فضاء حر

لا أدري للمرة كم ..أعيد نشر اغنياتي الأثيرات

يمنات

محمود ياسين

هكذا كنت أغني 

1_التسكع الاخير الليلة في شوارع اب 

ليس لأنني سأموت في الصباح لكنني سئمت الأمر 

هنا جلس مجمد الملاحي يتبول على سور مدرسة اروى للبنات فضربوه حتى تبول دما وكأنه اراق رجولته على البنات.

كان محمد ماجنا ويتمنى ونحن في الغرفة لو انه مدير مدرسة اروى ، ويصرخ في كل مروية لحلم ان يكون المدير : قسما لنجحهن على واحده واحده.

بعد ان ضربوه في فترة الراحة هاجر الى اندونيسيا ومن هناك ارسل الى هذا : اخي محمود يا صاحب الدنوة ، في اندونيسيا تبول على حائط من تريد ولن يسحبوك امام الطالبات. 

الان : تمام الحادية عشرة ليلا ، ظلام كثيف ، القمر الليلة لا تكترث لإب ، امامي سور مدرسة الطالبات وخلفي انفاس متخيلة لحوثي يراقب تسكع ابن ثانوية المدينة في ذاكرته.

الحوثيين دخلوا مساء ذهننا وتواجدوا في هجس التوقع ارادوا ذلك ام لم يريدونه 

اشعل الولاعك لاقرأ على السور : ارحل ،

شعار من ليالي الالفين وأحد عشر نسي المؤتمريون محوه اثناء لهاثهم هربا مثلنا ، لا يجدر بروائي التبول هنا على الحد الفاصل بين الموتى في المقبرة وحائط الثانويات اللدنات .

افكر : تزوجت اغلبهن بمدراء عموم ومهربين ومكفلين في السعودية وحظيت إلهام بمغترب في امريكا من الشعر ، يربح ثمانين مليون دولار في العام ويطل من نافذة مدرسة اروى متأبطا الفتاة التي كانت الصرخة الاولى في وجه محمد ، الهام التي صاحت : في طرطور يعمل حركات . 

يا الله ، لا يزال ميكرفون خليج الحرية يشتم علي عبد الله صالح للآن ، اسمعه واغيب في ظلمات المدينة لا اعرف من الذي نجى ومن اقتنصته قبضة العقاب ، نحن ام الرجل الذي كنا نسميه الرئيس !!

صاح سواق المتر : ما معك هانا ؟ 

هذا ليس صوت مساء إب ” مو معك يا ضنى؟ ” اخبرته ان معي قلب ضال يبحث بين سور مدرسة البنات وبين المقبرة عن سبب للحياة وتفسير للموت 

كانت سميره الباهلي خلف هذا السور تحشد صباح الفتيات بخطابات الناشطة الاسلامية ذات المهمة والرسالة ، تزوجت سميرة من عبد الفتاح البتول وكرست وقتها معه للاجتهاد والانتقال بوعي الحركة من الجمود للتجديد ، سيدة مثقفة وقوية منحت ابن البتول فكرة رفيقة الوعي الجديد الاسلاموي ، غير ان حركة جديدة باغتت الجميع ، وحولت مدرسة اروى لحائط ذكريات يهيل عليه المارة عند الحادية عشرة والربع ذكرياتهم التي لم يعيشونها على نحو انساني 

لا ادري اين ذهبت سميرة المحترمة المثالية ولا كيف انتهى عبد الفتاح البتول ، ادري فقط ان الطالبة البعدانية الهام قد تحولت لثرية تتسوق في متاجر “سياتل ” مبددة الاف الدولارات دون ان تخطر لها مدرسة اروى ، ودون ان تعرف ان محمد قد مات وحيدا في جاوه بأندونيسيا وأنه بسببها قد امضى حياته متهورا في إب ، وبسببها ايضا مات جائعا في اندونيسيا 

كان يغمغم ونحن في اخر الحصة الثالثة بمدرسة النهضة : باقي قليل وتبصرني الهام ، لازم انزل مدرسة اروى 

لو ان محمد قذف لالهام بوردة من وراء السور بدلا من التبول عليه لربما كانت لحكايتنا جميعا نهاية افضل واكثر لياقة من هذه التي اقتسمنا فيها التسكع والمنافي ، 

إلهام تعاني في الغرب الامريكي السأم ، وجثة محمد تصطك في مقبرة مجهولة بجزيرة جاوه ، وانا هنا ابحث في دماغ ليل إب عن عينيين مكحلتين من زجاج المدرسة ، وهمسة : باقي قليل ويرن الجرس . 

كان محمد المتوكل يزجر المناحي بلهجة اب : عيييب انا اعمل لك ابتسامة نجلا فتحي ، وكانت ابتسامة ابن المتوكل اكثر افتتانا بذلك التراكب بين الاسنان القريب من ابتسامة نجلا ، والمناحي يرد عليه : ايون احب الهام موش مثلك رحت تحب واحده اسمها ليبيا ،

مات محمد المتوكل في كشمير اذ انضم لمجاهدين هناك وبينما كان يحتضر سمعوه يحشرج : قولوا لليبيا تلبس الفستان

كان ذي يزن احمد مثنى يتدخل ويصيح انا لما اكن ظابط شرطه والله لعتقلكم الثلاثه ، المناحي بتهمة التلصص على مدرسة اروى ومحمود ياسين بتهمة الفصاحة اللي تهدد الوحدة الوطنية ومحمد المتوكل بتهمة انه وسيم 

مات ذي يزن في صعدة برصاصة حوثية وها انا كل ليلة ابحث عن موتي في ذكريات اصحابي وبرصاصة لا اعرف من من الثلاثة اطلقها في رأسي قبل ان يموت .

2_ الملاليني

لو أنه كان حديثا بالصوت لأخبرتكم كيف تشقق وجه محمد الملاليني، لكن الحروف تجعلني بدلا من ان اخبركم كيف تشقق وجه محمد الملاليني ولماذا لقبه ملاليني نسبة للتهكم وليس لقريته، تحول بيني وبين نقل صورة شاب قلبه متعافي ووجوده متضرر واصبعه تخرج من الحذاء، لكن التصحيح والحرص على همزات القطع تجعلني اهتم لدقة اللغة بدلا من شرح كيف وقع محمد ضحية عالم مغلوط.

سجنوه ايام كان صالح اسمه الرئيس علي عبد الله صالح وذلك بسبب انه سرق كيس بر من حصص المؤسسة الاقتصاديه وتم نسيانه في السجن خمس سنوات وخرج محطما وأنفه لم تعد رمزا للوسامة بقدر ما تحولت لملمح معطوف من الاذلال.

هو كان فقط عاشقا ، احب فتاة من عائلة جائعة لكنها فاتنة مثل بنات الجوع والليالي المذلة ، اراد التودد لفتاته فالقوا به في الزنازن خمس سنوات ، هو يشبه بدرجة ما مواطنا روسيا لكن الروسي سرق نصف كيس ذرة وامضى نصف قرن في ارخبيل الغولاغ الستاليني اذ نسيه الحزب ونسيه السجان فخرج بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقد شاخ وفقد صحته وكرامته وتحول لشحاذ تحت جسور موسكو وماتت حبيبته متسائلا : لا ادري لماذا اصابتني كل هذا المهالك.

الملاليني ليس من قرية اسمها ملالين، انه من الضاحية في اب، شد على كفي يسأل ما ان كنت الكاتب الذي بوسعه انصاف المظلومين، يروي مذلاته ويتمخط ويعتذر عن رشح عمره من انفه بردا وقسوة دنيا تعاقب عليها رئيسين، تم القاؤه في السجن اربع سنوات في زمن هادي بسبب اشتباه في الاسم المقارب لعنصر في تنظيم القاعدة ،

اروى تزوجت برجل غني طلقها بعد اشهر فالتهمها سعودي وصل إب مدججا بشهوته وفوارق اسعار الصرف بينما كان محمد يتم دعسه في سجن لا يعرف في اي مكان من اليمن وقال : كسروا ظهري بالدعس من غير سبب

انا اعرفك يا بن ياسين من ايام مدرسة الفاروق ، تذكر المدير توفيق المهدي ؟ المدير اللي كان ينقيني من بين ثلاثمية طالب يضربني لني باين عليا فقير وما حد يحميني ؟

في العام الخامس من عمره ضربه ابوه ببيادة اخوه العسكري حتى فقد البصر في عينه اليسرى وبقية عمره ضربه الحظ والمارة بسبب انه يبدو كائنا بلا دفاع ولا أم تصرخ في الجدران : دعوا ولدي

ماتت وهو في الرابعة من عمره وقذفه القدر لعالم قاس اذل انفه وكسر في قلبه حس المغرم العاشق الوفي بسبب كيس قمح .

نعم تذكرت يا محمد ، كان خطك جميلا وكنت تحرس مرمى مدرستنا بكل ما اوتي ابن الاقدار القاسية من استماتة ، لم تتمكن الكرة من هز شباكك يوما رغم ان المرمى كان بلا شباك ، اذكر كيف كنت تنقض على التسديدات وتعطفها لتحت رجلك وتقف داعسا على ركلات دنيا تلاشت تحت قدمك للحظة فقط ، ركن المرمىى المكان الوحيد الذي لم تهزمك فيه الحياة. 

اذكر سندوتشاتك العطنة في درج الطاولة الخلفية وكيف اقتسمناك ذات فترة راحة نسخر منك ومن جوعك وخوفك من الجوع باجراءات السندوتش العطن وقد خبأته لكننا كشفناك

اقتسمناك نحن ابناء القرى وابناء مدراء عموم محافظة اب وابن الشيخ البكيلي والحاشدي وابن المغترب في امريكا ، ماجد الذي كان يصرفك في كل حصة ببضعة بنسات مرددا : ذت إز فني

ما الذي يسعني فعله ياظلالا موجوعة وقفت امامي من الماضي ؟ من أيام أبلان ومن لكنة الطبيبة الروسية في مستشفى الثورة المجاور لمدرسة الفاروق وهي تدعنا كلنا جانبا وتشتمك باللغة الروسية مع اننا جميعا غازلنا ساقها القوقازية المصقولة في ظهيرة شبق الطلبة وغلمة الضواحي؟

قال محمد : سمعت انك ضاربت على مظلوم في الحديدة وانك انسان مثقف وتمام ، باقي أنا .

