تيه البوصلة العربيه بين وهم الإمبراطوريات وسقوط عقل التبعية

يمنات
أ.د عبدالله غالب المعمري
المعركة التي يُدار رحاها اليوم في المنطقة كشفت أن في أعماق الروح العربية خوفًا قديمًا، خوفًا لا تصنعه إدارة المعارك مع الجيوش وحدها، ولا حالة الانكسار النفسي الداخلي، ولا حتى الهزائم السياسية المتراكمة، بل تصنعه تلك اللحظة الطويلة التي فقد فيها الإنسان العربي ثقته بقدرته على الوقوف حرًا وحيدًا تحت شمس التاريخ.
ولهذا، كلما اهتز العالم اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا من حوله، بحث النظام العربي عن ظل قوة كبرى يحتمي بها.
لزمن طويل، احتمى العرب بأمبراطوريات الغرب، تعرض خلالها لعملية جرف وابتزاز وذاق منها مرارة الاستلاب.
ومرات، احتمى برؤى “المقاومة وجبهات التصدي”، ثم اكتشف أن الأوطان يمكن أن تُستنزف باسمها وتُضرب من داخلها أيضًا.
واليوم، تتجه الأبصار نحو الشرق البعيد، نحو الصين وروسيا، ونحو الهند وكوريا وتركيا، وكأن الجسد العربي المُرهق يبحث عن كتف جديد يتكئ عليه بعد تعب طويل من الخيبات والانكسارات.
ومع ذلك كله، يبقى السؤال الأعمق ليس في صِيغ التحالفات مع من يحكم العالم،
بل: لماذا يخاف العقل النخبوي العربي دائمًا من أن يحكم نفسه بنفسه؟ ويصر على بقاء ذاته محاصرة تحت وهم المنقذ الخارجي، كمن يبحث عن الطمأنينة لا عن الحرية، حيث أصبحت القوى الكبرى في المخيال الجمعي أشبه بـ “أولياء سياسيين يعالجون العجز والمرض”، كيانات يُظن أنها قادرة على إعادة التوازن الداخلي المفقود أو منع السقوط الكامل.
للأسف، جزء كبير من المخيلة العربية يعيش اليوم داخل معادلة نفسية وجدانية عقلية مشوهة:
“إذا سقطت إيران، سنصبح عراة أمام الغرب وإسرائيل.” هذه ليست قراءة استراتيجية حَصيفة، بل حالة فوبيا جماعية مزمنة، لأننا في الحقيقة نحن عراة وتعرينا منذ زمن عندما تاهت البوصلة وغاب المشروع العربي التقدمي الواحد.
فعلاً، لقد نجح النظام الإيراني في تسويق نفسه كـ “قلعة الممانعة الأخيرة”، رغم كل الجراح والنزيف والانقسامات الحادة والخراب المادي والبشري الهائل التي صنعتها سياسات النفوذ والتمدد الإيراني في المنطقة العربية، وتفكيك الدولة الوطنية عبر تسليح الميليشيات، واستخدام سلاح الطائفية، وشعار الثورة والمقاومة المخاتل.
فتحول الأمر من ضرورة مقاومة الهيمنة الغربية والصهيونية إلى صناعة هيمنة بديلة أخرى ربما أكثر فوضوية وعصبية وأشد نخراً للمجتمعات.
لكن الحقيقة الواضحة كالشمس تقول شيئًا آخر:
لا يمكن لأمة أن تشفى وهي تستبدل وصاية بوصاية أو خوفًا بخوف، وكأن النظام العربي لم يعد يبحث عن الحرية، بل فقط عن “السيد الأقل إهانة، عن الشيخ الأقل استعبادًا”.
من ناحية أخرى، فإن الاتكاء على كتف الصين والاعتماد على روسيا لا يُغري العربي فقط بقوتهما العسكرية والتكنولوجية، بل بصمتهما أيضًا.
فهما لا تتحدثان كثيرًا عن “إعادة تشكيل ثقافة الإنسان”، ولا يحملان ذلك الوجه الوعظي والسلوك الأبوي الوصي الذي ارتبط بماركة الهيمنة الغربية الأمريكية والبريطانية والفرنسية.
