فضاء حر

ثنائية المثقف المؤدلج والتوليدي

يمنات

محمد اللوزي 

​المثقف المؤدلج لا يرى في اللغة فضاء لاكتشاف الحقيقة، بل يراها أداة معركية أو سلطوية. الكلمات عنده أصبحت جاهزة ولها حمولة فكرية محددة، وفكرة مغلقة لا تقبل التأويل، ومهمته ليس انجاز المعرفي قدر الدفاع عن قولة تهجاها وسار فيها ويرفض مناقشتها ويتعصب لها..

لذلك الفكر لديه صناعة الآخر، وليس اشتغال على الفضاء المعرفي والانتاج والابداع، والنشاط الذهني والتساؤلات ومعرفة الآخر، والاسهام في العملية الابداعية والاضافة.

 المثقف المؤدلج مقولب، محكوم بنمط معين، متعصب، ويتمترس ضد الجديد المعلن عنه، يعيش حالة شك من كل فكرة مغايرة، لمالديه من حشو ذهني هو صناعة الآخر. لذلك نراه في دائرة التصنيف والتبريرية، والوقوف مع أو ضد. وظيفته محددة، منكمشة، مغلفة بعبارات وجمل يلقي بها على كل متفتح ناقد متسائل فسيح الارجاء معرفيا. 

لدى المثقف المؤدلج استخدام الكليشيهات والمصطلحات الصارمة، التي تعمل كجدران تمنع التفكير خارج الصندوق الأيديولوجي، بدلامن أن تكون نوافذ تطل على الواقع. اللغة هنا تعيد إنتاج نفس الأفكار بوجوه مختلفة، دون إضافة حقيقية.

بينما المثقف التوليدي نجد اللغة لدية خيه فاعلة متسائلة، لاتقبل الجاهز وتمتنع ان تكونه، وقد تأخذ منه وتستفيد منه، ولكنها لاتتشكل حسب هواه. إنه المثقف الرافض للقمع الفكري ولكل مايحد من المعرفيي.

إن اللغة لديه حية متسائلة وكاشفة.بهذا المعنى هي انتاجية ابداعية فاعلة تسبر الاغوار وتفتح آفاقا ، وتواجه التناقضات الإنسانية والواقعية دون أحكام مسبقة.

 إنها لغة تفكيكية تبني أسئلة جديدة من رحم الأجوبة، وتسمح للمثقف بأن يتحرك في مساحات الرمادي، متجاوزا ثنائية الأبيض والأسود الحادة التي تفرضها الأيديولوجيا القامعة، التي تقبل بالقولات الجاهزة والتفكير المؤطر .

و​حين تتحول اللغة من فضاء توليدي يوسع المدارك، إلى مجرد جهاز توظيفي، يفقد المثقف قدرته على النقد الذاتي، وتتحول ثقافته من وعي بالواقع إلى دفاع عن الملقن له (بضم الميم) .

​هذا التحول يجعل لغة المثقف المؤدلج، على رصانتها الظاهرة، لغة مكررة رتيبة سطحية يسهل التنبؤ بخواتيمها. لأن النتيجة لديه مستقرة في الذهن قبل بدء الكتابة، وما الكلمات إلا جنود لخدمة هذه النتيجة.. هكذا نراه حامل إرث مجبول على الانسياق وراءه والتفكير من خلاله والارتهان اليه. المثقف المؤدلج حجر عثرة في طريق الانجاز الابداعي والإضافات التي تشكل منطلقا جديدا لمزيد من فعل الاخصاب الإبداعي.

نحن هنا لاننكر عظمة الموروث ولا ندعو الى التخلص منه إنما الخوار معه، والاضافة عليه وجعله الأرضية التي تحترم وتقبل البناء عليها. بهذا المعنى ليس ثمة هدم ولاعدمية ولا إنكار للآخر. قدرما المسألة هنا هي استلهام وتفتح ورؤية فيها الذات الواعية حاضرة، فيها الانساني الذي لايستكين للتدجين ولا يقيم علاقة اشتباك منفعل مع الآخر، قدر ماهو يعبر عن التثاقف عن العلاقة التوليدية المتناصة مع كل عملية فكرية وإبداعية.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.