فضاء حر

إستراتيجية “صناعة الغموض” لتغييب الحقيقة (ضجيج قضية ميرا أنموذجا ً) 

يمنات

سند ناجي العبسي 

​لم تعد قضية “ميرا” مجرد نزاعٍ حقوقي أو اجتماعي عابر؛ بل تحولت—منذ انطلاق شرارتها الأولى—إلى معركة مفتوحة تتصادم فيها السرديات والروايات ، وتتداخل فيها التسريبات والتصريحات الاعلامية، حتى وصل الامر الى النكف القبلي، والنكف القبلي المضاد ، صار من العسير على المتابع تمييز الوقائع والحقائق الثابتة عن الدعاية الموجهة، وأضحى صخبُ الروايات المتعارضة غطاءً كثيفاً يحجب الحقيقة بدلاً من أن يجليها.

لقد تشكلت قناعة لدى الرأي العام بان هناك تعمد لتغييب الحقيقة حول “نسب ميرا” و”ملكية العقار” وذلك ليس من باب العجز في الإثبات، بل هو استراتيجية واعية؛ فكلا الملفين لا يتجاوزان كونهما واجهةً براقة تخفي وراءها ملفات أكثر حساسية وتعقيداً ، يراد صرف الأنظار عنها تماماً.

​اللافت في هذا المشهد هو ذلك “الالتقاء العجيب” بين أطرافٍ متنافرة المصالح ، متضادة الاجندة إلا أنها تلتقي جميعاً عند نقطة واحدة، استمرار حالة الغموض و التيه _حول هذين الملفين تحديدا _ والتي تخدم جل الاطراف والتي لا ترغب في إعادة فتح ملفات سياسية أو مالية أو قانونية قد تطيح بالكثير من الرهانات، وتسبب في الكثير الخسائر او ربما تنتج عنها مطالبات ما ، إذا ما انكشفت خيوطها.

​من منظور قانوني ومنطقي، يظل كل ما يطرحه أطراف النزاع—مهما علا شأنهم—مجرد “ادعاءات” لا ترقى لمرتبة الدليل. فالحقيقة لا تُنتزع بالتصريحات الإعلامية، ولا بـ “النكف القبلي او النكف القبلي المضاد” ولا بقوة الخطاب ، بل ​فإن العدالة _في ابسط صورها _ تتطلب :

✦​في ملف النسب/ الاحتكام للفصل العلمي القاطع (فحص DNA) لدى جهة دولية محايدة.

✦​في ملف العقار/ الرجوع للوثائق الرسمية وسجلات الملكية أمام قضاءٍ مستقل.

✦​في ملف الحقائق / التحرر من “السرديات الإعلامية” التي تهدف لفرض سردية معينة بدلاً من كشف الحقيقة.

خلاصة ​الخلاصة:

✦إن أخطر ما في هذه القضية هو الزجّ بالنسيج الاجتماعي في صراع مصالح، وتغليب “الغوغائية” على صوت العقل. الحقيقة لا تولد من رحم “الترند” أو صخب مواقع التواصل، بل تولد حين توضع الروايات على ميزان “الدليل القاطع” تحت سقف قضاءٍ نزيه.

✦​إن المجتمعات التي تعجز عن حماية حقيقتها تفقد ثقتها في مؤسساتها. وستظل الحقيقة—مهما طال تغييبها—أبقى من كل رواية وُجدت لخدمة ظرفٍ عابر أو مصلحةٍ مؤقتة.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.