فضاء حر

القضاء اليمني في مواجهة الانهيار القيمي والمؤسسي

يمنات

عمر الهمداني‏

بينما تُوزَّع شهادات التقدير على القضاة المنهكين، تكشف الأرقام المسربة عن أزمة أخطر من مجرد تأخر الفصل في القضايا؛ فنحن أمام سيل نزاعات غير مسبوق يتدفق إلى المحاكم في دولة تفتقر لأبسط مقومات التشغيل القضائي، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا لم يعد اليمني يرى حلاً إلا عبر القضاء؟

١- لغة الأرقام: استنزاف بلا نهاية

تشير البيانات إلى أكثر من 26 ألف قضية متأخرة من عام ١٤٤٤ أُنجز جزء منها فقط، بينما يظل الخطر الحقيقي المسكوت عنه في حجم القضايا الجديدة المتزايدة كل عام ، ومع وجود بضع مئات فقط من القضاة العاملين، يجد القاضي نفسه امام ضغط مئات القضايا ، فتضعف جودة الاحكام ، وتكثر الاخطاء ، وتتراكم الملفات كمرض مزمن لا تعالجه رسائل الشكر ولا الحملات الإعلامية.

٢- اغتيال هيبة القضاء: حين يصبح القضاء ملاذ صاحب الباطل

الانفجار القضائي ليس دليلاً على وعي قانوني، بل نتيجة مباشرة لتآكل هيبة القضاء. فقد ساهمت حملات التشويه الإعلامي وغياب الحماية الأمنية في ترسيخ اعتقاد خطير لدى البعض بأن المحكمة أصبحت وسيلة للمماطلة أو التلاعب بالحقوق.

في الماضي كان صاحب الباطل يخشى القضاء، أما اليوم فأصبح أول من يلجأ إليه ظناً بإمكان العبث بالإجراءات لكثرة ما سمعه من الاعلام السلبي.

وهيبة القضاء ليست استعراض قوة، بل يقين المجتمع بأن القضاء لا يبيع العدالة ، وان الحكم القضائي النهائي حقيقة نافذة تُحترم وتُنفذ ولو بالقوة العسكرية ، بلا تشكيك أو مماطلة .

٣- غياب الوازع الديني والتناصف وتراجع الوساطة المجتمعية

لم يقتصر الخلل على القضاء وحده، بل أصاب البنية الاجتماعية نفسها؛ فقد تراجع مبدأ التناصف والصلح الودي الذي عُرف به اليمنيون، بالتوازي مع إسقاط مكانة المشائخ والعقال وتجريدهم من دورهم التاريخي في احتواء الخصومات وحلحلة النزاعات قبل وصولها للمحاكم.

ومع غياب المرجعيات الاجتماعية الضابطة، وتحول التدين من سلوك قيمي إلى مظاهر شكلية، تضاعفت الخصومات الكيدية وتحولت النزاعات البسيطة إلى دعاوى قضائية تستنزف وقت القضاة وتكدّس الملفات.

٤- الحرب وشلل أجهزة الضبط

تفاقمت الأزمة مع ضعف تنفيذ الأحكام وغياب أجهزة الضبط الفاعلة، ما شجع المعتدين على الاستمرار وفتح قضايا جديدة لتمييع النزاعات، في ظل فوضى التوثيق وغياب سجل عقاري يحمي الحقوق قبل وصولها للقضاء.

٥- القاضي… محارب بلا درع

القاضي اليوم يعمل تحت ضغط هائل:

مادياً: بلا حوافز أو استقرار معيشي.

معنوياً: مكشوف الظهر أمام التشهير والتهديد، بين مجتمع يتهمه بالفساد ودولة لم توفر له الحماية أو الاعتبار المؤسسي.

إن الأزمة ليست في أداء القضاء فقط ، بل في دولة لم تدرك أن القضاء ركن أمنها القومي، وفي مجتمع سمح بانهيار مكانة العدالة.

والسؤال للدولة والمجتمع معاً:

هل يمكن لبضع مئات من القضاة حماية مجتمع يتجاوز ثلاثين مليون نسمة دون حماية وهيبة وأدوات تنفيذ؟

وهل يدرك الناس أن اللجوء للقضاء بالباطل لا يفيدهم في شيء ، وخسارتهم محققة وإن تأخرت العدالة؟.

زر الذهاب إلى الأعلى