مسامح على الخمس والاربع والعمر كله الذي ما كان غير سنوات ذل وقلة قيمة ، فقط اكتب نداء ، قالوا انك صحفي مشهور ، مانش داري اين راحوا بأروى

اكتب ان محمد الملاليني يدور بعد اروى ، قالوا انها خدامة .

الجاكت بذراع واحدة والفاقة قضمت قامة محمد وفي قلبه غفران لكل شيئ ، وهو فقط قد أحب بقلب فارس يفتش عن حبيبته ويذرع الشوارع بعكاز ورجاء .

حدقت في مغادرته ، تعرف المخذولين من تلك الوجعة في ما بين مؤخرة الراس وظهر انهكته السياط ، انسان مغلوب غادرك وعلى ظهره تتدلى بقية غترة مزقتها الوجعات

لا اعرف يا محمد ، فقط اعدك بما تبقى من شرفي ان اجد لك اروى واعيدها ولو كانت في الجحيم

يا الله كم ان حذاءك مقطع يا محمد وكم ان مرماك مشرع لقذائف القدر 

فقط وهو يتحرك بين باب البوفية واخر طاولة على الرصيف يبحث عن شاي للفطيرة التي في جيبه المتهدل همست. : سامحنا يا حارس المرمى .

3_بوابة الشيخ 

مررت للتو

كنت ابحث عن سجائر في ليل الحصبة المتأخر ، لم تكن بوابة الشيخ تنام

كان يذكرنا بصحوة ما نحن عليه من خطأ ونزق جهوي ، والان لا احد غير حارسين من العصيمات يتثائبان على جانب بوابة لم تعد تحرس احد غير النهايات الحزينة ، بينما يبتسم الشيخ عبد الله من لوحة قماشية لذكراه وعسيبه مثبت على الجدران.

افكر في برد العصيمي وهو يحرس الموتى وقد تسربت حياته في ليل الحصبة ، لم يعد مرافق شيخ ، ولا هو جندي حراسة ولا هو حوثي ولا مقاومة ولا هو عنصر استخبارات.

انه يجلس على الرصيف ، يراقب اخر المارة الباحثين عن سجائر ، يتلقى الريح القادمة من الاطلنطي وهي تجتاز جبال الاوراس في المغرب العربي وتعبر الصحراء الكبرى ثم مويجات ظلام البحر الاحمر لتصب نهاية المطاف على ركبتي عصيمي جالس على الرصيف ولم يعد لديه ما يحرسه.

من هنا دخل المشائخ بحثا عن شيخ المشايخ ، من هنا مر علي حميد جليدان، وبقي ينتظر أن يؤذن له ، من هنا خرجت رابعة بتاج بلقيس لتزف للموت بمسدس أردني حقير من عشيرة المخدرات ، وخرجت الصوالين المعطرة بالخيلاء الارستقراطي ونشوة القات الضلاعي ، وهنا وقف رجال كثيرون في انتظار ان يؤذن لهم لملامسة اصابع الارستقراطي الاخير قبل ان يتبدد ابناؤه في بلاد الله بلا إذن من احد ولا رجاء.

لم نتمكن من معرفتهم يوما ، لكن صمت البوابة محزن ، يذكرني بنهاياتنا جميعا ، المثقفين والقبايل ، الصحفيين والناشطين واخر من تبقى من زمن شيخ المشايخ.

رفعت راسي للوحة القماشية وأومئت بتحية العابر : مسا الخير يا صاحب الجنبية والشال.

هذا الزمن قد شردنا جميعا ، نحن الذين لطالما اسميناك شيخ الجمهورية ، والجمهورية ايضا تم تشريدها ولم تعد صالحة لأن يحلبها احد.

في الجهة الاخرى صورة لمجاهد ابو شوارب ، تم لصق ما تبقى من حاشد في لافتة واحدة قال عنها احدهم : هذه هي المخطوطة الحزينة المتبقية من وهم القبيلة .

شخصيا : كنت اظن حاشد هي المعادل البدائي لشراسة القوزاق ، قبيلة الزعقات والمقاتلين المدججين بجلود الضباع وهم يسفحون الدم في السهب الروسي العظيم.

تبين ان الروايات لا تشبه واقعنا المكسور والاعزل حتى من القبائل ، القبائل التي كرهنا اندفاعتها الاستخواذية وتبين لاحقا ان حاشد اضعف من رسام كاريكاتور يواجه البارود بريشته الملونة.

لسبب يعرفه قلبي احبك يا شيخ عبد الله ، وراض انا انك رحلت وعادك الشيخ عبد الله ، كيف لو دخلوا عليك انت بكلك واسقطوا عمامتك انت شخصيا؟ لقد رحلت الا انك لم تشهد كسر ناموس بلد ظنتك يوما اخر اباطرة الاستحواذ وهتك القانون .

اتعرف ، تمنى اغلبنا نهاية لسطوة عائلتك ونخيط ابنائك ، لكن الكسرة تزامنت مع انكسار بلد ، واذلال عيال الشيخ ترافق مع اذلال ابن الرعوي ، وكان تفجير بيتك في الخمري ايذانا بتفجير كل بيت في كل قرية.

بعد رحيلك لم نخض مع حميد أو حسين وبقية ابنائك العشرة صراعنا الطبقي ، لقد سقطنا معا وبلا معركة .

الليالي الباردة تدحرج القراطيس وتجمعها عند بوابتك ، بينما يحدق العصيمي في الفراغ ، لم يعد لديه غير جهة واحد للزامل ، وليل بلا جهات .

كبري يا بندقي جنب البنادق ، قالها صادق وصادق صدق صادق ، مع كل عصر يتجدد حبي وولهي للفتنة تتعرق عند البوابة ” يا كحيل الرمش والعين الوسيعة ” وكأنني أمام قصر المعتمد بن عباد لحظة أن داس يوسف بن تاشفين على عمامة آخر ملوك الطوائف.

4_لا تزحف على الجدران 

لم تكن حياة مغوية البته 

العكس ، كافكا معكوسا بين أدبه وحياته 

حتى انك تشعر انه كان يتحدث عن نفسه في رواية ” الانمساخ” ذلك المستوى من حس الغربة والإذلال بين اهله ، وتلك اليقظات الصباحية وداخل كل منا مسخ ما ، أو انه كان قد عاش كل تلك الفظاعات ولو نفسيا ، وأنه امضى الكثير من الوقت يزحف على جدران غرفته هو الفتى فرانز المبعد الغريب وهو لا يطيق وجوده فكتب تلك الاستيهامات على هيئة حكاية لشاب اسمه غريغوري مامسا استيقظ ذات صباح وهو صرصار يتقلب على فراشه.

اظننا جميعا قد اختبرنا تلك الحالة المتصرصرة لحظة ان نستيقظ ولكن فرانز كافكا لربما لم يكن ليحظى بما نتمتع به نحن من شجاعة الانكار وهذا الدأب واللتت في البحث عن السعادة . 

ما اردت قوله هنا ان كافكا غواية أدبية هكذا تجعل احدنا يحلم لو انه كافكا اخر ولكن بدون تلك الكآبة والتوحد بالزمن في وضعية كابوسية ، انه ملهم كافكا هذا لكنه تعيس ، ولا اظن من السهولة بمكان ان يخدع احدنا الفن ، وينتزع منه كفايته من العبقرية الروائية مبقيا حياته بعيدا ، لو لم يتصرصر كافكا ويزحف على الجدران ويمضي الوقت في استيهامات فظائعية وتشاؤم عاطفي وخزي لما كتب الانمساخ على ذلك النحو الفاتن ، فتنة تتبع كائن يمتلك مبررات واعذارا لكل اشكال الازدراء والقسوة التي يتعرض لها دون ان يتمكن لوهلة من تفهم حاجته للقسوة هو الاخر الا لحظة كتابة ” رسائل إلى الأب” لم اقرأها لكن يبدو العنوان وكأنه يفصح عن مضمون الكتاب وهو مجموعة رسائل للسيد كافكا الكبير، التاجر اليهودي صاحب الدكان الذي يضع مجسم غراب على مدخل دكانه ويبدو انه كان قاسيا وان فرانز في هذه الرسائل يحمله تبعات كل الذي آل اليه مزاجه ومصيره عموما .

الذي يتبقى من كافكا هو هذه الروايات والمؤلفات التي اوصى بحرقها واراد ذلك حقا ، وكأنه لم يصل الى هذا القرار بدافع من اللا اكتراث بشأن الأدب او بسبب من عدم احساسه بالرضى تجاه ما كتبه بقدرما هو احساس بالخزي من ان يعرف العالم كيف امضى حياته بذاك القدر من حس المهانة والغضب العاجز ، اذ يدرك انه انما كتب حكايته في كل مرة من جوزيف ك وهو يبحث عن عقاب لجريمة لم يرتكبها او العكس يبحث عن جريمة للعقاب الذي يتلقاه ، وصولا الى غريغوري وهو يتسائل اول ما يتسائل وقد استيقظ صرصارا : كيف اذهب الى العمل بهذا الشكل ؟ 

يرفع العالم المولع بأدب كافكا القبعة لماكس برود الذي رفض تنفيذ وصية صديقه وهو المسئوال كما يقال عن الصورة الكافكاوية اذ قدمها هو معلنا في كل مرة وبعد كتابة مقدمة لواحد من اعمال كافكا ان صديقه ” تعذب لأجل الإنسانية ” بوصفه مسيح الفن الحديث ، حتى انه -ماكس برود – هذا الاستاذ الجامعي والصديق الاكثر حرصا على صورة صديقه الراحل اكثر من احساسه بمعاناته قد قام بحذف فصول من اعماله الروائية يسرد فيها كافكا بعضا من مسراته الجسدية قائلا اثناء الحذف : لا علاقة للقديس بهذا الانحطاط ، ولربما افلتت من اصابعه الرقابية التطهرية جملة قالها كافكا وهو يقف بباب بائعة هوى هي وحدها من منحته حس الغرام الجنساني المكتمل فقال : وقفت بباب بائعة الهوى ، وقفت تحت نافذة المحبوبة . 

