حوارات

نائب رئيس جامعة تعز د. ياسر الصلوي: عزوف الطلاب عن الالتحاق بكليات التربية يهدد مستقبل الأجيال

يمنات

حذر الدكتور ياسر الصلوي، نائب رئيس جامعة تعز للشؤون الأكاديمية، من تفاقم أزمة المعلمين في اليمن خلال السنوات المقبلة، في ظل تراجع الإقبال على كليات التربية واستمرار توقف التوظيف منذ 2011، إلى جانب خروج أعداد من المعلمين من الخدمة بسبب التقاعد والوفاة والنزوح وترك المهنة بحثًا عن مصادر دخل أخرى.

وقال في حوار مع موقع «ريف اليمن» إن استمرار عزوف الطلاب عن الالتحاق بكليات التربية قد يقود إلى عجز أكبر في الكوادر التدريسية، خصوصا في تخصصات الفيزياء والكيمياء والرياضيات، مشيرا إلى أن بعض المدارس تعاني بالفعل نقصا في المعلمين المتخصصين.

وعزا نائب رئيس جامعة تعز هذا التراجع إلى عوامل عدة، أبرزها توقف التوظيف، وتدني أجور المعلمين، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب تراجع جاذبية مهنة التعليم اجتماعيًا واقتصاديًا.

ودعا إلى فتح باب التوظيف في قطاع التربية والتعليم، وإجراء حصر شامل للاحتياجات الفعلية للمدارس، وتحسين أجور المعلمين بما يسهم في استقرار معيشتهم وتحسين أوضاعهم الوظيفية.

حوار/ منية دعكم

تشير البيانات إلى تراجع كبير في أعداد الملتحقين بكليات التربية خلال السنوات الأخيرة.. ما دلالة هذه المؤشرات؟

نعم هناك تراجع كبير، وهذه المؤشرات تعكس تراجعا واضحا في مستوى التوظيف، خصوصا أن طلاب كليات التربية يعتمدون بدرجة أساسية على الوظائف الحكومية في قطاع التعليم. التوظيف في قطاع التعليم توقف منذ ما قبل الحرب، وجاءت الحرب لتضاعف المشكلة، إلى جانب تدني أجور المعلمين، وانقطاع الرواتب في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ولذلك أصبح الطالب ينظر إلى كلية التربية باعتبارها تخصصا لا يضمن له فرصة عمل بعد التخرج.

وحتى في حال توفر فرص في المدارس الخاصة، فإن الأجور غالبًا ما تكون متدنية ولا تلبي الاحتياجات الأساسية، ولذلك نشهد إحجامًا كبيرًا عن الالتحاق بكليات التربية، وهناك بالفعل معاناة وعجز متزايد في أعداد المدرسين.

فالكثير من العاملين في قطاع التعليم توفوا، وآخرون اقتربوا من سن التقاعد، وهناك من نزحوا أو اضطروا إلى ترك المهنة والبحث عن مصادر دخل أخرى، حتى أصبحت بعض المواد التعليمة تعاني نقصًا في المعلمين المتخصصين، وبالتالي، فإن واقع كليات التربية يمثل انعكاسًا مباشرًا لوضع البلد؛ فقد توقفت عجلة التنمية، وتوقفت معها عملية التوظيف في القطاع العام.

ماذا يكشف تراجع الإقبال على كليات التربية عن واقع التعليم في اليمن بصورة عامة؟

التعليم بمختلف أنواعه، العام والفني والمهني والجامعي، يعاني مشكلات كثيرة نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد، وهناك انقسام في العملية التعليمية، وهذا الانقسام انعكس على التقويم الدراسي والمناهج والسياسات التعليمية.

كما أن حالة الإنقسام التي تعيشها البلاد ألقت بظلال سلبية على قطاع التعليم بمختلف مراحله ومستوياته، وهذا أمر ينبغي تداركه والعمل على تحييد التعليم عن الصراعات لأن أضراره ليست آنية، وإنما تمتد آثارها إلى أجيال كاملة.

ما تبعات تراجع التعليم على مستقبل اليمن وسوق العمل؟

التراجع ينتج تعليم ضعيف، وضعف التعليم يؤدي في النهاية إلى مخرجات هزيلة لا تلبي احتياجات سوق العمل ولا متطلبات التنمية، كما يفقد البلد القدرة على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية، ولا يمكن لأي بلد أن ينهض في ظل قطاع تعليمي منهار ومجزأ، فالتعليم هو المحرك الأساسي لعجلة التنمية.

