شكرا لكل شاب وشابة تزوجا من حبيبهما

يمنات
زكريا نمر
من أجمل صور الحياة أن ترى شابا يتزوج الفتاة التي أحبها، أو شابة تختار الرجل الذي أحبته، بعد علاقة عاطفية ناضجة استطاعت أن تتحول من مجرد مشاعر إلى مسؤولية وشراكة وحياة مشتركة.تعجبني هذه الفكرة كثيرا، ليس لأن كل قصة حب تنتهي بالزواج، ولا لأن الحب وحده يكفي لبناء أسرة، وإنما لأن الزواج في جوهره محاولة لتحويل المشاعر إلى التزام، والرغبة إلى مسؤولية، والحلم إلى واقع.
نحن نعيش في عصر أصبحت فيه العلاقات أكثر سهولة وأقل التزاما. كثرت الخيارات، وتغيرت معايير الارتباط، وأصبح بعض الناس يتعاملون مع الحب كما لو كان تجربة مؤقتة يمكن إنهاؤها بمجرد ظهور مشكلة أو اختلاف. هناك من يريد علاقة بلا مسؤولية، ومشاعر بلا التزام، وشريكا مثاليا بلا استعداد لتقديم أي تنازل أو تحمل أي عبء.الحب الحقيقي ليس أن تجد شخصا يعجبك فقط، وإنما أن تجد شخصا تستطيع أن تختلف معه دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب، وأن تتعب معه دون أن تشعر أنك وحدك، وأن تواجه معه ضغوط الحياة دون أن يتحول البيت إلى ساحة لتبادل الاتهامات.الزواج ليس صورة جميلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا فستانا أبيض، ولا حفلا كبيرا، ولا سيارة فاخرة تقف أمام صالة الأفراح. الزواج يبدأ بعد انتهاء كل ذلك، عندما يعود الزوجان إلى بيت واحد ويكتشف كل منهما أن الحياة تحتاج إلى صبر، وتفاهم، واحترام، ونضج، وقدرة على إدارة الخلاف.ولهذا فإن اختيار الشريك ليس قرارا عاطفيا فقط، بل قرار يتعلق بمستقبل كامل.
أحيانا لا تحتاج إلى امرأة تملك كل شيء، بقدر ما تحتاج إلى امرأة تملك الوعي والطموح وقوة الإرادة، وتعرف كيف تواجه الحياة معك. وكذلك المرأة لا تحتاج بالضرورة إلى رجل كامل بلا عيوب، فهذا النموذج لا وجود له، وإنما تحتاج إلى رجل يحترمها، ويقدر طموحها، ويملك الشجاعة لتحمل مسؤولياته، ويعرف أن الأسرة شراكة وليست سلطة طرف على طرف.تكوين الأسرة يحتاج إلى عقل بقدر ما يحتاج إلى قلب.ولهذا لا أرى سببا يجعل الإنسان يغار من شخص تزوج بمن يحب. إذا نجح صديقك في اختيار شريك حياته، فلا تجعل نجاحه في بناء أسرته سببا لحزنك أو شعورك بالنقص. هنئه. افرح له. فنجاح الآخرين في حياتهم لا يعني أنك فشلت في حياتك.ليس كل شخص يتزوج قبلك قد سبقك، وليس كل شخص تأخر في الزواج قد فشل.لكل إنسان توقيته وظروفه وطريقته في بناء حياته.والمشكلة أننا أحيانا نحول الزواج إلى منافسة اجتماعية: من تزوج أولا؟ من أقام حفلا أكبر؟ من اشترى منزلا؟ من يقود سيارة أفضل؟ ثم ننسى السؤال الحقيقي: هل هؤلاء الأشخاص سعداء فعلا؟ هل يعرفون كيف يعيشون معا؟ هل يستطيعون حل خلافاتهم؟ هل يوجد احترام متبادل داخل البيت؟،فالزواج ليس مسابقة سيارات حتى يصل أحدهما أولا إلى خط النهاية.إنه طريق طويل، وقد تكون السيارة فاخرة، لكن إذا كان السائق لا يعرف الطريق فقد يصل إلى مكان آخر.
ملاحظة مهمة
عندما يتزوج أحد أصدقائك أو أقاربك، لا تنظر إلى الأمر بعين المقارنة والحسد. لا تقل: لماذا هو تزوج وأنا لم أتزوج؟ ولماذا وجد شريكته وأنا لم أجد؟ ولماذا استطاع أن يبدأ حياته وأنا ما زلت في مكاني؟،قدم له التهنئة، وادع له بحياة سعيدة، وتعلم من تجربته إن كان فيها ما يستحق التعلم.فالزواج ليس امتيازا اجتماعيا يمنح صاحبه قيمة أعلى من الآخرين، كما أن عدم الزواج لا يجعل الإنسان أقل قيمة.والأهم من ذلك كله: لا تجعل ضعف الإمكانيات المالية سببا دائما للخوف من تكوين الأسرة، وفي الوقت نفسه لا تستخدم الحب ذريعة للهروب من المسؤولية. نعم، المال مهم، والاستقرار الاقتصادي مهم، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة مسؤولية حقيقية. لكن الأسرة لا تبنى بالمال وحده، كما أنها لا تعيش على الكلام الرومانسي وحده.تحتاج إلى شخصين يعرفان معنى التعاون.قد تبدأ الحياة بإمكانيات محدودة، ثم يعمل الزوجان معا على تحسين ظروفهما. وقد يكون الطريق صعبا، لكن وجود شريك يفهمك ويشاركك المسؤولية يمكن أن يجعل الطريق أقل قسوة.
لكن لا تدخل الزواج بعقلية أن الطرف الآخر سيحل كل مشكلاتك. لا تتزوج بحثا عن ممول، ولا عن خادم، ولا عن شخص ينقذك من فوضى حياتك.تزوج عندما تكون مستعدا لأن تشارك إنسانا آخر مسؤولية الحياة.الحب جميل، لكن الحب الناضج أجمل.والزواج جميل، لكن الزواج القائم على الوعي أجمل.والأسرة ليست مجرد شخصين يعيشان تحت سقف واحد، وإنما مشروع إنساني يحتاج إلى احترام، وثقة، وتفاهم، ونضج، وقدرة على مواجهة الحياة معا.لا يكفي أن تقود سيارة جميلة المهم أن تعرف كيف تقودها إلى بر الأمان.وكذلك الزواج لا يكفي أن تبدأ الطريق مع الشخص الذي تحبه، بل يجب أن تتعلما معا كيف تكملان الطريق.