اتحدث هنا عن السرد والافصاح عن كابوسية دنيا فتى العائلة اليهودية المتوحد وربما مفرط الحساسية للدرجة التي لو كانت لأحدنا هذه الحساسية لربما قام بقتل افراد عائلته 

تلك اللحظات التي انتزعها فرانز من مذلاته وضروب توحده الخجل من الذات خلف الباب ووضعها في اعماق صرصار هائل يصغي من مكانه للحجج التي اوردها ابوه واخته يقنعا بها أمه التي تحاملت على نفسها بتكلف أمومي معلنة انها ستدخل الغرفة لترى ابنها المسخ ، وحدث الجدل امام الباب وهو يصغي من الداخل للحجج التي قدمت لأمه كي لا ترى بشاعته وتراجعت من جوار الباب، الحجج التي وجد غريغوري أنها مقنعة ، 

غواية العالم الكافكاوي اقرب للتويم المغناطيسي او التحريض واعاة قراءة كلما مررت به او اختبرته من ضروب القسوة وفقا لهذا المزاج وهذه الحساسية . 

قد تقتنع انك غريغوري اخر مستحضرا ضروب القسوة مضمرا انماطا من النذالات والعصيان ضد عائلة تفخر بك الان ، ولم يكن الامر وهم يوبخونك باستمرار ليأخذ هذا الاحساس المتأخر بفكرة العذابات الانسانية لو لم تتقبل اصلا شرط الفن المتمثل في تمجيد حس العذاب بوصفه جمالا خالدا من نوع ما ، ضربنا اباؤنا لمصلحتنا وهم فخورون على اية حال ، وأنا مولع بعوالم كافكا السردية وحزين لأجله وهو يمضي حياته داخل بدلة بيروقراطية يحدق في الوجود بعينين قارستين وحلقا يسيل الى اعماقه المرار 

لا امتلك عبقرية كافكا ولا اريد نمط حياته بالمقابل لكنني سأحتفظ بحلمي بكتابة عمل خالد استخدم فيه كفايتي من ألمي الشخصي ومن عذابات الاخرين ومباهجهم ومسراتي الصغيرة ايضا .

إمض حياتك اليومية دون عبقرية حتى لا تمر السنوات وانت تزحف على الجدران .

5_عازف البيانو

افكر بالبيت الذي قاله المتنبي 

ألا ليت شعري هل اقول قصيدة 

فلا اشتكي فيها ولا اتعتب!!

كلما حاولت كتابة فكرة ما يدخل صوت المتنبي ، الشريد الملاحق بالحزن والنكبات ، المتنبي وكأنه يملي علي حزن القرون ويدمغ كل كلمة أكتبها وكل فكرة بشكوى الشاعر وعتبه على الناس والاشياء .

كأن الشعر هو في الاصل ان تشكو وتتعب ، وكأنما الكلمات هي ذاتها الكلمات التي يتفوه بها حزن العربي وخذلاناته سواء كان في خيمة حقيرة مجاورة لقصر سيف الدولة في القرن الرابع او في مجلس قريب من كل خيبة وبعيد من أي حلم بخلاص الشاعر الملاحق عبر القرون .

اكتب عن حفلات المسيسبي ، واصفر لحنا فرائحيا من صنعاء لعشاق ساحات روما ليلة راس السنة ، هذا عندما اتصرف ككائن حداثي ، حتى انني اتقمص شخصية عازف البيانو الذي نسيته عائلته وهو طفل في احدى السفن فقامت المحيطات والعابرون بتربيته حتى حفظ نغمات حزنهم ومخاوفهم وراح يعزف لكل مسافر ايقاعا لما يحسه في عرض المحيط .

يضع اصابعه على البيانو هامسا : هذا لص بضائع ، ويضرب على الاوتار لحنا قلقا جشعا يترجم انفعالات ذاك اللص ، 

انه بطل فيلم معروف ، هذا العازف على ظهر سفينة ، سفينة احتضنته وقد تخلت عنه العائلة الى جوار بيانو فكبر مع البيانو وتعلما معا كيف يعزفا مشاعر المسافرين .

يحدق في عينين واسعتين لمسافرة شهوانية في الخمسينات يشي الكحل المفرط والحدقات الهائلة والساعدين السمينتين بذاك الحضور الشهواني الغادر ، يقترح انها قد ذبحت زوجها وفرت مع عشيق حدث السن ، ويضرب على البيانو لحنا يضعك في مكان الجريمة شاهدا على الذبح الشبقي والخيانة.

لا حيلة للشاعر غير العزف على ايقاعات كل انفعال عابر ، الانفعال الذي يتخذ غالبا نغمة رثاء الناس والاشياء ومصائر البشر ، يمكنك ادعاء المرح ، بوسعك مثلا اعلان مبدأ البهجة والشغف والانخراط في جوقة العزف على التبشير بالسعادة ، لكنك فقط تصفر لحنا لوليمة في قصر سيف الدولة وانت في خيمتك تشكو وتتعتب ، او تصفر لحنا ليبراليا يشيد ببهجة حياة في مدن اوروبا التي لم تسمع عن مدينتك ، تلك المدن حيث يتأبط البشر مرحا تدربوا عليه منذ طفولتهم ليلة رأس كل سنة ، بينما تتأبط انت عبوة القمع التي ولدت معك وبقيتما معا كل ليلة يعزف احدكما للاخر ما سقط من كل سيمفونية جنائزية ،  الان استعدت نهاية المتنبي الذي كان عليه الموت حتى لا يخون قصيدته 

واستعدت المشهد الاخير لعازف البيانو في رحلات سفينة الاطلنطي الذي اكتشف فجأة ان ظلماته لم تعد بحاجة لنغمات .

وبينهما اتمسك بالحياة ، اعلن كل ليلة ان لدي في الصباح سنة جديدة ، واحتفل بأدواتي من الشاي بالحليب الى اعقاب السجائر .

وعندما اكتب ، يمتزج صوت المتنبي ” الشكوى والعتب ” بآخر نغمة عزفها فتى المحيط الذي رأى كل انسان ولم يلحظه أحد.

6_من يقتل البغل 

من يقتل البغل؟

حياة اليمني ليست جيدة البتة. حتى الذين يملكون نقوداً كثيرة، يشترون قاتاً أكثر وبالتالي يقلقون أكثر.

إنهم يحدقون من بعد المغرب، يحدقون جميعاً في البلاهة، ويتساوى الجميع في هذه الحالة الهذيانية الجماعية، فلا تعود تدري أيهم الذكي، ومن الذي لا يعاني ضغوطات. في اليمن لا يمكنك مساءً فرز عاثري الحظ من المحظوظين.

لا بهجة ولا مسرات، ولا حتى صداقات ذكية. نغادر بعضاً مهمومين بأشياء غير واضحة، ونجابه جميعاً تهديدات مبهمة.

قررنا يوماً أن لا نخزن، وحاولنا التجوال بمزاج أناس تخلصوا ببساطة مما يعكر مزاجهم، غير أننا لم ندرِ أين نذهب؛ لا يوجد مسرح، لا يوجد نشاط مسائي يمكنك الانضمام إليه، مكتشفاً أن هناك في صنعاء ما يمكن القيام به غير البلاهة.

على مدى سنوات وأنا أتحاشى الحديث عن الكآبة في مقالاتي، حتى لا يغمغم أحدهم: “هذا يكتب عن نفسه وعن المزاج”، وحتى لا تتردد كلمة “كآبة” في ذهني، ورحت أكتب عن كل شيء، إلا عن غياب البهجة في حياتنا.

تصادف أحدهم في لقاءٍ عابر وتسمع منه كيف أنه لم يعد قادراً على الفرح، وكيف أنه لا يدري لم هو غير قادر على الفرح.

وتعرف من خلال طريقتنا جميعاً في قضاء أيامنا بدون موسيقى ولا حب ولا صداقات ذكية أن ذلك الرجل يريد أن يفرح بدون ملامسة أي شيء مفرح.

من أين يأتي الفرح وأنت تمر مساءً بأشياء من قبيل “أبو عادل للخراطة” و”اتصالات أبو حرًوب” أحدهم يلحم صدام شاص وتسمع في البوفية المجاورة من يقول بصوت منفر “واحد شاهي حليب”.

الممرات مقفرة، والطريق إلى البيت مزدحم بأصحاب بقالات أمامهم ولاعات وأنصاف باكتات كمران، تشعر أنهم على وشك أن يفلسوا كل مساء تمر بهم.

ما جدوى حياة المدرسين في القرى والريح، وهم على الدوام يفكرون في الطرق الملائمة لتوزيع الراتب.

الراتب دائماً لا يكفي ليشعر المدرس بأمان ولو ليوم واحد.

لا زلت أكتب وأنا أدافع فكرة “عادية الموضوع”، وأتصور أناساً أخذوا على عاتقهم أن يكونوا عميقين ومتابعين للمقالات المهمة، وكيف أن هذا غير عميق وغير مهم. قد لا يكون هناك من ينتظر منك رؤى مهمة أو عميقة. وأنك تفترض على الدوام أولويات آخرين إلا أولوياتك أنت.. هكذا يتصرف أغلب اليمنيين، حين يتجولون في أذهان بعضهم للقيام بأكبر عملية تشويش جماعي متبادل.. تشويش يتجاوز مسألة القمع أو التطفل وعدم احترام الخصوصية والفردية، يتجاوز هذا إلى نوع من نشاط عدواني لا إرادي يقوم به أناسٌ يسحقهم السأم. أولوياتي أن أفرح وأسافر وأقوم بالأشياء الجيدة بدون مرابطة ولا تضحية.