وحتى قبل الحرب، كان قطاع التعليم يعاني اختلالات ومشكلات بنيوية كبيرة، لكن الحرب ضاعفتها ووسعت نطاقها. ولذلك فإن المسؤولين في الدولة مطالبون بالوقوف وقفة جادة أمام هذا القطاع الحيوي.

ما أبرز الأسباب التي تدفع خريجي الثانوية إلى العزوف عن الالتحاق بكليات التربية؟

كما أسلفت السبب الأبرز يرتبط بالتوظيف، فعندما ينظر الطالب إلى التحاقه بكلية التربية على أنه يعني تخرجه مدرسا من دون وجود فرصة وظيفية، فإنه يرى أن دراسة هذا التخصص لا تحقق له مستقبلًا مهنيًا واضحًا، فيتجه إلى تخصصات أخرى يعتقد أنها توفر فرصًا أفضل في سوق العمل.

وهناك أيضًا الأسباب المعيشية التي حالت دون التحاق كثير من الطلاب بالجامعة أصلًا، خصوصًا الطالبات، اللاتي كنّ يمثلن نسبة مهمة من الملتحقين بكليات التربية، إضافة إلى ذلك، فإن تدني أجور المعلمين، سواء في المدارس الحكومية أو الخاصة، جعل مهنة التعليم أقل جاذبية بالنسبة للطلاب وأسرهم، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

كيف أثّر توقف التوظيف الحكومي للمعلمين في تراجع الإقبال على كليات التربية؟

توقف التوظيف كان له أثر مباشر على الإقبال على كليات التربية، فالطالب الذي يرى أن التوظيف الحكومي متوقف منذ سنوات، وأنه سيتخرج من كلية التربية من دون فرصة عمل، سيفكر بالتأكيد في اختيار تخصص آخر يوفر له فرصًا أفضل.

وبالتالي، فإن استمرار تجميد التوظيف لا يؤثر فقط على الخريجين وإنما ينعكس أيضًا على أعداد الملتحقين بكليات التربية، ويهدد مستقبل هذه الكليات نفسها.

ما تأثير الحرب والأوضاع الاقتصادية على رغبة الطلاب في الإلتحاق بالجامعة؟

الأوضاع الاقتصادية عامل أساسي وجوهري، ولا يقتصر تأثيرها على تخصصات التربية، وإنما يشمل مختلف التخصصات الجامعية، هناك تراجع في الالتحاق بالتعليم الجامعي، كما أن ثمة تسرب في مراحل تعليمية مختلفة، من التعليم الأساسي وحتى المرحلة الجامعية.

كثير من الطلاب لم يعودوا قادرين على مواصلة الدراسة بسبب تردي الأوضاع المعيشية، واضطروا إلى البحث عن فرص عمل تساعدهم على إعالة أنفسهم وأسرهم.

هل تسببت الأوضاع الحالية في تراجع أهمية مهنة التعليم اجتماعيًا واقتصاديًا؟

بالفعل، تراجعت قيمة التعليم ومهنة التدريس لدى شريحة من المجتمع في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، فكثير من الأسر أصبحت منشغلة بتوفير الاحتياجات الأساسية، وأصبح البحث عن مصدر دخل وتأمين لقمة العيش أولوية بينما تراجع التعليم في سلم الأولويات.

كما أن تدني دخل المعلم وعدم استقرار وضعه الوظيفي جعلا مهنة التعليم أقل جاذبية اجتماعيًا واقتصاديًا، وهذا انعكس بصورة واضحة على الإقبال على كليات التربية.

ما المخاطر التي قد تواجهها المنظومة التعليمية إذا استمر العزوف عن كليات التربية؟

من أكبر المخاطر التي ستواجهها المنظومة التعليمية خلال السنوات المقبلة حدوث عجز شديد في الكادر التدريسي، خصوصًا في التخصصات العلمية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، التي تشهد تراجعًا كبيرًا في أعداد الملتحقين بها في كليات التربية.

إضافة إلى ذلك، فإن أعدادًا كبيرة من المعلمين أصبحوا خارج الخدمة بسبب الوفاة أو التقاعد أو الأمراض، وهناك آخرون نزحوا أو اضطروا إلى البحث عن أعمال أخرى لتلبية متطلبات الحياة، وهناك بالفعل عجز حالي في بعض التخصصات داخل المدارس، وهذا مؤشر خطير ينبغي التعامل معه مبكرًا قبل أن يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.

