فضاء حر

فيصل سعيد فارع.. من أولئك الذين يبقون

يمنات

محمد المخلافي

قبل يومين، احتفل الأستاذ فيصل سعيد فارع بعيد ميلاده في أجواء عائلية دافئة، وتناقلت وسائل التواصل الاجتماعي التهاني والمحبة من كل اتجاه.

لم يكن هذا الاحتفاء عابرا، بل جاء نتيجة مسيرة طويلة جعلته قريبا من الناس، خاصة في الوسط الثقافي، حتى أصبح أشبه بالأب الروحي لكثير من المثقفين.

بعيدا عن المناصب والألقاب، نلتقيه في بيته. في مقيل بسيط، لكنه مليء بروحه ودفئه. هناك لا تشعر أنك ضيف، بل وكأنك واحد من أهل المكان. يستقبلك بابتسامة هادئة، وإن غاب أحد الشباب، يسأل عنه كأنه يسأل عن أحد أبنائه. يفرح حين يكتمل المجلس، ويصغي إليك بإنصات، وعندما يتحدث، تشعر وكأنه يقرأ من كتاب، رجل غني بالمعرفة والخبرة.

على المستوى الشخصي، لا يمكن لمن يقترب منه إلا أن يحمل له تقديرا خاصا. هو من أولئك الذين يدفعونك إلى الأمام بهدوء؛ يشجعك، ينصحك، ويذكرك دائما بأن الطريق يستحق الاستمرار.

وحتى في لحظات تعبه، لا يتردد في الحضور والمشاركة في المقيل، وكأن وجوده بين الناس جزء من راحته.

وإلى جانب ذلك، هو أب حنون، ينعكس هذا الدفء في أبنائه الذين يحملون نفس الطباع؛ فهم قمة في الاحترام. تلتقيهم مرة واحدة فتشعر وكأنك تعرفهم منذ سنين، يستقبلونك بترحاب صادق، ويغمرونك بكرمهم.

ورغم انشغاله في عمله، الذي كان يأخذ معظم وقته، لم يُقصر في تربيتهم، وحرص على تعليمهم في أفضل المدارس والجامعات. واليوم نرى ثمار ذلك الغرس واضحة في نجاحاتهم التي تجاوزت حدود اليمن. يتقلدون مناصب مهمة، ويضعون بصماتهم بتميز واقتدار، ليكونوا خير امتداد لاسم أبيهم وتاريخه الحافل.

أما في الاقتصاد، فهو اسم له وزنه. ينتمي إلى أسرة عُرفت بالتجارة، وساهم في تأسيس عدد من المؤسسات الوطنية، وشارك في مجالس إدارة مهمة، منها الشركة اليمنية للطباعة والنشر، والمجلس الوطني للسياحة، وكذلك الشركة اليمنية الكويتية للتنمية العقارية. وكان له دور بارز في اللجان الاقتصادية التي مهدت للوحدة اليمنية، خاصة في لجنة دمج الهياكل الاقتصادية، حيث جمع بين الرؤية والتنفيذ.

لاحقا، انتقل إلى القطاع الخاص، وأدار شركات صناعية، فكانت تجربته جمعت بين الفكر الاقتصادي والعمل الميداني، وهو ما منحه فهما عميقا للواقع، بعيدا عن التنظير المجرد.

وفي الجانب الثقافي، بدأت مرحلة لافتة من حياته عام 1997، حين تولى إدارة مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة في تعز، وأصبح أمينا عاما لجائزة الحاج هائل سعيد أنعم. خلال تلك السنوات، كان حاضرا في كل تفصيلة: من معارض الكتب إلى المنتديات الثقافية، ومن دعم الباحثين إلى رعاية الأدب.

ورغم كل هذه الانشغالات، ظل وفيا للقراءة والكتابة، فكتب وراجع عشرات الدراسات والكتب في الاقتصاد والثقافة والتاريخ، وقدم أعمالا لافتة تناولت قضايا مثل الاقتصاد الكلي، والتنمية، وخصوصية المكان اليمني.

واليوم، ومع تقدمه في العمر، لم يتغير جوهره. ما زال ذلك الرجل الهادئ، اللطيف، الذي يحمل في داخله خبرة سنوات طويلة.

الحديث عنه لا ينتهي، لكن يكفي أن نقول: هناك أشخاص يمرون في حياتنا مرورا عابرا، وهناك من يتركون أثرا… والأستاذ فيصل سعيد فارع من أولئك الذين يبقون. متعه الله بالصحة والعافية وطول العمر.

زر الذهاب إلى الأعلى