أحب الملابس والعطور، وأن تكون صنعاء قادرة على تقديم مسرات. وبودي لو أسمع طريقة جديدة في العمل الثقافي، كالكتابة عن الأطعمة والنكات السخيفة.

وفي كل مرة يحاول أحدنا إدانة قبح الأيام وتعداد مزايا الخفة والموسيقى. يحضر الفقراء كمهمة مقدسة لا ينبغي أن تسقط من أي حديث جاد، وكأنك مبتذل يحاول الضحك في جنازة دون مراعاة لمشاعر أهل الميت.

يبدو أن أي محاولة للحياة في اليمن هي استفزاز لكل ما هو أصيل وعميق في ذهن بلادٍ تشبه عانساً معقدة.  

كانت الأغنية في التاكسي قد بدأت ذات يوم تبدد حالة انقباض ما قبل العصر، غير أننا مررنا بمقبرة حزينة فأسكت السائق الأغنية احتراماً للموتى. عادت الأغنية بعد المقبرة بقليل فسمعنا أذان العصر، وقام السائق بإطفاء صوت المسجل احتراماً للأذان. بعد قليل صادفنا رجل وقور يقرأ مقالاتي وكنت أصافحه من نافذة التاكسي في وقفة الإشارة، وأطلب إلى السائق إيقاف المسجل احتراماً للرجل.

في باب الجامعة يسيرون مثل جموع في فيلم رعب عن موتى تحولوا إلى مصاصي دماء والفتيات تحذير متكرر لكل شيطان يتجول في زحام باب الجامعة.

أصدقائي يشكون التهاب المثانة، ويحدثك أحدهم عن ما بعد الموت تمام الخامسة قبل المغرب، كان منشغلاً بالدود في القبر، وبواجبه تجاه واحد أصيب بالسرطان.

لسنا أقوياء بهذا الجلد في رجولة تحمل القبح والسأم.

لا نباهة ولا ذكاء البتة في طموح أحدهم بالنفوذ والتفكير بالسيارات الفارهة، والأراضي والعمارات وحسن السمعة، دون أن يخطر له شيء من قبيل أن يكون سعيداً، دون أن يكون بالضرورة على هذا القدر من الفطنة والذكاء. رجل الأعمال الذي يكسب كثيراً دون أن يشتري لوحة واحدة أو أن يحضر مهرجان الطماطم ورقصات النبيذ، هو رجل غبي، غبي يوقع شيكات.

لقد أعلن الممثل الأمريكي “شن بن” أنه يصبح تعيساً بعد كل فيلم يقوم ببطولته، وأنه كره أن يفني نفسه لأجل توفير أسباب العيش.. أظنه يحصل على ما لا يقل عن عشرة ملايين دولار عن كل فيلم ولا يشعر بالرضا.

أتدرون؟ لقد تآمر على حياتنا جملة من المؤذين: التراث بحكمه الأثيرة عن الرضا، والعائلة بقيودها، وكلمة المروءة، وهذا القدر الكافي من شخصية البغل في أعماق كل منا.

هذا الرضا اللعين يجب أن يقوم أحد ما بوضع حد له

من يقتل البغل ؟

7_ رجاح

كأنها منتزعة من مخيلة راوي أساطير 

ومن خوف وضلال الإبن الأوسط لعائلة عنيدة 

هنا ولدت وتلك هي الساقية التي كنا فيها موانع وسدود مائية ، هي التسع سنوات قبل الدنوة 

إنها عوالم وأحجار وليالي رواية ” تبادل الهزء ” هناك بين الجامع وبيت جدي كانت تسكن أمرية .

قرية بني ياسين ومشايخ وديور بني قاسم وهي حكاية بيت الحاج سعد الدين و

انها رجاح 

رجاح رجاح مزربة بتفاح 

بينه بنات يستاهلين الأرواح 

هنا حيث زمجر جدي احمد بن محمد ياسين ” أنا بن الفقي سعيد ” وحيث ولدت زوجتي وتتواجد الآن .

مساء صنعاني تنهبني منه ازقة رجاح 

لقد تعبت من كوني النسخة الشعبية من رواية ” البحث عن الزمن المفقود ” 

مارسيل بروست شيد عالما روائيا من ذاكرة المكان وتقوض كإنسان 

في رجاح اتقوض كلما وقفت مساء على حافة الساقية مستعيدا اكثر من ثلاثين عاما ، هنا رفعت الزنة بلا سروال ذات صباح وجلست في الساقية لأعمل سد لمرأة تغسل الاواني في صباح رجاح 

كانت هذه واحدة من وظائف طراوة طفولتنا ” تجلس لتصنع سدا لمرأة تدعوا ان يرزقك الله ، ولقد تبين لاحقا ان الله لم يستجب ” .

منارة مكتظة بالجن وصفير الريح القادمة من كهوف الأبدية ، وانا بباب الجامع ابحث عن انسان سقط مني قبل ثلاثين عاما بين باب المسجد وباب الشغالب 

اربعة دور تبقت وبيت جدي ، بيت احمد بن محمد ياسين ، من نافذته يطل جدي احمد مزمجرا ” اتروح يا وليد ” وانا في الزقاق لا ادري اين اتروح ، بيتنا لم يبق له باب ولا نافذة ، وفي بيتك يا جد تمور الاشباح وحدها وكأنك اذ تدعوني من النافذة انما تمنحني لكائنات الدهاليز التي تنتظرني منذ ثلث قرن لتزعق في اذني باستيهامات الوحشة والخراب 

هنا في هذا المصلي كنت يا احمد ياسين تصلي ركعتي ما قبل الفجر ، وهناك على تلك المويجات في البركة لا تزال تفعل صوت وضوء الكهول الذين يخرقون ماضي الليل ” سبوح قدوس رب الملائكة والروح ” ، 

اقف الان على الساقية ، هذا انا المهجوس الذاهل في اطلال قرية مهجورة ، افتح جنبات الكوت وأشد حزام بنطلون الصحفي لأتلقى الريح القادمة من كهوف الابدية ، تتكسر على اسوار رجاح ، رجاح التي قلت أنا انها تشبه ماكوندو كثيرا ورحت ابكي كيف انني لا اشبه ماركيز ، الى اين اعود يا جد ؟ 

بيتك ظلام وهذه التي في النافذة روحك المضيئة من العالم الاخر ، وان عدت ودخلت من الباب ستتلمسني اذرع الغيب واشباح الميتافيزيقا وانا لا أقوى على الاختبار يا جد 

مات جيرانك الطيبون ، مات العزي ” تزوجت انا حفيدته ” مات الحاج علي ، ومات بيتنا اذ تركه اعمامي للهوام والريح ، لم يمت أي من ابنائك السته ، لكنني الان اموت نيابة عن عائلة غادرت رجاح وتركتني لهذه الليلة التي اختلط فيها شوك البلس الترك بصقيع الساقية ووحشة الخرائب . 

عمي عبد الولي يخاتل الموت في مدينة اب وعمي عبد الله يختصر مشيتك وانفك الملكي بين مسجد عمر والبيت وأبي في الدنوة ، مذراة قمح نصبتها على مشارف ريح الدنوة ومت يا جد مثلما مات بعدك كل اصيل في رجاح 

هذا بيت الجبلين ، تلك النزلة الى الطاحون ، هنا كنا نصطف بباب المعلامة كل خميس ، ومن هنا مررت بعكاز ايامك الاخيرة تاركا لرجاح انا 

شخص يبحث في ممرات خرائب الريح عن جملة اولى لرواية جديدة 

من السحول ايها السيد القارئ يمكنك تحديد اين انا الان ، انا بين خرابة ومأذنة ، ادخن السيجارة الاخيرة وانبش وجودي في الخرائب بضراوة من فقد الجذور 

يقال ان سمك السلمون يعود عبر منحدرات النهر صعودا الى حيث الميلاد ، فقط ليموت حيث بدأت حكاية الميلاد 

وها انا ، يدي اليسرى على الساقية وعيناي في فراغ وفضاء الله وما علق في الكون من تسبيحات الاسلاف ، اتلمس طريقي في خرابة كانت يوما قريتي وهي الان بلاد زوجتي ، واسأل : لماذا حين تعود الكائنات لمكان الميلاد ، تعود فقط لتموت حيث بدأت الحكاية ؟ 

انا الان بين باب المسجد وباب الشغالب ، في القرية التي براس شعب يافع في النهار بالنسبة لمن يلتفتون اليها من نوافذ البيجو في خط السحول ، تبدو منها مأذنة ودار مشائخي ، وهذه التوضيحات ليست لك يا جدي ولكنها لناس نسميهم هذي الايام صحفيين ومثقفين نازلين من صنعا

انعطفت يسارا ورياح الليل تتكسر على ما تبقى من جدران رجاح ، هذا الكوم التراب والاحجار بيت صاحبك العزي يا جد ، انا تزوجت بنت ابن ابن ابن العزي ، والعزي مات والحاج علي مات 

هذا الدرج الحجري يفضي الى باب لبيت ابنك المطيع الذي قالوا انه يشبهك عبد الله بن احمد ياسين ، الدرجات والى الشمال بيتك ، لقد هده عمي محمد واعاد بنائه دون ان يهتم لما كنت تقوله : البيت الاساس نازل ، 

هذي الدكة فيها الان شي لا اتبينه في الظلام ، هنا كنت تتدفأ بشمس العصر وتقول : دنيا غرورة مكاره 

بيت عمي عبد الولي جنب بيتك ، لو تشوف يا جد كم يعاني عمي عبد الولي الان وكيف انه وجيع في حي الوازعية بإب 