كيف سيؤثر نقص الكادر على جودة التعليم ومستوى التحصيل للأجيال القادمة؟

هناك مؤشرات على أن عددًا من المدارس لا يتوفر فيها معلمون متخصصون لبعض المقررات، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فمن المحتمل أن يتفاقم العجز عامًا بعد آخر، ما سيؤدي إلى تراجع جودة التعليم وضعف التحصيل الدراسي لدى الطلاب، خصوصًا في المواد العلمية التي تحتاج إلى معلمين متخصصين، وإذا لم يتم تدارك المشكلة ووضع حلول جذرية، فقد نجد أنفسنا أمام واقع تعليمي صعب جدًا، وستكون الأجيال القادمة هي الأكثر تضررًا من ذلك.

ما أبرز التحديات التي يواجهها المعلمون اليوم؟

أبرز تحدٍ يواجهه المعلمون اليوم هو عدم قدرتهم على الاستمرار في تلبية متطلبات الحياة والحد الأدنى من احتياجات المعيشة، فهناك جزء كبير من المعلمين لا يتقاضون رواتبهم، خصوصًا في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، بينما الرواتب في مناطق الحكومة غير منتظمة ومتدنية ولا تفي بمتطلبات الحياة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وهذا الوضع يضع المعلم أمام ضغوط معيشية كبيرة، ويدفع بعضهم إلى البحث عن مصادر دخل أخرى، وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار العملية التعليمية وجودتها.

إلى أي مدى أسهم المعلمون المتطوعون في استمرار العملية التعليمية؟

المعلمون المتطوعون أدوا أدوارًا إيجابية ومهمة في استمرار العملية التعليمية، لكن هذا الدور يمثل حلًا مؤقتًا، ولا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن المعلم المؤهل، فالتدريس مهنة متخصصة لا يمكن أن يؤديها أي شخص دون إعداد مهني وتربوي مناسب، فالمعلم يحتاج إلى امتلاك مهارات التدريس والتعامل مع الطلاب وإدارة الصف وغيرها من المهارات المهنية.

وكثير من المتطوعين يأتون من تخصصات لا علاقة لها بالتربية، وبالتالي يفتقرون إلى بعض الخصائص والمهارات المهنية اللازمة لأداء مهمة التدريس بالشكل المطلوب، ولهذا فإن استمرار الاعتماد على هذه الحلول المؤقتة قد يؤثر سلبًا على جودة التعليم، وينبغي العمل على إنهاء هذا الوضع من خلال توظيف معلمين مؤهلين ومدربين.

ما الخطوات العاجلة المطلوبة لإنقاذ كليات التربية واستعادة ثقة الطلاب بها؟

الخطوة الأولى والأساسية، من وجهة نظري، هي فتح باب التوظيف في قطاع التربية والتعليم، مع إجراء حصر شامل للاحتياجات الفعلية للمدارس، وأعداد المعلمين الذين أحيلوا إلى التقاعد أو توفوا أو أصبحوا غير قادرين على الاستمرار في العمل.

إلى جانب ذلك، يجب تحسين أجور المعلمين وتوفير بيئة وظيفية مستقرة تحفظ للمعلم كرامته وتضمن له حياة مناسبة، وإذا تحققت هاتان الخطوتان، فإن كليات التربية ستستعيد جاذبيتها، وسيكون هناك إقبال أكبر على الالتحاق بها؛ لأن الطالب سيشعر أن أمامه مستقبلًا مهنيًا واضحًا.

ما السياسات المطلوبة لضمان ذلك؟ 

يجب أن تكون هناك وقفة جادة من قيادة الدولة ورئاسة الوزراء والوزارات المعنية بالتعليم، سواء التعليم العام أو التعليم الفني والمهني أو التعليم العالي، كما ينبغي إعادة تفعيل دور المجلس الأعلى للتخطيط التعليمي، والعمل على رسم سياسات تعليمية واضحة، ووضع حلول ومعالجات للمشكلات التي يعاني منها قطاع التعليم في مختلف مراحله، بعيدًا عن الحلول الترقيعية.

رسالة أخيرة؟

نحن بحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة للتعليم، تبدأ من التخطيط وتحديد الاحتياجات، مرورًا بإعداد المعلمين وتأهيلهم وتوظيفهم، وصولًا إلى تحسين أوضاعهم وضمان استقرارهم المهني، وفي النهاية، لا يمكن حل هذه المشكلات إلا باستعادة مؤسسات الدولة وتفعيل دورها، ووضع الحلول المناسبة وترجمتها إلى واقع عملي، أما دون ذلك، فستظل المعالجات مؤقتة وترقيعية، وسيبقى أثرها محدودًا، بينما تتفاقم المشكلة عامًا بعد عام.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.