أدب وفن

​سلالة المعنى

يمنات

زاهر الأسعد – فلسطين

مِن سَهو الضوء جُبِلوا
مِن طين المارة
يعبرون كالوحي في صمت القصيدة
هادئون حد الذهول
واضحون حد الغياب
​أولئك الذين مَسَّت أرواحهم رنة الحقيقة
فارتموا في الرعشة
لا من برد المسافات
إنما
من ثقل المعنى في زحام العابرين
​هم حراس النوايا في زمن الضجيج
يقرؤون الوجوه كرسائل عتيقة لم تفتح
ويصغون لتنهيدة الجدران حين يهجرها الأحبة
​كلماتهم ليست صوتاً
لكنها نبض استعار لغة
يخافون أثر حروفهم على رقة القلوب
كأن النطق في أفواههم
عُصفور يخشى انكسار الغصن
​بسطاء كقطرة ندى
وعميقون كَسِرِّ الحياة
مأخوذون بالأثر لا بالأشياء
بالعطر الذي يسكن الثياب المنسية
بالتواريخ التي سقطت من ذاكرة الأيام
​يصلون إلى شاطئ الأمان بكلمة حانية
ويغرقون في شبر حزن إن ضاقت بهم السبل
​مزاجيون
لأنهم يضبطون ساعتهم على إيقاع الروح
عوضاً عن دوران الأرض
​في حضورهم يُورِق الفراغ بالدفء
ويصبح للكلمة سقف يحميك من تيه العالمين
وفي غيابهم تدرك أنك لم تكن تائهاً فحسب
وإنما
كنت جسداً يتبع ظله المفقود
​هم المقيمون في الغياب
الذين يتركون فينا ندبة من ياسمين
لا يطويهم النسيان لأنهم لم يمروا بجوارنا
بقدر ما تسللوا من خلالنا
​رفقاً بقلوبهم المشرعة للريح
أنا هنا إذ أكتبهم لا أسرد صفات عابرة
إنما
أفتح جُرحاً
​أنا الذي أدمنت تتبع الضوء في ثقوب الكلمات
أعرف كيف يُرهقنا هذا النقاء
وكيف نعيش غرباء في زحام الملامح
​آمنت أن المسافة بيننا وبينهم
ليست أميالاً من أرض
بل
هي نجاة من طين
​فيا ليت لنا نصيباً من خطاهم
ويا ليتنا نشبههم ولو في رقة الأثر
لعلنا نستعيد براءتنا الأولى
ونَـعُـود كـمـا خُـلِـقـنا
ضوءاً لا يربكه الزحام

زر الذهاب إلى الأعلى