هذا يا احمد بن محمد ياسين ما تبقى من بيتنا حيث ولدت وحيث كانت امي تجمشني في ليالي رجاح صارخة : يا حي يا معبود كن مع محمود ، انا بن ابنك الثالث قاسم ، قاسم الذي كان يحملك من الجامع بعدما كسرت رجلك وانت تقيم ليل الملكوت بقدمي انسان يريد ان يحمل على جسده الضعيف عرش الرحمن ، قاسم الذي كنت تقول انه : مطيع ولو هو حمق 

لقد كف ابي عن سرعة الغضب وسرعة الرضى تاركا لي هذا الارث اعيش به حالة من العناء وسوء الفه 

في اب الان اتملى وجهك كل يوم في ملامح عمي عبد الرحمن ، قد لايشبهك تماما لكن أنفه انفك لكن روحك استقرت فيه لذلك ابحث في وجهه عنك كل يوم 

انا الان تحت العقد ، من فوق راسك كان الماء يتدفق وكان العقد يحمل الساقية والان تمر التداعيات وبقايا الجص وجفاف حلق ليل قرية يتجول فيها صحفي اسمه محمود بن ابنك قاسم 

البوابة الان يا جد ، هنا تضورت الطهوش في زمن غوائل ليل المتأخرين ، هنا يسكن الجن وما يكفي للواقعية السحرية حيث أحتاج ياذا اللحية وعكاز الايام الاخيرة لتعريف مدهش للخرائب وزمجرات الرياح وتحويلها لرواية ، انت لا تعرف شيئا عن الواقعية السحرية ولا عن ماركيز ولا كيف يمكن تحويل كل هذه الوحشة لرواية ، انت لا تعرف ولم تسمع عن الرواية لكن هذا ما أفكر فيه الان تمام نص الليل بين بوابة رجاح وقبرك 

ريح الليل القادمة من بين وشرفات الجبال تتكسر الان على اسوار القرية التي هجرها الفقراء، تطاول رعاة الشاه في البنيان ولم تقم القيامة كما توقعتها ياجد ، لكن هناك قيامات في دنيا الله لها أجداد ليسو اروع منك .

جد ماركيز من ال جوزيه بوين ديا وكان ظابطا في جيش هائل حارب كل الجحافل ولقد انجب ابنه اورليانو سبعة عشر ابنا ماتوا جميعا في ليلة واحدة 

ابناؤك الستة مات كبيرهم عبد الولي ، عمي الذي بقي يصارع الأقدار بجبروت شخصيته وبعلوم القرآن ، الخمسة الباقون لا يزالون على قيد الحياة حتى اللحظة ، يناوشون الموت باستيهامات ما بين الموت والحياة 

وانا الابن الاوسط المنسي لإبنك الثالث اقف الان على قبرك بينما تتزاحم التيارات وهواجس الليل على انقاض رجاح 

أقف مترحما على حياتي التي تسربت من بين اصابعي ، اقرأ لروحك فاتحة الكتاب الذي جائك الموت وهو كلماتك الاخيرة 

فقط يا جدي ،قال عمي عبد الرحمن وقال أبي ، انك كنت تقول لكل من يخبرك عن شي غير معقول : هيا اجنن لك اجنن 

اليمن كلها الان تردد مقولتك ، 

لا تدري كيف تحتفظ بالمتبقي من عقلها.

 الفاتحة يا جد ، عمي يتصل اتروح الان والريح تتفاقم يا ابن الفقيه سعيد 

ادع الله لي ياجد ولنا جميعا من حيث أنت ، لقد ضللنا الطريق .

 

8_اليابسة

ينتابني حنين للعمل في أعالي البحار 

هناك حيث لا كتابة ولا إمعان 

كان لدي صديق في مدرسة النهضة يحلم هكذا ونحن نهرب في الراحة وتتسكع بين البوفيات وكان يحلم ان سفنا عملاقة تخبئ وجوده القلق وان صارية عملاقة يتشبث بقمتها صارخا: اليابسه

هو كان مسكونا بابطال مسلسلات الكرتون -البحريين تحديدا- ولم اكن من جهتي اعرف ايامها الفارق بين سفن اواخر القرن التاسع عشر والسفن الحديثة التي تلتقط اليابسة بالرادار والخريطة الالكترونية وليس بصوت الفتى الكرتوني المدهش .

حتى أنه كان ونحن في جبل ربي يختار حجرا ضخما على الحافة يقف عليه ويشير تجاه جبل بعدان صارخا: اليابسه 

في اليوم التالي يطردنا المدير ولا نتألم من ذلك فنحن لم نكن نعول كثيرا على العلم ، اذ لم يحدث ان تقاسمنا مثلا حلم الالتحاق بكلية تحتاج لمجموع كبير وبقيت احلامنا كرتونية غالبا فهي وحدها قابلة للتحقق وملونة بدهشة المغامرة وخفة الكائن .

علمت مؤخرا انه أمسى سائق شاحنة بين اليمن والسعودية وانه يهرب القات تحت كراتين المنجا والموز ولقد أكد لي من رافقه في واحدة من هذه الرحلات انه فقد ذلك الوميض المتحدي من عينيه وان تهريبه للقات ياتي كمحاولة مستميتة للتشبث بروحه المتهربة من عناء السلطات ورقابتها لكنه يفعل ذلك بدون احلام .

تتسرب الأقاصي من وجداننا بمرور الوقت وتعلمنا الحياة كيف تستبدل حلم الانفلات الوجودي بارتكاب المخالفات الواقعية جدا ونتحول شيئا فشيئا لشاحنات وقد تلاشى داخلنا اخر بطل كرتوني تاركا الروح تجابه الزمن بلا فنتازيا ولا دهشه .

الان حصلت على رقم تلفونه واتصلت 

سمعت صوته فصرخت:

اليابسه .

9_ عائلة جنرال موتورز 

شفر موتورز

اليوم تقاصرت صنعاء وأنا أمخر الشوارع بالشفر التي لا زال نصف ثمنها ديناً، لكنها أصبحت لي كلها، أقود متخيلاً إشارة “+” شفر متعالياً على الهيونداي، ومكتشفاً عيوب الصناعة الكورية مقارنة بالأمريكي.

وهكذا بلهجة منحاز لمن يحب، رحت أنحاز لأمريكا ضد كوريا الشمالية، وأضحك من تطاول الكوريين على أمريكا صانعة الشفر التي كانت تزمجر تحت قدمي مثل أسد فرح بنفسه.

 العجيب أنني رحت أفاضل بين كوريا وأمريكا، فأنا دائماً أكتشف مزايا من أحب، وأتشاحف لأقاربه، وكل ما يمت له بصلة. وهكذا أصبحت أمريكا كلها عائلة سيارتي العزيزة، وأنا الذي لطالما ذرعت شوارع الحصبة مشياً على الأقدام، أحلم بجائزة نوبل، لكن مع الشفر دفع رباعي لا تعود بحاجة لنوبل.

جنرال موتورز (كبير العائلة التي تنتمي إليها سيارتي) تربح كل عام ما يتجاوز الدخل القومي السنوي للكوريتين. هكذا أخبرت نفسي دون التأكد من صحة الأرقام، إذ لست بحاجة للدقة في حالة الوله التي أمر بها.

أفكر الآن بالبلاد وشوارع إب، وتحديداً شارع العدين، حيث أملأ خزان السيارة من محطة السميري، وأنطلق في شارع العدين ، شارع السندوتشات وطريق العودة من مدرسة النهضة، ودكان خالي الذي كان. شارع العدين الذي تحول مؤخراً إلى بطل مهم في روايتي الأخيرة (قبل أن أقتل رويدا).

 شارع العدين الذي تنعطف من منتصفه إلى المركزي، تشتري القات المريسي، مدعياً أنه ميتمي، وتنطلق بالشفر إلى المنصوب مفرق البلاد.. يجب أن تكون سيارتك شفر لتنطلق إلى مفرق البلاد، ما لم فيمكن تسمية الأمر شيئاً آخر غير الانطلاق.

نصحني صديق البارحة بعدم تكرار الحديث عن السيارة، حتى لا أبدو “قليل إلف”. والحقيقة أنني قليل إلف جداً، وخصوصاً تجاه السيارات، لذلك سأتحدث بنوايا خيرة قد توفر لي عندكم بعض التغاضي، وأنتم ترون أنني أنوي حمل كل من أصادفه من مفرق المجمعة، فالشفر قلبها واسع تكفي الأحبة والعابرين، وتقوم بكل الذي تدعي الصالون القيام به دون غيرها.

نحن أبناء الطبقة المتوسطة، نحتفظ بأفراحنا الطفولية، ونعيشها، متخلين عن تعالي المثقف الذي تتساوى عنده الأشياء.

كيف سيكون طريقة الدنوة الفرعي على متن الشفر العملاقة؟ كيف سيكون إحساسي تجاه “شرف الظبر”؟ هذا الشرف الذي لطالما بدوت منه على بعد الدنوة هناك قابعة في مساء العائد اليومي من إب يمشي في العتمة وأحلام اليقظة وحفر مياه المطر التي خضبتها السيارات التي مرت جميعها قبل ترجل الراكب في المفرق.

اكتشفت اليوم أنني سائق بالفطرة. حتى الآن ولا غلطة واحدة، وتبين لي أنني لست عبقرياً البتة، كما حذرني صديقي من شرود العبقري الخطر أثناء القيادة.

لقد حصلت على دركسون وجهاز تسجيل بسماعات مذهلة، وحصلت على حرص السائق مقابل التخلي عن وهم العبقرية.

بقيت مساء البارحة مشغولاً بالسيارة، وكل شوية أطل من النافذة خوفاً من أن يسرقها أحدهم، غير أن السيدة “شفر” جاهزة للتعامل مع هكذا معضلة، إذ علمت لاحقاً أن الشركة قد وضعت حداً لطموحات السرقة، وقامت ببرمجة المفتاح مع الماكينة التي تزمجر.. لا أحد يمكنه سرقة فرد من عائلة جنرال موتورز العظيم.

10_اشطحي لي يابنت الأوراس

‏ما يحدث لي يا صديقتي، هو ما يحدث لرجل كان له بلدا يكاد يكون لائقا وملائما للحياة الممكنة .

‏لدي الآن خرابة ، أنا كنت متحمسا لها للغاية، ولقد شاركت بفاعلية في تشييد هذه الخرابة اثناء ما كنت أبحث عن فردوس ،اثناء سعيي الدؤوب لإنجاز نسخة اسكندنافية أعدتها إلى ما قبل الدولة .

‏لا تشفقي علي،

‏أعرف أنني الآن كامل الأهلية ، لدي كلما يلزم مثقفا مبهرا ومتأنقا بجاذبية اليائس الرومانسي، عوضا عن غواية فضولك الجزائري ، بشأن الصورة المتخيّلة لكاتب يائس في صنعاء ، الكثير من السجائر والأرق وما يلزم الصورة الكاملة باستثناء البنطلون الجينز ، فأنا يائس وجودي وفي حالة خيبة بكامل قيافتي الوطنية ، يمني إثر قات في حالة من الفوضى الذهنيّة والفلكلور المرتّب جيدا ، الشال على كتفي والجنبية التي تطلقين عليها ” خنجر” منتصبة مثل حالة عناد شيخ قبيلة ضربوه في السوق . 

‏يخطر لي الآن ارتداء الصورة التي في ذهنك و أنت على حافة جسر قسنطينة ،تتحدثين لمثقف يرتدي الجاكت ويضع شالا من ذلك النوع الذي يلفه الفنانون اليائسون في السان جرمان بباريس 

‏ربما يمنحك ذلك الحماسة الكافية لأن ترقصي لي على حافة الجسر على سبيل تحقيق حلم بطل رواية مستغانمي وهو يتوسل : حياة اشطحي لي 

‏أنا بنيت لي بيتا على حافة الجسر فرقصت لي الهاوية لحظة أن رفعت معها الكلفة . 

‏أنا أضعف حتى من التمتع بحق الندم ، 

‏اشطحي لي يا نوران ، وسينعكس ظل جسدك يتثنى على قمم جبال بلادي التي نسيت شكل الظلال . 

‏في كل ليلة احشد مخزوني الهائل من الرثاء وأقسمه سرا بين القتلى والقتلة والطرقات الوحيدة ، محتفظا للذات بكفايتها من رثاء الطقوس السرية لحزن اليمني الخجل من دموعه ، 

‏اشطحي لي يابنت الأوراس ، بلادي سقطت ولم نُمهلها حتى أن تؤدي رقصة الموت الأخيرة .

11_ بالكلمات 

بالكتابة فحسب يمكنك تقمص اله إغريقي غاضب ومغرم بإمرأة من البشر وضعها إلى جواره على جبل الأولمب ، وبالكلمات تتسكع في أزقة لندن وترثي العالم البائس في حانة قديمة بضاحية في إيطاليا 

إنها آلة الزمن وبوسعك الانتقال لحضور آخر عروض البلشواي متأبطا ذراع فاتنة أوكرانية أو الجلوس قريبا من ستالين في صباح سوفيتي بينما تمر القوة الفولاذية على أسفلت الميدان الأحمر وفي روحك تجيش مشاعر دبابة وحيدة ومهملة هناك في خرابة نسيتها موسكو 

أنت معطف غوغول والشريك الإنساني لآلام فيرتر ، وبالكتابة تخلق عالما وترتجل صخبا وتجلس جوار الدلاي لاما متأملا تموجات الريح على حشائش التبت . 

تستعيدك بالكتابة من تشوشك ووهنك في التفاصيل اليومية وحيث يسع صدفة أن تلحق بك هزيمة مجانية في معركة لم تتقنها فأنت عصي على مراكمة الخبرة الإنسانية والتجارب شأن الهاربين إلى الفن .

أنت مغامرة مدهشة طالما بقيت قادرا على تطويع الكلمات ، 

الكلمات وحدها ، الفن ينقل أحلام اليقظة من مستواها الهروبي الجدير بالشفقة أحيانا إلى مايبدو ارتجالا لعالم بديل حد الملامسة وتشمم الروائح ، الكلمات وحدها تمنحك مفاتيح القلاع وصولجانات الملوك وبلل شعر محظياتهم ، وإذ تستسلم للفن تنتصر على كل ما يتهددك كإنسان مسكون بالوعي المبكر بالخذلان .

الكتابة التي جعلتني راهبا يعلم الكونغفو بمعبد في شرق الصين وبعدها بدقائق كنت قرصانا في أعالي البحار دون أن أكون أعورا لكنني كنت قاس ومكتظ بالجلافة اللائقة بقرصان ملأ سفينته بالجواري اللائي كن قبل مغامرته أميرات مسحورات في إحدى الجزر ، الكتابة تمنحك حربة أخيل ودرع هكتور وتبدلك وتنقلك وتمنحك الأقاصي وكل الذي كان ينقصك في كل مرحلة من حياتك ، إنها هبة التقمص الجذاب وتلك الحرية والتعامل مع النفس بسخاء ، إنها الكلمات تنقلك من محبط في مساء مفخخ بالمصادفات العدائية إلى ظهر سفينة تقطع الأطلنطي على إيقاع ضربات أصابعك على البيانو ، هكذا بحق الموهبة وقدرتها يمكنك الاستحواذ على روح بطل حكاية تحولت لفيلم ، وبدلا من اقتفاء نصيحة شكسبير وهو يقول لك : إمنح حزنك كلمات ، تقوم بالاستحواذ على أصابع عازف البيانو وتمنح وجودك نغمات ، نغمات لك وليست نسخة من نغماته بالضرورة وهو مثلا يلمح امرأة حدقاتها هائلة وتشي ايماءاتها بشبق خمسيني يتأبط فتى من إيرلندا ،والكحل المفرط واليدين السمينتين تحولتا لنغمات وكان يهمس لبحار قريب من روحه الباحثة عن مرفأ : أنظر هذه المرأة ذبحت زوجها وفرت مع عشيقها حدث السن هذا ,تحديقاتها مزيج من النهم والخبرة والإثم ، وبدأ بأصابعه يضرب نغمات تنقلك لمسرح الجريمة حد الإصغاء لحشرجات الرجل المغدور ورؤية دمه على السجادة الفاخرة ، ليس صحيحا أن الكتابة عناء البتة ، لقد منحتنا نحن القرويين القبضة الفولاذية للإمساك بأعناق متنمري السياسة وأقوياء السلطات وجعلتنا جهة عقابية وكنا عرضة للتهديدات بدون كتابة ، تهديدات الوظيفة والرقابة الأخلاقية وتلك الآلية التي يعتمدها أفراد محيطك لاستعبادك بدافع الرعاية ، كنا بلا قدرة على مواجهة هذا العالم لكن الكلمات جعلتنا نحدق في عيون الخوف وننتزع أكباد الضواري ومنحتنا مفاتيح القصور لنزج وجودنا في التاريخ منتزعين المحظيات من غرف نوم الأباطرة وتاركين قهقهاتنا تتردد في أرجاء كل بلاط وكأن الكاتب هو الشيطان في ” المعلم ومارغريتا” ، وفي لحظة ينتقل لفاوست ليلعب دور الملاك . 

بالكتابة أنت غرابة الأطوار وقد أخضعت التاريخ والجغرافيا لتبدلاتك المزاجية وفصلت الوجود بمقاس لحظتك .

ربما سيكون من الأكثر أناقة لهذا العالم هو التأنق بالكلمات . 

نحن العالقين في موسيقى الجملة ، من نتواجد على إيقاع الكلمات ، هكذا نعيد توازن أمر الزمن .

يحدث هذا عندما نهتز ونتطوح أو تطوح بنا آلة الوجود اليومي فنضبط الأمر بموسيقى الجملة ، حياتك غير متوازنة ليس بفعل عاداتك السيئة ولا لكونك مفتقرا للحكمة ولكن لأن موهبتك بحاجة لفوضى أيامك وحسك باللاتوازن ، الأمر الذي يمنح الموهبة وظيفة استعادة الضبط ، وهكذا في متوالية يومية بالغة الشراهة ، البوابة صدئة وقبلها برميل قمامة فيه كل شئ من محفزات التفكير في كون الفقر ابتذال ومناهض لفكرة الجمال ، لم تقم بحلاقة ذقنك أيضا وكلما حولك يعكس تململ ذقن غير حليق وعلاقة غير منسجمة بين القميص والبنطلون ، تكتب وتترتب الألوان من تلقاء نفسها ، تكتب كمن يخلع وقته النشاز ويتخلص من قبح رسالة وصلته في الخاص ، بالكتابة يمكنك ادعاء الجلوس في الصف الأمامي بمسرح البلشواي في موسكو لتلحظ النغمة المركزية بين الحركات ابتداء من حركة ساق الفتاة وانتهاء بآخر ضربة على مفتاح البيانو في باليه ” بحيرة البجع” . 

بالكلمات تمتلك الجسارة الكافية لمقاسمة الامبراطورة كاترين فراشها مستبعدا كل جنرالات جيشها الواقفين على الباب ، الكتابة تميمة الساحر الشريد الغارق في التأملات والملذات والمتلصص الحصري على التاريخ وهو يقوم بترتيب الفوضى على نحو مختلف ومقبول في كل مرة . 

أيا يكن لون المساء وطبيعة الأصوات ، ومهما ارتجلت حدود المكان أسبابا لحصارك لديك المفتاح ، سحر الكتابة . 

بها فقط يمكنك مراقصة سكارليت جوهانسون والهمس في أذنها : العرب ليسو كريهين كما تقولين ، خصرك يدرك هذا أكثر . 

