العرض في الرئيسةفضاء حر

الجنوب بعد عامين من الحرب .. الأرض والمياه والجزر والموانئ تتخطفها الدول وتنهشها الجيوش والأموال

يمنات

صلاح السقلدي

حتى يوم السبت الواقع في 26 مارس الجاري، يكون قد انقضى عامان كاملان على انطلاقة الحرب التي تقودها المملكة السعودية ودول عربية أخرى في اليمن تحت اسم “عاصفة الحزم”، لتحقيق أهدافها المعلنة باستعادة سلطة الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، من بين يدَي جماعة الحوثي (أنصار الله) والرئيس السابق، علي عبد الله صالح، أو قل لقد أكملت دول “التحالف” حولين كاملين من رضاعتها لسلطة هادي وحزب “الإصلاح”، وما تزال هذه السلطة كسيحة الحركة، هزيلة البُنية، مشوشة الذهن، معوقة التفكير.

فبالإضافة إلى الهدف المعلن لهذه الحرب، نعلم أن ثمة أهدافاً غير معلنة دعت السعودية إلى القيام بها، منها قطع الطريق على المساعي الإيرانية في اليمن، والتي تعتقد السعودية بتواجدها بواسطة الحركة الحوثية (أنصار الله)، وهذا الهدف، وبرغم أن السعودية و”التحالف” لم يعلناه صراحة، إلا أنه يُعلن على شكل تصريحات وبيانات سياسية بين الحين والآخر. هذا فضلاً عن الهدف الذي يعتقد كثير من المراقبين أن السعودية تستهدف تحقيقه، وهو تدمير القوة العسكرية اليمنية بعد أن استشعرت خطورتها، سواء القوة التي بحوزة الحوثيين وصالح، أو حتى التي بحوزة شركائها، أي شرعية هادي وحزب “الإصلاح” (جناح الإخوان في اليمن)، وإنهاك اليمن اقتصادياً ومالياً، وتفكيك مفاصله الإجتماعية والفكرية، والزج به في أتون الصراع الطائفي والمذهبي، ليتسنى بالتالي ضبط إيقاع حركة قواه الفاعلة، وإبقاؤه تحت سطوة كونترول التحكم السياسي، بعد أن تبدّت لدوائر الحكم في الرياض أن قبضتها في اليمن قد ارتخت لمصلحة قوى معادية لها في المنطقة وإيران بالذات، وأن ثمة قوى يمنية جديدة قد طفت على سطح الملعب اليمني تقود بوجه الرياض تمرداً على التسيّد السعودي، وتود – وفقاً للاعتقاد السعودي – كسر يد الهيمنة السعودية وتفتيت عظمها، بعد عقود من الإمساك بناصية القرار اليمني.

وبالنظر إلى المشهد العام في اليمن بعد عامين من الحرب، فإن الهدف الرئيس المعلن منها، أي استعادة سلطة الرئيس هادي وعودة طاقم سلطته إلى سدة الحكم وإسقاط الإنقلابيين بحسب الوعد الذي قطعه بيان إعلان “عاصفة الحزم” على لسان وزير الخارجية السعودي عادل الجبير من واشنطن ليلة 26 مارس 2015م، لم يتحقق حتى الآن – إن استثنيا عودة هادي وبعض وزرائه إلى عدن – بعد أن كان الإعتقاد حتى عند أكثر المتشائمين من المراقبين الخليجيين ليلة انطلاقة الحرب، بأن هذه الحرب لن تتجاوز مدتها بضعة أشهر على أكثر تقدير، حتى تكون صنعاء في قبضة “التحالف” وشركائه من حزب “الإصلاح” وجماعة الرئيس هادي، وتصير حركة الحوثي وصالح في خبر كان.

وكان الرهان لتحقيق ذلك مبنياً على حسابات وسيناريو اتضح في ما بعد أنه غير دقيق، وبُنيَ على قاعدة بيانات عسكرية وسياسية واجتماعية مغلوطة. فقد كانت الخطة العسكرية مرتكزة بالأساس على الضربات الجوية التي وفقاً لذلك السيناريو ستكون كفيلة بأن تحدث خضة كبيرة في صنعاء وعموم البلد، تتبعها انتفاضة شعبية تطيح بالقوى الإنقلابية دون الحاجة إلى تدخل بري. ربما القاعدة الشعبية التي كان يلوح بها حزب “الإصلاح” عبر شاشات التلفزة (مليونيات شعبية ضخمة) اتضح أنها أشبه بحمل كاذب. كل هذه التوقعات لم تتحقق على الواقع، على الأقل حتى اليوم.

و لما طالت الحرب دون تقدم يذكر على الأرض في الشمال، وترافق ذلك مع تزايد التململ الإنساني الدولي خصوصاً مع تزايد عدد ضحايا الغارات الجوية وتفاقم المعاناة الإنسانية، كان “التحالف” بمسيس الحاجة للبحث عن أي نصر عسكري على الأرض للتعويض عن تلك الخيبة، وكان الجنوب هو الأرضية المناسبة، وهو في نظر “التحالف” المرشح الوحيد للعب ذلك الدور بحكم الخصوصية الجنوبية في المسألة اليمنية، والسخط الجنوبي إزاء كل ما هو شمال على خلفية الرفض الجنوبي الممتد من عام 94م.