ولهذا يبدو الشرق العلماني الصيني-الروسي الجديد في المخيلة العربية كأنه: قوة بلا إذلال ثقافي، وشراكة بلا محاكم أخلاقية، ونفوذ بلا تدخل في تفاصيل الهوية.
إنه حلم “التوازن البارد”: عالم يمكن للعربي أن يتنفس فيه بحرية إلى حدٍ ما دون أن يشعر أنه مُدان دائمًا أو موضوع بدقة تحت المجهر.
ومع ذلك، حتى هذا الحلم الجميل بالتحالف مع الشرق، من وجهة نظري، يحمل شيئًا من الوهم.
فالقوى الكبرى، مهما بدت لنا هادئة سلسة مرنة أنيقة داعمة، إلا أنها لا تتحرك بدافع الرحمة أو الإنسانية، بل بدافع المصالح العميقة التي لا ترى الشعوب وحقوقها إلا من زاوية النفوذ واستحواذ الطاقة والأسواق.
لذلك تبقى مشكلتنا ليست في الغرب ولا في إيران،
ولا في الشرق التقدمي الصاعد، بل في الجرح العميق والضعف الحقيقي الناجم عن ذلك الفراغ الداخلي وغياب المشروع العربي الجامع، الذي جعل الأمة العربية تبحث عن نفسها بسذاجة في مرايا الآخرين.
فحين تتوارى حضارة المجتمعات وتفقد ثقتها بذاتها، تبدأ بالنظر إلى عمالقة الخارج كأنهم قدر يجب أن نرتهن إليهم ونسبح باسمهم ولا مفر منهم.
وهنا تتسلل سيكولوجية الضحية بهدوء: نخاف من الغرب، فنحتمي بإيران. نخاف من إيران، فنحتمي بالشرق.
ثم نكتشف بعد سنوات أن الخوف نفسه ما زال يسكننا، فقط غير أسماءه.
فالحقيقة التي يتلعثم الجميع في قولها هي أن سقوط إيران اليوم لن يحرر النظام العربي، لكن بالتأكيد سيُحرر بعض الدول التي سقطت جزئيًا أو كليًا في الوحل الإيراني، وانتشال أذرعها المسلحة المليشياوية الخبيثة هناك.
ولن ينقذ ويحرر القرار العربي أيضًا صعود الصين وسيطرتها على السوق، ولن تعيد لهم روسيا الكرامة، ولن يمنحهم الغرب السيادة مجانًا.
التحرر واستقلال القرار يبدأ فقط عندما تتوقف المنطقة عن التفكير بعقل “المحمية”، وتبدأ بالتفكير بعقل “الدولة الوطنية الديمقراطية الحضارية”.
فالقوة لا تُستورد، والسيادة لا تُهدأ، والحرية لا تُهاب، بل تُنتزع، والأمم التي تعيش على التوازنات الدولية تتحول في النهاية إلى وقود لها.
إنها عقدة النقص والخوف من الحرية والاستقلال التي تبدأ من الداخل. ربما لا تحتاج الأمة العربية إلى “قطب عالمي” جديد يحفظ لها البقاء والتوازن، بقدر ما تحتاج إلى مصارحة، ونقد وتقييم شجاع للماضي، ومصالحة عميقة مع ذاتها.
وأن تؤمن بعمق بعملية التغيير، وأن السيادة ليست هدية تُمنح، بل وعي يُبنى، وأن القوة ليست فقط في امتلاك السلاح، بل في امتلاك ثقة الشعوب واحترام إرادتهم في الداخل كمدماك صلب لبناء الدولة العصرية القوية. فالذي يعيش منتظرًا حارسًا خارجيًا بالتأكيد سيبقى دائمًا خائفًا من الليل.
أما الذي يوقظ في داخله القدرة على المراجعة والفعل والمبادرة، فإنه يتحرر وينتصر على غول وهم الاستقواء والاتكاء على الخارج.
لأن المعضلة الكبرى اليوم ليست بهيمنة الآخرين علينا فحسب، بل اعتيادنا المخيف وأدماننا الطويل على العيش داخل سياج الإذلال والهيمنة والتبعية المفرطة للخارج.