بوسعك الوصول للأقاصي متجاوزا حدود البلدان بالكلمات ، وبها أيضا تستعيد بلادك من أناقة وبراعة أصابعك، ومما يدور بينكما ، بلد ووشة امرأة ، كلماتك وهي تلفت انتباه التاريخ لوجوب التحلي باللياقة .

12_ممشوق القوام 

لم أجرؤ على التفكير أن حمود السمة غنى ممشوق القوام على نحو أكثر بهاء من الآنسي .

هذه مفاضلة بين المبتكر العظيم وأحد تلاميذه ،لكنه غناها لحبيبته فيما يبدو وهنا مبعث بهجته وسكرته ومايبدو وكأنه رسالة ما لامرأة بعينها 

وعندما تغني لامرأة تعنيك فغناؤك مناجاة

 ويجدر بالفن ان يكون شخصيا .

حمود وهو ينادي : ياذاك البعيد ،يامن كوى القلب بعده ،مضناك الوحيد يعاني الوجد وحده 

حيد مضناك حيد 

وأنا أردد : حيد مضناك حيد .

للغرام قوة السحر وطقسية إحياء الموتى وهو يكاثر المواليد وبراعم الزهر ويمنح الكثبان رائحة وحيود الجبال خصورا وللصخر انوثة .

اعتذر هنا لنفسي وليس لمحبي الآنسي الآخرين فأنا واحد من يمنيين يرون في الآنسي أعظم فنان وهبته اليمن لروحنا العطشى المتعبة على سبيل التعويض ومعادلة العناء الإنساني بالآنسي البهيج الفاتن .

سيجارة ،قطرة عرق ،انفاس امرأة متخيلة في ركن طيرمانة بصنعاء تعيد ترتيب وضع مدكئي وتتنفس قرب أذني فألتقط رائحة أصداغ انوثة الكون وأكاد أصغي لوجيب قلب مراهق يرفض ان يكبر ،مستسلما لنشوة امرأة ناضجة تومئ بعينين مسيطرتين على فواصل الافتتان واللذة .

بقي نفس واحد من الروثمان ،ولقد تبخر الماء إلى إب بأنوثة صنعانية متخيلة قطعت قاع جهران وانسابت على تلافيف سمارة ،لامست حشائش السحول بكف واعدة سخية ووصلت إب حيث انا لتتنفس في مائي وأتنفسها انا مثل جسد حظي برعشة فتوقف عن الاحتضار .

كأنما نقلتها من ريف إب إلى صنعاء وغنيت لها في الطريق اغدا القاك وأعدتها على إيقاع الانسي ،مثل عملية إعادة خلق وتكوين لا تدركهما غير الأساطير .

المتبقي فقط ذلك التساؤل : ياقلبي علام ،رضيت موتك

 على مه ؟

13_ قشاوش

اهل القرية عندنا لا يزالون يطلقون الالقاب على الاطفال ، نسميه ” الذمر” كل واحد معه لقب ذمر ، البحطه والفانوس والنعمة والعشمال وقشاوش . 

بالنسبة للاخير السيد قشواش هو بن صاحبي القديم محمد عبد الجليل ، لديه تطلعات ثقافية ويخزن ولا يزال في الثانية عشرة من العمر ، وبالنسبة لمهتم بالصحافة والثقافة كقشاوش فإن عليه إحضار صديقه عشمال والذهاب لتكملة التخزينة عند الصحفي الذي هو انا بالطبع ، على أمل أن يتبادل معي حديث السياسة والثقافة وهموم الحريات من بعد المغرب 

غالبا ما أكون في توقيت كهذا بالغ الحساسية وفي حالة من رجاء العالم أن يتركني لعوالمي الداخلية وضروب تنويعاتي الذهنية ، يغادر الناس المقيل تاركين للاستاذ أن يخلوا بعوالمه الكتابية وهكذا بتواطؤ من يقدرون حاجة العبقرية للصمت والوحدة وكتابة ما ينبغي ، انهم ينسحبون بتلك الهمهمات التي تحترم العلم والشجاعة السياسية، أنا من جانبي اتخذ وضعيات عبقريةتعزز هذا الاحترام ، كأن أطرق بإمعان بالغ وبهيئة غاندي قبل توقيع اتفاقية الجلاء ، ذلك يجعلهم فخورين ومطمئنين بعض الشيئ لوجود عقل منهمك يوشك على الوصول لحل لكل الذي يعانونه من معضلات وطنية ، بينما اكون لحظتها افكر في فيلم ” أشياء عليك القيام بها في دنفر” أو بفصل جديد من رواية ” على حافة الكأس” .

أرفع رأسي بكل عبقرية بعد المغرب وقد خلى المقيل تماما لأجدني مع قشاوش وصاحبه عشمال وجها لوجه ، لقد قررا تكملة المقيل عندي ، مبحشمين وفخورين هكذا والسيد قشاوش قد اعتمر قبعة لفها بشال مطولل فبدى مثل متعهد جبايات تركي من حقبة السلطان عبد الحميد قبل سقوط امبراطورية ال عثمان ، هكذا جالس قشاوش أمامي وإلى جواره عشمال يهز رأسه موافقا ومؤكدا لاتفاقه مع السؤال الذي طرحه صاحبه ذو القبعة : ايش رايك بالدول والإسرائيل ؟ 

قشاوش وعشمال قبالتي ، فكرت في ” البركشة” وخشيت ان يقفز عشمال لوجهي ، وكأنني أمضي آخر التخزينة في متبان . 

قلت : سوء الخاتمة 

طارت الحكاية في الأرجاء واعتذرت لقشاوش في اليوم التالي وهو فوق المتر -امتلأت الدنوة بالدراجات النارية مؤخرا وكأنك في المجران ولكن بباب شعوب قبل الوحدة ، هو يحب بيت ياسين ويتودد للدنوة تقديرا للكتب والعلم ، قال انه اعجبته الحكاية وعرفه الناس وغدى مشهورا ، بينما كانت قبعته هكذا متطاولة وراضية في ظهيرة الدنوة ، أما عشمال فقد طار إلى الفرزة بحثا عن رزقه هناك ، الأمر الذي ذكرني بعشامل نخبتنا السياسية التي طارت بعيدا أثناء الحريق تاركة لنا هذا المتبان نصغي في لياليه بحثا عن الصمت ، مطمئنين بلا بركشة .

الذي يبدو على يمين الصورة هو الحنش 

يغترب سنة ويعود ليبددها في شهر , إنه أطيب حنش في العالم وبوده لو يترك وشأنه 

لا يكف يتلقى اللدغات ولا يؤذي غير نفسه .

14_وداعا عدن

آخر مرة كنت في عدن لم يكرهني احد

لا عامل الفندق ولا المسلح الحراكي الذي وجد موقفا لسيارتي وابتسم

حتى الفتاة النسخة من أمل كعدل ولا تزال في السابعة عشر في كريتر ضحكت لي وانا استخف دمي ولابس شال وجنبيه اسأل عن الكريمي فقالت : الفكه التانيه شمال 

كنت قد قلت : لو سمحتي اين مكتب الكريمي معي حواله من يحيى معراد ؟ فقهقهت العدنية وهي تلمح راس جنبية الشمالي بلا ضغائن دحباشية 

لم تكترث لتصنيف شي غير انسانيتي. 

العدني هو البدلة نصف كم يقول لك : هب له سياسه بجيب لك شاهي ،خالتي سميرة أذكى منك تقرف عارك سياسه ويبحث لك بعدها عن كرسي ونكته 

عدن هي المدينة التي انتزعتها قبائل الجنوب الضالع وابين من حلمها الانساني ونهبتها قبائل الشمال وفي كل مرة تنام عدن وثمة عنف يتحدث نيابة عنها بينما تبحث لاطفالها عن مخدة بلا خريطة 

في الليل بعد الواحدة تماما استلقيت عاريا تماما على ساحل ابين ، في الظلمات حيث الله في الأعالي وجسدي يخوض في بحر العرب غير خائف من اي جنوبي غير سمك قرش مولع بالتهام الاعضاء

كل من كتب في اللياقة الانسانية قال ان عدن كوزموبوليتيك ، الاصطلاح الذي يجعل احدهم ليبراليا يشهد بكوزموبوليتيك مدينة حولها المثقفون معرفيا لدغل 

لي مع عدن ذكريات ليل مراهقة قديم منذ الجنسانية الاولى في ليالي قرية الدنوة تحسدنا بقية القرى كأننا وحدنا نلتقط القناة المشفرة الوحيدة التي لا تحذف المشاهد الساخنة وتغني للوحدة قبل الوحدة بسنوات كنا قرية للريح على راس الجبل تلتقط وحدها تلفزيون عدن قبل الوحدة 

كان موقع الدنوة براس الجبل يلتقط احمد بن احمد قاسم وانفه المفلطحة تغني : الوحده ، الوحده اليمنيه ، الوحدة اليمنية يا شعبي أغلى إنتصار 

وبعد الوحدة وابان تصاعد موجة كراهية الشمال كنت مستلق على رمل ساحل ابين في الظلمات وهو يستجلب موج الليل من المتجمد الجنوبي الى قدمي يمني يقاوم تصنيفه كشمالي ويغني : صدفه التقينا على الساحل ولا في حد 

كلمات لطفي جعفر كانت بايقاع احمد قاسم هي الأمان ، خضت في اليم مجددا وكانت الكراهية هناك تتفاقم في مطابخ السياسة بينما انا وعدن نتبادل القبلات ونهمس : الله من ذي الشفاه والنهد 

في الصباح ارسل بائع السمك ابنه يبحث لي في بقية السوق عن سمك سخله وانا اسميه غودة ولم يكرهني ولا كره جنبيتي ولم يعاملني على انني مدير مكتب علي محسن 