و بالفعل، فقد وجد “التحالف” ضالته المنشودة في الجنوب. فبدلاً من أن يكون “التحالف” عوناً للجنوب بحسب ما اعتقده قطاع واسع من الجنوبيين، كان العكس تماماً. فقد استغل “التحالف” تشتت الحراك الجنوبي وتهالك كثير من رموزه الثورية على فتات المعونات والأموال والأسلحة، واستخدمه على أكمل وجه كمنصة إطلاق شمالاً وجسر مرور آمن نحو صنعاء والحديدة وتعز، ومخزن يقدم التضحيات تلو التضحيات نيابة عن الآخرين، ومنهم حزب “الإصلاح” اليمني القاعد في هذه الحرب على مدرجات المشاهدين كخدمة بالمجان، أشبه بخدمة توصيل للمنازل، علماً أنه (أي الإصلاح) يُعدّ بحق رأس حربة الإحتلال منذ عام 94م، ومصنع الفتاوى التكفيرية المتجددة.

يقوم الجنوب بهذه المهمة دون أي اتفاق يضمن له حقه بأية تسوية سياسية قادمة، ودون أي تعهدات خليجية ولا حتى مع هادي وجماعته وحزب “الإصلاح”، لا من فوق الطاولة ولا من تحتها. وظهر – أقصد الجنوب – من الوهلة الأولى للحرب كأجير وتابع لشركاء يمنيين وإقليميين لا يعيرون له أدنى اعتبار، ولا يقيمون وزناً لتضحياته واستهلاك رصيد قضيته السياسية التي تذهب لمصلحتهم.

اليوم، يمكن القول إن الجنوب وإن كان قد حقق نصراً عسكرياً، إلا أنه لا يمكن الوثوق بأن هذا النصر سيوظف لمصلحته، على اعتبار أنه، حتى وإن بدا أنه الصانع الأول له، فهو نصر تتنازعه قوى داخلية كحزب “الإصلاح”، ودول إقليمية ترى أنها هي صاحبة الفضل بهذا النصر.

نقول إنه وبرغم هذا النصر العسكري، تبدو نسبة تحقيق مكاسب سياسية جنوبية مستقبلية ضعيفة إن لم تكن معدومة أصلاً. أتى ويأتي كل هذا على حساب الإعتبار السياسي للقضية الجنوبية التي تآكلت تروسها وخبا وهجها إلى درجة التعتيم خلال العاميين الماضيين، وتراجع صوتها التحرري إلى أبعد حد من التراجع والضمور، إلى درجة أضحى معها الخطاب الإعلامي والسياسي لقوى الحراك الجنوبي، وبالذات القوى المنادية بالتحرير واستعادة الدولة، مقموعاً ومحاصراً، بل ومخذولاً من قبل أصحابه الذين يبدو جزء منهم تائهاً بعد مصالحه الشخصية، وجزء آخر واقعاً تحت رعب سطوة الصولجان الخليجي، بل وباتت رموز من هذه القوى الحراكية تعمل على تكريس مشروع دولة الستة أقاليم، هذا المشروع الذي كانت ترى فيه القوى الثورية الجنوبية قبل الحرب مؤامرة صريحة على الجنوب، وخيانة عظمى من المروجين له، في واحدة من أشد المفارقات إيلاماً أن يتم تنفيذ مشروع سياسي معاد للجنوب بأيدٍ جنوبية، وبتضحيات جنوبية فادحة، بعد أن رفضه الجنوب وهو في أضعف حالاته، ينفذه اليوم صاغراً مرغماً بعد كل هذه التضحيات.

لم تتوقف الخسارة الجنوبية عند هذا الحد، بل تجاوزته إلى ما هو أبعد من ذلك، نعني تضاعف حالة التمزق التي تعتري النسيج السياسي الجنوبي مقارنة مع ما كان عليه قبل الحرب، بعد أن فعل ويفعل المال السياسي الخارجي من فعل وتدمير مستمر. هذا علاوة على أن الجنوب اليوم أضحى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، وميداناً للاعبين كُثر، ليس في أجندة أحدهم أي اهتمام إيجابي بالقضية الجنوبية. وزادت التدخلات العسكرية والسياسية والاستخباراتية الأمريكية المتصاعدة في الآونة الأخيرة من ضبابية المشهد في الجنوب. وأصبحت أراضي الجنوبي ومياهه الإقليمية وجزره وموانئه تتخطفها الدول وتنهشها الجيوش والأموال.

زد على ذلك أن الجنوب اليوم صار ملاذاً كبيراً لنشاط وعمليات وتحركات الجماعات الجهادية المتطرفة. وتبدو الصورة من هذه الزاوية أشد قتامة وبؤساً. فهذه الجماعات تحظى برعاية ودعم من قوى دول خليجية باعتبارها شريكاً فاعلاً معها في الحرب ضد قوات صالح والحوثيين.

و حتى بعد طرد هذه القوات من الجنوب، ما تزال تتمدد وتزداد سطوتها وقوتها يوماً إثر يوم، ليس على شكل جماعات متخفية أو منبوذة ومحاربة، بل من خلال تواجدها وتغلغلها في المؤسسات العسكرية والأمنية، وصار لها رموز وقيادات تجاهر بوجودها وبدورها، متخذة من النافذة المذهبية إطلالة لها، بعد أن انحسر دور القوى الدينية التقليدية المسالمة في الجنوب، وبالذات الصوفية والشافعية والأقليات الدينية الأخرى، كالإسماعيلية والبهائية التي باتت جميعها في مرمى النيران الوهابية المتشددة، ما يعني أن النسيج الإجتماعي والفكري في الجنوب صار يتهتك يوماً بعد يوم. وإن لم يكن غير هذا الخطر هو الذي يتهدد الجنوب، لكان كافياً أن نعتبر الجنوب ومستقبله في خطر حقيقي داهم، يستدعي استنفار كل الإمكانيات لإنقاذه.

قفلة: مَـن ضيّع اسمه ضيّع قُـسمه.

المصدر: العربي

 للاشتراك في قناة موقع يمنات على التليجرام انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى