فضاء حر

رداع: صراع الأزمنة

يمنات

محمود ياسين

“لا تزبل” فأنت تنحدر على ظهر سيارة، ثم إنك لست رداعياً قطع السهل مشياً على قدميه، وعند أول مرتفع قال: “عقبة الزبل تسمية ظالمة، من يسمع عنها يتخيل عقبة سمارة أو عقبة “لودر”..”.

مجرد منحدر صغير انسيابي ينساب على رحابة سهل سيطلعك بعد أقل من نصف ساعة على “رداع”.

إلى اليسار قرية “الكولة”.. كأنها أطلال عاصمة رومانية سحقتها حرب.. في أحد بيوت “الكولة” ولد القيصر أحمد الكولي، الرجل الذي يؤلف النكتة وينسخها بمزحة، لتتحول ذمار إلى مطبخ مفارقات، وليؤكد الكولي أن الحياة مزحة مأساوية.

تنتظرون رداع، وإذا بي أحدثكم عن الكولي وذمار، ليس ذنبي.. فمن يملك الجرأة على تجاهل مراتع القيصر؟.. أنت الآن بعد “عقبة الزبل” على مسافة 20 كم شرق مدينة ذمار.. والطريق سيئ للغاية، وعلى السائق أن يمشي بسرعة حمار، وإلا قلبته إحدى الحفر على وجهه.. هذا إن كان يقود هنا لأول مرة. عليه أيضاً أن يراقب سيارات الهايلوكس التي تحمل القات إلى صنعاء، وإلا خسر حياته في صدام مع أحد “النعوش الطائرة” التي تسببت في حوادث كثيرة، وحصلت على التسمية بجدارة.. ومنذ زمن ما قبل الحذاء، وحتى أيام النعش الطائر، و”المقوت” على عجلة من أمره، وقديماً قالوا: “جزعة مقوت”.

ومع وعود السهل ونزق الحفر، وصلنا “سنبان”.. قرية عادية يخترقها الطريق الضيق، نشأ على جانبيه ما يشبه “سوق” ضمن حراك تجاري محدود نشأ على خلفية فلسفة الطريق.. تظل سنبان عادية بالنسبة للكثيرين باستثنائي، إذ كنت أعتقد في كل سنباني عقيداً، فقائد لواء إب ومدير مكتب الدفاع الوطني من سنبان، ومعهما ارتبطت “العسكرية” بسنبان.

من شمر يهرعش إلى نسيم كشميم

ويبدو أن الطريق إلى رداع متخم بالمعالم الشخصية على الأقل.. غير أن “ملاح”.. أصبحت معلماً عالمياً.. صحيح أن المعلق الرياضي لا يقول: من ملاح، إلا أن هذه القرية تمخضت وأخرجت نسيم كشميم.. قبضته الفولاذية غنية عن تعريفي.. وأروع ما في نسيم أنه كرس فحولة أبناء “يعرب”، وأذل الفرنجة في أكثر من موقعة، بعد قرون من الإذلال.

نسيم وسيم ويمني وممتع، وضربته نافذة ومباركة، وثمنها ما يساوي مئات السنين من حصاد موظف مثلي ومثلك.. ذلك كله أروع ما في نسيم.. وأسوأ ما فيه أن أبناء “ملاح” ورداع عموماً كانوا كمن اكتشف كنزاً سيتحول إلى مستشفيات ومدارس ومشروعات مياه.. غير أن نسيم خيب آمالهم (كما قالوا)، وتراجعت أحلامهم إلى مدرسة صغيرة وسد أصغر لا تساوي تكلفتهما ثمن رصاص ليلة واحدة تحتفل فيها رداع بانتصار نسيم.. إذ تشتعل سماء رداع بملايين الأعيرة النارية عقب كل فوز.. بالإضافة إلى أن نسيم يتسبب في اقتراف الفضائية اليمنية نشيداً مروعاً بحق مشجعيه الأبرياء، وعقب كل فوز.

تسلمك “ملاح” إلى “العرش”.. إنها ضاحية من ضواحي مدينة رداع، اسمها جميل كبيوت “قرية ملكية” تستحق التسمية.. تنبعث منها رائحة الاسترخاء تحت ضربات الشمس.. وهكذا وما إن وصلنا “العرش” حتى شعرت بحاجة إلى فرش، تحولت حكاية. ظل الزميل محمد مشرح يردد معالم الطريق، ويستحضر خبرته وذاكرة الطفولة في رائحة المكان.. إذ إنه من أبناء رداع.. يعرف الكثير عن التاريخ والإنسان في هذه المدينة الاستثنائية التي تفاجئك ولا تدري إلا وأنت تدور في شوارعها الضيقة كثيرة المطبات.. في كل 10 أمتار تقريباً، مطب، وبين كل منعطف وآخر مطب.. التفسير جاهز، وهو أن المطبات تمنع المقاتلين من الفرار. ليست مجدية، إذ إن التقارير تؤكد أنه كلما كثرت المطبات زادت معها أحداث الثأر، وتصفية الحسابات داخل مدينة لا تخيب ظنك فيها.. فرداع اسم له علاقة باللون البني.

يقولون رداع فتتذكر التراب والقهوة المركزة ومعطفاً مهترئاً يرتدي ضابطاً في سبيله إلى التقاعد.. وهكذا كان اللون البني ينبعث من النوافذ، ومن جدران القلعة.

استقبلنا محمد البابلي بحفاوة لائقة بعاقل مدينة رداع.. “أهلاً يا عاقل.. كيف حالك يا عاقلنا..؟”. الجميع يحيون البابلي بكلمات تلمس فيها التقدير والامتنان لهذا الرجل. صافحنا، وكان عائداً للتو من زيارة صلح بين أسرتين. وهكذا يومياً يتغذى خارج منزله، ويتنقل بين أكثر من مقيل في مدينة مزدحمة بالمشكلات والمناسبات وجلسات رأب الصدع.

أخرج العاقل ورقة صغيرة من جيبه، فردها قائلاً: “هذا برنامجنا.. المدينة القديمة، القلعة، العامرية، سوق السلاح، مشروع مياه ومجاري رداع”.. والأخيرة أثارت تساؤلاً لدينا جميعاً.. لماذا يريدنا أن نزور المجاري؟!

لست هنا بصدد سرد تفاصيل مملة بقدر ما أحاول أخذكم معي إلى تفاصيل رداع التي تشكل في الأخير صورة كلاسيكية لمدينة ليست عادية، لمكان تتماهى فيه القرية والمدينة كأول انطباع، لأطلال تشارك في صنع الأحداث، لمكان تجد فيه أعتى قلعة حربية وأجمل مدرسة تعليمية. ولأننا لم نصعد إلى القلعة بعد، فيمكن الحديث عن أسماء المكان وعمومياته في الطريق إلى محاولة احتواء هذه المدينة الصغيرة.. في الطريق إلى القعلة التي نراها من كل شبر في رداع، ستعرف أن المدينة القديمة كان لها 4 أبواب: باب المحجري، الذي يمر منه شريان الماء إلى المدينة، وباب المقلة (من مقلة العين)، وباب الثجرة، وباب السوق.. وأمام باب رداع وقفنا نراقب بإكبار صمود باب وحيد يرفض الانهيار والطلية.. ربما لأنه يقع في حلقوم المدينة، وربما لأنه أقرب الأبواب إلى قلعة “شمر يهرعش” التي منحته جزءاً من طاقتها الأسطورية، وقدرتها على مقاومة عوامل التعرية، كنوع من “تضامن المحاربين”.

لن تفهم القلعة إلا من قلبها.. ومع خطواتك الأولى صاعداً إلى البوابة الغربية الرئيسة، تشعر كمن يقترب من عملاق أصم؛ كمن يخاطر بالمرور بين قدمي وحش نائم مهول. وما إن يحتويك الممر الرئيسي حتى تبدأ في اكتشاف كم هي قلعة ضخمة وأكبر مما توقعت، وكم هي أقل وحشية، عمرها يتجاوز 1800 عام.

بناها الملك الحميري شمر يهرعش في أواخر القرن الميلادي الثاني.. يهرعش أول من لقب بملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت، وفي رأي “فون ويزمن” إن يهرعش عاصر امرأ القيس بن عمرو ملك الحيرة، ويرجح البعض أن يهرعش لم يبدأ في الظهور إلا من العام 270، ويقول عنه وهب بن منبه: إنه أعقل من وراءه من الملوك وأعلاهم همة، سن قانوناً لأهل مأرب، نظم فيه البيوع والمعاملات، وقام ببناء الحصون والأسواق، وشق المصارف، وبنى الأحواض للري.

هذه المعلومات وغيرها وجدت في نص “كاي 406″، وكاي هذا لا أدري عنه شيئاً، ولا أدري لماذا الرقم 406؟! أدري فقط أن شمر أنجز رائعة حربية على هيئة قلعة، وأن أسوأ شيء هو الكتابة عن التاريخ اليمني القديم الذي لا يزال حصيلة تقديرات ومجازفات كسالى.

كلنا الوشاح

بعد البوابة الرئيسية، وإلى اليسار، تتكرر نفس الحكاية المنغصة على هيئة جملة معروفة: “هنا كان الأئمة يزجون بمعارضيهم ويثقلون كواهلهم وإباءهم بالقيود والمغالق”.

السيئ في الأمر أنني كلما حاولت تجنب الإمامة حتى لا أخسر صديقاً جديداً، أجدهم أمامي دائماً يعترضون طريقي في دهاليز القلاع وذكريات القضبان في حكايا نصف قرن طازج بالدمع والدم والإجهاض..

لقد لوثنا الأئمة، ودمغونا بشهوة الإيذاء، فأصبحنا مثلهم.. علمونا كيف نمسك بالسوط، وحولونا إلى جلادين نجلد التاريخ.. ونجلد الجلاد، وعندما تعيينا الحيلة نجلد ذواتنا.. أسكنونا “الوشاح”، وهكذا وبعد 38 عاماً “كلنا الوشاح”.. الممر الرئيسي يشبه شرياناً ضخماً وقصيراً يؤدي إلى قلب القلعة.. حصانة متقنة على هيئة أسوار عالية ضخمة ملتوية ومطعمة “بالنوب” (جمع “نوبة”).

ومع نهاية الممر العظيم تسحبك البوابة الثانية “الشاهقة” إلى فناء القلعة الواسع.. ثمة مشاعر عدوانية وتحد يهبك إياها هذا المكان المتكبر العنيد.

ولنبدأ حسب الأولويات: تفقد مخازن المياه تحت قدميك عبر سلم حجري ينحدر في عمق الفناء.. 6 درجات وترى بركة عظيمة تكفي للصمود أمام حصار طويل المدى.. لا يزال سقف البركة متماسكاً، ولا تزال البركة مليئة بالماء، وكأنها أكيدة من أن الحصار سيأتي مرة أخرى.

تجوّل في فناء القلعة، وانظر تحت قدميك وإلا وقعت في فوهة السرداب.. لا أحد يدري إلى أين يفضي السرداب بالضبط.. إلى خلف التلة القريبة من المدينة.. إلى مناطق القبائل، إلى… وهكذا ظل سر السرداب وفياً لفلسفة القلعة، هوة تسحب إلى غموض ومجازفة متعددة الاحتمالات.

في وسط الفناء يتربع خزان المياه الذي بُني حديثاً لصالح المدينة، وحولته القلعة إلى غرفة بلا معنى، وكأنها ترفض الامتهان، كأن الخزان سينال من هيبتها وسطوتها تحت أزيز المضخات.

لذلك انفجرت الأنابيب، وفسروها بقوة الضغط الناشئ عن شدة الانحدار، وتحول الخزان إلى طلل بلا معنى عمره بضع عشرة سنة.. وللقلعة تفسير يخصها.. ولفهم المدينة لنبدأ إطلالة من الغرب، إلى البعيد ترى العرش والمصلى بنظامها العمراني المتجانس، وبامتداد العمران الحديث العشوائي خلال المساحة الفاصلة بين رداع وضاحيتها الغربية، على حساب البساتين القديمة.. إلى يمينك الروضة، حيث كانت حكراً على بني هاشم (السادة).. كل بيت له حديقة خاصة، وضمن ثقافة الروضة حدث تنوع سكاني في الروضة، حيث دخلها القضاة والقبائل وبعض البدو القدامى، وقاسموا السادة أشياء، وخالطوهم إلا في “النسب”.

ندور باتجاه عقارب الساعة، لتأسرنا “حارة الطشوش” بدورها الشاهقة، وإلى الخلف “تلة القانع”، حيث كان اليهود يتمترسون خلف حرفيتهم ومداراتهم للآخرين..

ومع انسيابك خلف تكاثف المدينة بيوتاً وجمالاً وألفة وعائلية، تخضعك الأسطح الرائعة للبيوت المزدحمة كعائلة كبيرة ودافئة.

تفشل أحياناً عندما تقف أمام ما يشبه الفن التشكيلي ذا القيمة الفنية العالية، تشعر به، تتفهمه ولا تفهمه، لا تمل تفسيراً لتفاصيل روعته، وهذا بالضبط ما تفعله الأسطح الرائعة في رداع؛ مختصرة ومصقولة، حانية تصلح للقاء حميمي واعترافات ليلية.. تبدو الأسطح كأنها صنيعة ربة بيت حاذقة، ومتفانية، فيها براءة وقدرة على التربيت.

ومع محاولات اللحاق بتاريخ الجمال السكاني في رداع، يجد المرء نفسه وقد وقع في فخ الأزمنة (يصلح هذا عنوان قصة خيال علمي).

ألفا عام من الترقب المنيع الصامت لقلعة تجمع حولها الناس في بيوت تبحث عن أمان وحماية مقابل صناعة الحياة، والضجيج والأسطح الجميلة، وكأن هذه البيوت تحاول الاختباء خلف سطوة القعلة.

ومع تنامي المجتمع العائلي نشأت مدرسة العامرية، التي تدخل ضمن إطار الصورة.. لترى شمر يهرعش يهز رأسه إعجاباً وأسفاً في آن واحد، بنى أحفاده زحمة جميلة ومدرسة مبهرة، وحولوا قلعته إلى سجن.. تقف في تماس 3 أزمنة و3 دول (الحميريين وبني طاهر والأئمة).. وحصيلة الأزمنة أن قامت القلعة بالثورة.. وصد الجمهوريين في رداع، ومن أحضان القلعة قاوموا نيران مدفعية الملكيين على مدى سنوات.. وفي هذه الجزئية بالتحديد عليك التخلي عن فضولك الصحفي الأرعن، من كان مع الثورة ومن كان ضدها، وأسئلة أخرى.. وكن حذراً، فربما أيقظت ثاراً! ينام على فوهة مدفع قديم.

قبل مغادرتنا لفت حارس القلعة “العجوز المتفائل” انتباهي بمشيته الهادئة الواثقة، وابتسامته اللامبالية الخبيرة.. اسمه العزي شربه.. أنفق معظم حياته غريباً في الولايات المتحدة.. كسب كثيراً وأنفق أكثر، طحنته التجارب في أرصفة نيويورك وأزقة لاس فيغاس، فعل أشياء كثيرة -دار حول نفسه- داهمه الخوف والملل والحنين، فترك ناطحات السحاب وعاد إلى قلعة يهرعش.. “اتروح بيت جده”.

ثمة نقش حميري وحيد معلق أعلى الباب الرابع للقلعة، كأنه تحية وداع، إذ لا يُرى إلا مع المغادرة، لا يشكل النقش جزءاً من البوابة، ولا علاقة له بما حوله، وكأنما وضع في اللحظات الأخيرة من بناء القلعة كذكرى أو إسقاط واجب ثقافي.

وهكذا تجد ذات المعضلة في التاريخ اليمني القديم.. إذ لم يهتم ملوك الدويلات القديمة بتدوين التاريخ، مما تسبب في مشكلة الفجوات التاريخية، التي يتحدث عنها الباحثون كأحد العوائق الرئيسية في دراسة التاريخ اليمني القديم، كسلسلة أحداث وصيرورات (من أين جاءت صيروات هذه..؟).

في دهاليز القلعة يعشش الصمت الأبدي، غير آبه بضجيج عاقل و3 صحفيين، وكأن الألفي سنة تحولت إلى عزال صوت أصم.

لم تمنحنا القلعة ولو سراً واحداً، وغادرناها مثقلين بالأسئلة.. وعلى رصيف الشارع الضيق الذي يمر أمام القلعة، وقفت أحدق فيها ببلاهة، وعلى إيقاع هذا الصمت اللانهائي، كان “العيل” يأتي من بعيد ليستقر على صدر القلعة.. هكذا هو الحمام دائماً.. يسكن حيث الهدوء المنيع. للحمام علاقة أزلية بالقلاع والقصور والتاريخ الشاهق، يجتذبه الصمت السامي.. إنها الرقة الأرستقراطية تسترخي على أطلال الجنود، أنوثة تبحث عن حماية مجانية.. ما أروع العيل والصمت والقلعة.

لا قطيعة

وبين القلعة ومدرسة العامرية 13 قرناً، عليك اجتيازها خلال 3 دقائق، وعلى إيقاع صليل صمت قديم، وتباشير ضوء ومشاعر بيضاء بدأت تستعد للقاء “العامرية”، وحكايا الدولة الطاهرية، وعامر بن عبدالوهاب.

وبين القلعة و”العامرية” تتزاحم الانطباعات بين الفجوات التاريخية، فتنسى الحاضر (الشارع الضيق، الناس، مدخل السوق، البحث عن محل لبيع أفلام التصوير…)، إلى أن ينتشلك إعلان قماشي معلق مكتوب في نهايته: “.. والدعوة عامة للجميع”، فتظن أن في الحكاية محاضرة أو ما شابه، وإذا بها دعوة زفاف.. في هذه المدينة الصغيرة.. تطبع دعوة زفاف واحدة لعائلة واحدة.. ها نحن أمام مدرسة العامرية شخصياً، عشرات العمال يتعلقون على جدران “العامرية” ضمن حركة ترميم نشطة انتظرها الجميع منذ سنوات.

“العامرية” بيضاء ومهيبة بناها عامر بن عبدالوهاب الطاهري.. وعامر هو أبرز وآخر ملوك الدولة الطاهرية، التي قامت على أنقاض الدولة الرسولية.. 65 عاماً، هو عمر دولة بني طاهر (858-923هـ، 1455-1518). كان الطاهريون يعملون نواباً لبني رسول في رداع، التي كانت تمثل نقطة تماس وخط دفاع في وجه التوسع الإمامي للدولة الزيدية.

65 عاماً من القلق السياسي ومحاولة إرساء دعائم الدولة.. بدأت بعامر بن طاهر، وانتهت بعامر بن عبدالوهاب.. عمر قصير بمقاييس التاريخ.. خاض فيه الطاهريون صراعاً مريراً مع الدولة الزيدية والخارجية والقبائل، وبنوا فيه مدارس ومساجد، وشقوا القنوات في مناطق نفوذهم، حيث الاستقرار النسبي في رداع، التي اتخذوا من “المقراءة” القريبة منها عاصمة لهم، وكذلك في إب وتعز.. بينما ظلت صنعاء تراوح بينهم وبين الأئمة الزيديين، فقد دخلوها وأُخرجوا منها عدة مرات، ضمن صراع سياسي مذهبي لم يهدأ: إذ كان الطاهريون يمثلون ثقافة مناهضة للمذهب الزيدي مناطقياً ومذهبياً، وامتزجا ببعضهما ليشكلا سبباً رئيسياً لصراع لم يهدأ.

توج عامر بن عبدالوهاب ملكاً في ذات العام الذي توفي فيه والده 894هـ.. وعلى مدى 3 عقود مثلت النصف الثاني من تاريخ وعمر الدولة الطاهرية، خاض الملك عامر بن عبدالوهاب حروباً كثيرة، ومحاولات خروج وانقسامات داخل الأسرة الحاكمة.. ورغم زحمة المعارك في عمر الدولة الطاهرية، إلا أنهم لم يكونوا ميالين إلى سفك الدماء والأخذ بالشبهة.. اهتموا بالبناء والتعليم، وآثارهم أكبر دليل.. ولو لم تكن إلا مدرسة العامرية؛ هذه التحفة الفنية.

بنيت العامرية عام 910هـ، على يد عامر بن عبدالوهاب الذي تنسب إليه، وتؤكد أن ظلماً تاريخياً وقع على عامر بن عبدالوهاب عندما اتهمه بعض كتبة التاريخ بالميل إلى التدمير وقيادة حروب همجية.

فمستحيل أن يقوم باني العامرية بتحويل الجامع الكبير بصنعاء إلى إسطبل لخيله.. ناهيك عن اتهامه في عقيدته وأخلاقه.. لدرجة أن نسب إليه البعض قصيدة تدعو إلى زواج الرجل بابنته، وتحليل شرب الخمر و… إلخ. تمكنت القصيدة من تشويه عامر بن عبدالوهاب عند العامة.. ولا يزال البعض يرددها منسوبة إليه حتى يومنا.. مع أن القصيدة قيلت قبل قرون وربما أكثر.. وظهرت أول الأمر في الشام، وظلت تهمة معلقة تنسب كل مرة إلى عالم أو أمير أمسى ضحية مؤامرة.. القصيدة معروفة تبدأ بـ”خذي الدف يا هذه واضربي…”.

دعك من هذا كله، وادخل “العامرية” من بابها الغربي، لتعرف أي رجل كان عامر، وتدرك حجم الردة الحضارية التي اقترفناها.

ومن خلال زحام أعمال الترميم يبدو أبناء رداع كمن يؤدي واجباً تجاه عزيز عليه. إلى اليمين حمامات المدرسة.. مغاطس الاستحمام فحسب.. توجه يساراً لترى الممر الطويل تحت سقف العقود القريبة إلى الأشكال المثلثة.. جص ونورة، وإضاءة خافتة، وليست موزعة جيداً.

الطريق إلى الدور الثاني يمر من جوار “بركة كبيرة” إلى الخلف منها أطلال حمامات الفضلات، التي وضعت بطريقة ذكية، حيث يأتي سيل البركة ليسحب الفضلات عبر ممر مردوم إلى خارج المدينة.. سلالم حجرية وفناء وبوابتان، وتصبح في الدور الثاني، لتدخل إلى قلب “العامرية”، حيث المسجد ذي القباب الملونة.. الآن فقط أدركت سر اهتمام الأوروبيين بالعامرية. إنها اللوحات التي تشكل في الأخير لوحة واحدة تنساب عبر تضاريس القباب.

يبدو أن رسامي هذه اللوحات كانوا يمثلون حصيلة مراحل تطور الفن الإسلامي.. لا يمكن تسمية هذا الإبداع.. زخرفة.. وحدة عضوية تربط الأشكال ببعضها.. تبدأ من نمو بطيء للعقود والمثلثات والأشكال المتعددة.. وينمو اللون لتصل اللوحة إلى نهايتها عند القبة الشمالية الغربية، التي تمثل لوحتها آخر مرحلة في التشكيل.

لوحة القبة الشمالية الغربية مفاجئة بحق. جديدة لا تتكرر في نماذج الزخرفة الشرقية.. تعتمد على تسلسل الأشكال الرباعية، وانطلاقها في أكثر من اتجاه.. وبتراتب لوني متعرج.. يوحي بالحركة.. والذي يمعن في هذه اللوحة يشعر كأنها تحاول تنويمه مغناطيسياً.. تلمح فيها بذور مدرسة فنية جديدة، لا أحد يعلم شيئاً عن مبدعها.. لاشك أن فناناً واحداً أبدع لوحة العامرية.. ومات مباشرة.. وبالطبع لا أحد يعرف اسمه.. 5 قرون ولا تزال أنامله تشتعل على سقف العامرية، وروحه تمد الأشكال بلونها المتجدد.

الكلام كثير، واللوحة بعيدة عن متناول الكاميرا رغم محاولاتي البائسة.. ثم إن هذه المجلة غير ملونة، وإلا لأريتكم أية براعة وصل إليها اليمنيون فنانو القرن الـ10 الهجري.. لوحة القبة الشمالية الغربية تمثل نهاية مرحلة، وبداية أخرى، لدراسة وبحث فلسفة اللون عند رسامي اليمن قبل 5 قرون.

ما زالت العامرية تمنح رداع الكثير مما عجزت عنه الأزمنة اللاحقة. وفي العامرية تتحول دهشتك، وأنت مأخوذ بروعة الألوان، إلى إعادة قراءة لتداعيات الضجيج حول القطيعة بين المسجد والإبداع.. لا قطيعة هنا، لقد تمكن الطاهريون من حل المعادلة، وقدمت العامرية نموذجاً مذهلاً للعلاقة الروحية بين الدين والفن.

منذ أواخر الثمانينيات بدأ الاهتمام الأوروبي بالعامرية يأخذ شكلاً عميقاً.. قدم الهولنديون 56 ألف دولار تكاليف دراسة العامرية (ترميم المبنى وتنظيف الألوان).. أما الإيطاليون فقدموا 100 ألف دولار على شكل مواد ترميم وتذاكر سفر.

بدأ العمل في 93، ووصل عام 2000 إلى ذروته، ولا تزال الألوان تشع في انتظار يد فنية تنفض عنها غبار القرون الـ5.. يقول مدير عام الآثار برداع المهندس يحيى النصيري: إن التكلفة الإجمالية بلغت 750 ألف دولار، وإن أكثر من 170 عاملاً ينتشرون في أقسام العامرية.

انتزعنا الرصاص من سطح العامرية.. لابد أن مأساة ولدت الآن: إنها نيران قتل، وليست نيران عرس، كما يقول العاقل.. صوتها عدواني مركّز، ولابد أنها اخترقت جسداً.. وعلى إثر الرصاص تدحرجنا إلى السوق.

دكاكين متوسطة الحجم تتقابل على جانبي ممر قديم – جديد، تداخلت فيه الأزمنة حرفاً وسلعاً وأسماء ومهناً.. الأقمشة الحديثة إلى جوار صناعة الجنابي.. ولعب الأطفال إلى جوار القنابل.. والبياع القديم إلى جوار الحرفي الجديد، وقريباً من تاجر كان في الماضي يعمل ضمن علية القوم فحسب.. وكهل سئم التعامل معه كتراث يستحق التقاط الصور.. هذا صانع الجانبي العادية.. وذلك الحاج محمد حجيرة يجلس أمام دكانه يحيّي المارة، ويريهم اسمه في مذكرات المناضل العزي صالح السنيدار.

استأمنه الحاج محمد حجيرة على دكانه في عدن.. وعامله بإنسانية، فحاول رد الجميل بذكره في مذكراته بعد نصف قرن.. كل ما وجد فيها حجيرة رائحة الماضي ونبل العرفان.. يعرف رقم الصفحة وفي أي سطر بالتحديد.. يحتضن مذكرات السنيدار بشغف، يفتحها ليري المارة أي رجل كان محمد حجيرة.. وهكذا يجد المرء عزاء في أيامه الأخيرة.

تضيق الدكاكين ويضيق الممر، وتتكاثف بقايا رائحة السوق القديم، وشاب يتحدث إلى العاقل: “رموا فضل.. المستشفى.. الخ”، وكأنه حدث عادي للغاية.. لقد فقد القتل قدرته على الإدهاش.

إذن، ليس عرساً يا عاقل.. وسألت نفسي لماذا نفرح بالرصاص ونموت بالرصاص؟

إلى اليسار طلل سمسرة قديمة، وإلى اليمين دهاليز خربة كانت تمثل قلب السوق.. ومن السوق إلى شارع متهالك، إلى سوق السلاح، حيث اخترق الرصاص جسد فضل العباسي.. كان يجلس في دكانه بين القنابل والبنادق والقذائف والرصاص.. دكانه الآن مغلق، وتجار سوق السلاح يتهامسون بأسف.. قال أحدهم: ما دخلهم بفضل.. فضل رداعي.. (أي أنه أصبح من أبناء المدينة، ولم يعد له علاقة بالثأر والقبيلة)، وكأن مدينة رداع بدأت تأخذ شكل هوية مركبة.

نقلوا فضل إلى المستشفى وحالته خطرة للغاية.. وفر الجناة بعد أن فتحوا عليه النيران بأعصاب باردة اعتادت الرصاص والدم.. لم يحدث شيء.. قد يموت فضل، ويظل السوق يبيع وسائل الموت، والصحفي يلتقط الصور، وتمضي الحياة… كان أحدهم يصرخ: لا تصوروا.. تجيء الدولة تأخذ سلاحنا كلنا… روحوا من باب دكاني.

غالباً ما تتحول مدينة رداع إلى ساحة تصفي القبائل المجاورة حساباتها اللانهائية في أزقتها… وخلال 3 شهور (مارس، أبريل، ومايو) قُتل في رداع 43 إنساناً…

ومن سوق السلاح إلى مشروع مجاري رداع.. أضخم مشروع مجارٍ في اليمن.. تبرعت الحكومة الهولندية بإنجازه، وتحويله إلى أحد معالم المدينة.

7 أحواض منظمة.. تصفية وتجفيف على أحدث الأساليب.. ورغم الرائحة اللعينة، إلا أن المنظر كان يستحق الدهشة.

هكذا هم الأوروبيون؛ يحولون الفضلات إلى منتجعات.. تستحوذ رداع على اهتمام الهولنديين تماماً.. رداع أول المستفيدين من الدعم الهولندي لليمن.. ترميم العامرية، ومشروع المجاري، ومشروع المياه، سفلتة شوارع المدينة.. ناهيك عن دعم الجمعيات، وتقديم المنح الدراسية لأبناء رداع.

أحد الظرفاء في رداع أرجع سبب اهتمام ملكة هولندا بهم إلى أنها تعتبرهم أخوالها.. لأن أمها يهودية هاجرت مع أسرتها من رداع.

يلهث الزمن وهو يلاحقنا بين معالم رداع التي لا يبدو لها نهاية.

وهكذا وجدتني ضيفاً في عرس متخم باللحم حد التعب.. وزعونا بين أكثر من عرس لأسباب تخص عاقل المدينة، وعلاقاته المتشابكة في مدينة تؤمن بواجب المشاركة في الأفراح والأتراح، والغائب يعتبر خصماً حتى إشعار آخر.

تشبه المائدة موائد الريف المصري، حيث يجلس الضيوف حول مائدة خشبية مستديرة يسميها الأشقاء الصعايدة “طبلية”.. هؤلاء الناس كرماء يجيدون استقبال الضيف وإقامة الولائم، ويبالغون في عدد الذبائح… وبدأوا يتخلون عن إطلاق الرصاص في الأعراس بسبب ارتفاع معدلات القتل داخل المدينة، وبسبب ضغط الأجهزة الأمنية.

ربما تمكنت الدولة من تكميم أفواه بنادق الأعراس، غير أنها أخفقت تماماً مع بنادق الثأر.. وهكذا انفجرت الاشتباكات في شوارع المدينة بعد ساعات من حادثة سوق السلاح.. إذ تنادى مقاتلو القبيلة التي ينتمي إليها الضحية، للأخذ بالثأر، فدخلوا رداع في نفس التوقيت الذي حاول فيه الجناة دخول المستشفى للإجهاز على ضحيتهم.

وكأننا في شوارع لاس فيجاس.. الرصاص كثيف، ومدير أمن المدينة يقول لنا تليفونياً: عليّ مسؤولية قضاء كبير (نصف محافظة)، ولديّ إمكانات قسم شرطة.. لقد اعتقلنا عدداً من المسلحين، وفر الباقون.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.