في كل مرة كنت في عدن تأبطت يدي شاعر فرنسي اسمه رامبو ، احبته عدن ومنحته ليلا ومويجات كافية للاصغاء للأبدية على ساحل جولد مور

منحتني البنت ذات العين المثلومة في كافتيريا بجولد مور رقمها وقالت : با تتصل بي ي دحباشي ، كان اسمها لودميلا ، على اسم حبيبة ابيها الروسية وكانت عينها اليمنى تفصح عن عور عالم غبي صذفها بسنارة حديدية في الطفولة وبقي افتتان جولد مور فغمزت بالعين الاخرى وتقوضت انا امام جمال كون تأنث في عدن ذات ظهيرة بلا خوف ولا رجاء ؟ اتصلت بعدها وكان مجيب آلي يردد من ظلمات عدن : هذا الرقم لم يعد في الخدمة 

وغمزت بكل الحب المتبقي من عافية ليالي مدن السواحل فأحببت نفسي كما لم افعل منذ وعيت الوجود ، الكراهية اكثر منا 

اين تراك الان يا لودميلا 

؟ لم تكن رحلتي الى عدن بحثا عن فتيات ، كلما هنالك أنني بحاجة لبيت شعر واللحاق بالنغمة الأخيرة لمدينة يوشكون على الحاقها بتنظيم ساطور 

 

انا لم اصادفك في المدينة التي لن تكرهني ولم تخبرني عن المحبة والكراهية إذ 

بقيت تتدفق داخلي فحسب دون ان تطلب اوراقي الثبوتية

عدن التي يقال ان اول جريمة قتل في التاريخ اقترفت على ساحلها لأجل بنت عندما قتل قابيل اخاه ولم يجد اين يدفنه ، الاساطير وحدها تحكي البداية والنهاية والشعراء وحدهم يغادرون مدن الله تاركين للقتلة سرد الخاتمة 

هنا على راس صخرة في المعاشيق وقف الشاعر سعدي يوسف يرثي فردوسه الاخير في جحيم 86 بينما يتلاطم بحر الدم عند قدميه : 

غادرتك الدلافين 

هكذا قرر القادة الآلهة 

هكذا يجد الماركسي حقيقته

في النظرية 

لا في النظر 

وداعا عدن 

وداعا 

وداعا 

وداعا عدن .

15_قيس

هل وقعت في غرام امرأة ياقيس أو أنها فكرة ابتكرتها وحدتك وحسك الدائم بالاكتمال ؟ 

لا يمكن لمخلوقة حقيقية الصمود إزاء كل هذا البكاء والنزيف اليومي ، حتى انك جعلتها مكتملة ومثالية وأكثر طغيانا وجمالا من أن تكون حقيقة ، امرأة تضع الميك آب وتذهب للتسوق وتقرأ الروايات ولديها حساب في الفيسبوك .

افكر ياقيس انك مغرم ببرنامج الكتروني حرصت على إمداده بعصارة خبرتك في الهوس والاستعداد اللانهائي للركض خلفها دون رجاء ، لا يخالجك احساس ما باحتمالية أن تلتفت مثلا ، كأنك منحتها ابتسامة صوفيا لورين وعيون إيمان الطوخي وشيئا من مارلين مونرو ورائحة أنثى من مراهقتك ورحت تولم بسخاء من ينشد إشعال حرائق الرجال غلمة ونقمة ضد امرأة هي التجسيد الكلي للخيبة . 

أنت بصدد القصة الكاملة ، مثل من يدين لآلهة لن تمنحه غير العقاب والجحيم الأبدي ، ولقد تقمصت شخصية المجرم الملاحق من الشرطة والمدمن والمقامر والذاهل والشريد والمؤمن الجاهز للانتحار ، والفتاة لم تلتفت .

لقد لفت بنصوصك انتباه فتيات عالمك وهي لم تلتفت .

بكيت وتوعدت واعترفت وقدمت روحك منديلا تمسح به فمها إثر استفراغ ، وكأنه من بوابة فردوس لاسبيل للاقتراب منه ولا سبيل لتخطيه .

تحرجنا مع كل نص وقصيدة وفي كل مساء ياقيس ، تجعلنا فاقدي الأهلية عاطفيا ، وكأنه الحب الصادق شرك ولعنة ، وكأن المرأة الجديرة وحدها بالحب هي النسخة المطابقة لفتاتك الشريرة ، ونفكر : كيف ننتزعها من رأس هذا الفتى الممسوس ، وكل ما خطر لأحدنا تشييد مجسم محاكاة لفتاتك وكأنه يشيد تمثالا من الخذلان وعذابات البشر . 

نقرأ لك ونشعر كل يوم كم أننا بلا عاطفة وكيف أن الحب شأن قيسي محض ، وينتاب أحدنا ذلك الحس الشافي والرغبة في الإيذاء ، ونسأل : هل لديها ابتسامة وفي ذهنها ولو بيت شعر ، أتسمع أغان هذه الفتاة ؟ هل يمكن لإنسان أو صدمة ما دفعها للبكاء ؟ 

أخوال وأقارب وام عجوز ، أي فعل بذر هذا المخلوق ؟ المخلوق الأشبه بالعدم ، العدم ذروة الاستحواذ والغواية . 

حسنا : دون الرجوع إليك واستشارتك في الأمر ، سننتخبها الفتاة الأكثر وحشية في تاريخ الشعر والحب ومطارحات العاطفة ، سننصبها إمبراطورة للشر والجذوع المنخورة بالسوس والعناكب ، ونخلص لكونها حتى وهي ترتدي الجينز وتضع عطر ماركة وفي حقيبتها اليدوية اسطوانة لأغاني إيميلي إيفانسننس، حتى وقد صادفها شخص ما وبرفقته أشخاص ما يشهدون انها حقيقية ولها رائحة وطلاء أظافر سنتمسك بموقفنا الصارم من كونها مجرد فكرة ، فكرة نبتت في مخيلة شاعر منحها لون وظلال مثل رسام مختل وعبقري وقع في غرام شخبطاته . 

لو صادفتها يوما سأصرخ بها ،سيدتي : عودي لرأس صديقي ، هناك فحسب تجدين مكياجك ولون عينيك والمقاس الملائم للخصر والوجود ، هناك فحسب في وعي قيس للجحيم ابتسامة وخصر .

العاشق الذي وكلما حاول إطلاق النار ، يقتل نفسه .

حتى أنني لم اتمكن من الكتابة عن حبيبتك وفي وعيي تدور اغنية ما عاطفية وإيقاع من ذلك النوع الذي يحضر كل ما تواجدت امرأة ولو عنيدة وقاسية .

هذه الفتاة تحضر رفقة طبول حرب أو على إيقاع ” صوت عزف الشيطان ” ، اخبرها هذا ياقيس ، ربما تدرك أن وجودها متعذر وآثم وباعث على الانقباض عند الآخرين ، وجودها اللائق رهن بانعكاس صورتها في مكان واحد هو جدران قلبك المتصدع

لقد أحالته لهاوية ينبعث منها نداء رحيم ونازف لاسبيل لشفائه.

كأنك عازف الناي الدميم وقد أغرم بالأميرة _ أنت وسيم_ ابقته بعيدا وبقيت تصغي لعزفه من شرفة قصرها كل مساء ، وبعد موته تحول قلبه لحجر صنعوا منه إناء فخاريا ينبعث منه اللحن، نداء شجي موجوع ورحيم . 

ونقول في كل مرة : لديها أسبابها وهي ستعود حتما ، وكأنها حبيبتنا كلنا ، وقد تأبطت ذراعك المنسي هناك في شوارع مدن الغرب حيث تهجن الجسد اليمني من مزيج أنوثة بقيت رائحتها هنا وراحت ذراعيها تجوب الواجهات الزجاجية ، صورة منعكسة على المسافة بيننا وبين ما نحلم أن نكون عليه .

نظنها هكذا : ثلاثينية يعبث الهواء بوشاحها من لونين غاية في البساطة ، طويلة وبريئة ، ذلك أن قيس المهذوذ جعلها بريئة ومنحها غفرانا مسبقا لكل خطايا العاطفة المفتتنة بالذات ، ونفكر : ماذا لو حدق أحدنا في بياض عينيها ؟ أكان ليلمح قيسا وهو منطو على نفسه بوضعية تمثال إغريقي سقط من صلادة جبل الأولمب وقد اتحد باللعنة ، لعنة هيرا وهي تقهقه على قمة جبل خلى من المؤمنين بالحب وبقي على حافته قيس ظل طريقه من صحراء العرب إلى حيث يتحول الشعراء لأحجار راثية للذات ومسكونة في ذات الوقت بعشق الصخرة الهائلة التي لا تتكسر على أضلاعها الريح .

جنايتك بحقنا ياقيس في كونك استدرجتنا للشرك وجعلتنا نقع في غرام اللعنة .

بينما تنهمك أنت في مراسم تنصيب الآلهة : تلبسها كل مساء فستانا تحكم به العالم .

انيق وفاتن ومحرض ، متألم جذاب وجاهز للمحو والتكوين ، شاعر عظيم ومتأنق عدمي ، تقترب من قصائده وكأنك تتلمس الدانتيلا وتتنفس قريبا من عنق أنوثة الوجود البشري وقد التقطت اكسير الحياة ، وتموت رفقة قيس في كل مرة ، وتحيا وقيس لايكف يحتضر ، بمراس وكأنه يندفع صوب الحتمية معصوب العينين ، فاتن وبلا هوادة . 

أسأل : ايهما سيبقى ؟ قيس ام ذلك الشاعر الإيطالي الذي أنهى مقطوعته هكذا : سيجيئ الموت يوما وله عيناك .

 

ومع كل غروب ولحظة ان تتجاسر النشوة على البدأ من جديد نغمغم من صوت الشاعر احمد العواضي

“كان يحيى على مضض يقطف القات 

ثم يحدث أقرانه عن هواه 

البلاد التي 

الفتاة التي 

وبكى .”

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.