم العمل الوطني، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش والتنمية.
إنها سيرة تستحق التوثيق والاحتفاء، لأنها تمثل جانبامضيئامن تاريخ اليمن الحديث، وتجسد معنى المسؤولية الوطنية حين تقترن بالحكمة والمعرفة والنزاهة والإخلاص.